فصل 33 · قراءة 4 د

هو وحده

وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكًا، انصرف أيضًا إلى الجبل وحده. يوحنا 6: 15.

كثيرًا ما تخبرنا الأناجيل عن انفراد المسيح في العزلة للصلاة. فلوقا يذكر صلاته إحدى عشرة مرة. ومرقس يخبرنا في أول أصحاح من إنجيله، بعد أمسيةٍ كانت المدينة كلها قد اجتمعت فيها على الباب وشفى هو كثيرين: «وفي الصبح باكرًا جدًا قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء، وكان يصلّي هناك». وقبل أن يختار رسله الاثني عشر: «وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلّي. وقضى الليل كله في الصلاة لله». ويبدو أنّ هذه الفكرة، فكرة الانفراد التامّ، قد تركت في التلاميذ أثرًا عميقًا، حتى نشأ عنها ذلك التعبير ذو الدلالة الذي استعمله يوحنا: «انصرف أيضًا إلى الجبل وحده»، كما كان متى قد كتب أيضًا: «صعد إلى الجبل منفردًا ليصلّي. ولما صار المساء كان هناك وحده». فقد شعر المسيح بالحاجة إلى عزلة كاملة. فلنطلب نحن في اتّضاع أن نعرف ما معنى هذا.

1. هو وحده. وحده تمامًا بذاته، وحده مع نفسه. ونحن نعلم كم تجذبنا الوحدة مع الناس بعيدًا عن أنفسنا، وكم تستنزف قوانا. وقد عرف الإنسان المسيح يسوع هذا أيضًا، فشعر بالحاجة إلى أن يرجع إلى نفسه من جديد، وأن يجمع قواه كلها، وأن يجدّد في وعيه ما هو كائنه وما هي حاجته، وأن يدرك إدراكًا تامًّا مصيره الرفيع، وضعفه البشري، واتّكاله الكامل على الآب. فكم بالحريّ يحتاج ولد الله إلى هذا! وسواء أكان ذلك في وسط تشتّت المشاغل الدنيوية أم في وسط الخدمة الدينية، وسواء أكان لأجل حفظ حياتنا المسيحية نحن أم لأجل تجديد قوتنا على التأثير في الناس لله، فثمّة أبدًا دعوة ملحّة إلى كل مؤمن أن يتبع خطوات سيده، وأن يجد المكان والوقت اللذين فيهما يستطيع حقًّا أن يكون هو وحده مع نفسه.

2. هو وحده، مع الحقائق الروحية. ففي الانسحاب التامّ من كل ملامسة للأمور التي تُرى والتي هي إلى حين، نتحرّر نحن لكي نُسلم ذواتنا بالتمام لقوى العالم غير المنظور، ولكي نَدَعها هي تتملّكنا وتسودنا. وقد احتاج يسوع إلى الوقت وإلى الهدوء مرة بعد مرة على الدوام، ليدرك إدراكًا حيًّا قوةَ مملكة الظلمة التي جاء ليصارعها وليقهرها، وحاجةَ هذا العالم العظيم، عالم البشر، الذي جاء ليخلّصه، وحضورَ الآب وقدرتَه، ذاك الآب الذي جاء ليعمل مشيئته. وما من شيء ألزم في الخدمة المسيحية من أن يجلس الإنسان في بعض الأحيان ليفكّر تفكيرًا عميقًا مركّزًا في تلك الحقائق الروحية التي هي مألوفة لديه كل الألفة من جهة المعرفة، والتي مع ذلك كثيرًا ما تمارس على القلب وعلى الحياة سلطانًا ضئيلًا جدًا.

إنّ حقائق الأبدية لها قوة لا تُحدّ؛ وإنما تبقى كثيرًا ما تكون بلا قوة لأننا لا نعطيها الوقت لكي تُعلن ذاتها لنا. هو وحده — هذا هو الدواء الوحيد.

3. هو وحده، مع الله الآب. قد يقال إنّ العمل عبادة، وإنّ الخدمة شركة. ولو كان ثمّة إنسان يستطيع أن يستغني عن أوقات خاصة للعزلة والشركة، لكان ذلك ربّنا المبارك. ومع ذلك فهو لم يكن يستطيع أن يعمل عمله، ولا أن يحفظ شركته في ملء قوتها، بغير وقته الهادئ. فقد شعر، بوصفه إنسانًا، بالحاجة إلى أن يحمل عمله كله، ماضيه ومستقبله، ويضعه أمام الآب، وأن يجدّد إحساسه باتّكاله المطلق على محبة الآب، في أوقات شركة خاصة. وحين قال: «لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا»، «كما أسمع هكذا أتكلّم»، لم يكن يعبّر إلا عن الحقيقة البسيطة في علاقته بالله؛ وهذا هو الذي جعل انفراده عن الناس ضرورةً وفرحًا لا يُنطق به. فيا ليت الله يجعل كل خادم من خدامه يفهم هذا الفنّ المبارك ويمارسه، وليت الكنيسة تعرف كيف تدرّب أولادها على شيء من الإحساس بهذا الامتياز العالي المقدّس، حتى يكون لكل مؤمن، بل يجب أن يكون له، وقتُه الذي فيه يكون حقًّا — هو وحده مع الله. آه، ما أعجب هذه الفكرة: أن يكون الله لي وحدي، وأن أعلم أنّ الله قد أخذني له وحده!

4. هو وحده، مع الكلمة. لقد كان على ربّنا، بوصفه إنسانًا، أن يتعلّم كلمة الله وهو صبيّ؛ وفي تلك السنين الطوال التي قضاها في الناصرة، كان يتغذّى بتلك الكلمة ويجعلها له. وفي عزلته كان يتباحث مع الآب في كل ما نطقت به تلك الكلمة عنه هو، وفي كل ما أعلنته له من مشيئة الله ليعملها هو. وفي حياة المسيحي، إنّ من أعمق الدروس التي عليه أن يتعلّمها أنّ الكلمة بغير الله الحيّ لا تنفع إلا قليلًا؛ وأنّ بركة الكلمة إنما تأتي حين تأتي بنا إلى الله الحيّ؛ وأنّ الكلمة التي ننالها من فم الله هي التي تحمل معها القوة على أن نعرفها وأن نعملها.

فلنتعلّم هذا الدرس: إنّ الشركة الشخصية مع الله في الخفاء هي وحدها القادرة أن تجعل الكلمة حياةً وقوة.

5. هو وحده، في الصلاة. أيّ امتياز لا يُنطق به هو الصلاة، إذ تتيح للإنسان أن يبسط حياته كلها أمام الله، وأن يطلب تعليمه وقوته! حاول لحظةً واحدة أن تفكّر ما كانت تعنيه الصلاة ليسوع: أيّ سجود عابد، وأيّ محبة متواضعة، وأيّ تضرّع كتضرّع الأولاد لأجل كل ما احتاج إليه. وبمقدار ما نعجز عن تصوّر هذا كما ينبغي، نعجز عن أن ندرك أيّ غبطة تنتظر ذاك الذي يعرف أن يتبع خطوات المسيح، وأن يختبر أقصى ما يقدر الله أن يفعله بمن يجعل هذا فرحه الأعظم — أن يكون معه، هو وحده.

هو وحده. ما أعمق ما تفتحه لنا هذه الكلمات من سرّ الحياة التي حياها المسيح على الأرض، ومن سرّ الحياة التي يحياها الآن فينا. ومن تلك الحياة التي يحياها فينا بروحه القدوس، هذا واحد من أبرك عناصرها، أنه يُعلن لنا ويمنحنا كل ما تعنيه تلك الكلمة — هو وحده.

صفحة 1 / 4 · 4 دقيقة متبقية في الفصل