فصل 29 · قراءة 4 د
القداسة — الغاية الأولى من درس الكتاب المقدّس
«قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ». يوحنا 17:17.
في صلاته الشفاعيّة العظمى، تكلّم ربّنا عن تلك الكلمات التي كان الآب قد أعطاه إياها، وعن إعطائه هو إياها لتلاميذه، وعن قبولهم هم لها وإيمانهم بها. وهذا هو وحده الذي جعلهم تلاميذ. وحفظهم لهذه الكلمات هو الذي كان يمكّنهم حقًّا أن يحيوا حياة التلاميذ الحقيقيّين وأن يعملوا عملهم هم. فقبول كلمات الله من المسيح وحفظها إنما هو علامة التلمذة الحقيقيّة وقوّتها.
وإذ صلّى إلى الآب أن يحفظهم في العالم بعد أن يتركه هو ويمضي، سأل أن يقدّسهم في الحقّ، كما هو ساكن في كلمته وعامل فيها. وقد قال المسيح عن نفسه: «أنا هو… الحقّ». فقد كان هو الوحيد من الآب، مملوءًا نعمةً وحقًّا. ولم يكن تعليمه هو كذلك التعليم الذي للناموس الذي جاء بموسى، إذ كان ذلك يعطي معرفةً ووعدًا بخيراتٍ آتية لم تكن هي إلا صورةً أو ظلًّا.
«الكلام الذي أكلّمكم به هو روح وحياة» — إذ هو يعطي عين الجوهر وعين القوّة والامتلاك الإلهيّ لتلك الأمور نفسها التي يتكلّم عنها. وقد تكلّم المسيح عن الروح بوصفه روح الحقّ الذي يرشد إلى جميع الحقّ الذي كان فيه هو، لا على سبيل المعرفة أو العقيدة، بل إلى اختباره والتلذّذ به فعلًا.
ثمّ هو بعد ذلك يصلّي أن يقدّسهم الآب في هذا الحقّ الحيّ، كما هو ساكن في الكلمة، وكما هو مُعلَن فيه هو نفسه بالروح. يقول: «ولأجلهم أقدّس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ». ويسأل الآب، في قدرته وفي محبّته، أن يتولّى أمرهم كلَّه، حتى يتحقّق قصده هو — أن يقدّسهم في الحقّ، وذلك بكلمته التي هي حقّ — فيكونوا هم أيضًا، مثله هو تمامًا، مقدَّسين في الحقّ. فلندرس إذًا تلك الدروس العجيبة المعطاة لنا هنا في شأن كلمة الله.
«قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ». إنّ الغاية العظمى من كلمة الله هي أن تجعلنا قدّيسين. فما من اجتهادٍ ولا نجاحٍ في درس الكتاب يفيدنا حقًّا ما لم يجعلنا أشدّ اتّضاعًا وأوفر قداسة. وفي كلّ استعمالٍ لنا للكتاب المقدّس، يجب أن يكون هذا غرضنا الأوّل بوضوحٍ وتحديد. والسبب في أنّ قراءة الكتاب تكثر كثيرًا مع ثمرٍ حقيقيّ قليل في الخلق الذي يشبه المسيح، هو أنّ «الخلاص بتقديس الروح وتصديق الحقّ» ليس مطلوبًا طلبًا حقيقيًّا. فالناس يتوهّمون أنهم إن درسوا الكلمة وقبلوا حقائقها، فإنّ ذلك بذاته سينفعهم على نحوٍ من الأنحاء.
ولكنّ الاختبار يعلّمنا أنّ الأمر ليس كذلك. فثمر الخلق المقدّس، والحياة المكرَّسة، والقوّة على بركة الآخرين، لا يأتي، وذلك لسببٍ بسيطٍ طبيعيّ جدًّا: أننا لا ننال أبدًا إلا ما نطلبه نحن. لقد أعطانا المسيح كلمة الله لكي تجعلنا قدّيسين؛ ولا يمكن للحقّ — لا الحقّ العقائديّ، بل قوّته الإلهيّة المحيية، المانحة عين حياة الله، التي يحتويها في ذاته كالبذرة — أن ينفتح ويهب ذاته لنا إلا حين نجعل هذا غرضنا المحدَّد في كلّ درسٍ للكتاب.
«قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ». إنّ الله نفسه هو وحده القادر أن يقدّسنا بكلمته. فالكلمة، منفصلةً عن الله وعن عمله هو المباشر، لا تقدر أن تنفع شيئًا البتّة. فالكلمة إنما هي أداة؛ ولا بدّ لله نفسه أن يستعملها هو. فالله وحده هو القدّوس. وهو وحده القادر أن يقدّس. وقيمة كلمة الله التي لا يُعبَّر عنها إنما هي في أنها وسيلة الله للتقديس. والغلط الفادح عند كثيرين هو أنهم ينسون أنّ الله وحده يقدر أن يستعملها أو أن يجعلها فعّالة. فليس يكفي أن يكون لي دخولٌ إلى صيدليّة الطبيب؛ بل أنا محتاج إليه هو نفسه ليصف لي الدواء. وبدونه قد يكون استعمالي أدويته قاتلًا. وهكذا كان الأمر أيضًا مع الكتبة. فقد افتخروا بناموس الله، وتلذّذوا بدرسهم للكتاب، ومع ذلك بقوا غير مقدَّسين. فالكلمة لم تقدّسهم هم، وذلك لأنهم لم يطلبوا هذا في الكلمة، ولم يسلّموا لله أن يصنعه هو لهم.
«قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ». إنّ هذه القداسة التي تكون بالكلمة يجب أن تُطلب من الله وأن تُنتظر منه هو في الصلاة. فربّنا لم يعلّم تلاميذه أنه يجب أن يكونوا قدّيسين فحسب، ولم يقدّس ذاته لأجلهم ليكونوا مقدَّسين في الحقّ فحسب، بل رفع كلماته وعمله كلَّه إلى الآب بالصلاة أن يقدّسهم هو نفسه. ومن أشدّ ما نحتاج إليه أن نعرف كلمة الله وأن نتأمّل فيها تأمّلًا. ومن أشدّ ما نحتاج إليه أن نضع قلوبنا على أن نكون قدّيسين، بوصف ذلك غرضنا الأوّل والأعظم في درس الكلمة. غير أنّ هذا كلّه لا يكفي وحده؛ فكلّ شيء إنما هو متوقّف على اتّباعنا المسيح في سؤال الآب أن يقدّسنا هو بالكلمة. إنه الله، الآب القدّوس، هو الذي يجعلنا قدّيسين، بروح القداسة الساكن فينا. وهو يعمل فينا عين فكر المسيح وميله، وهو الذي هو تقديسنا نحن. «ليس قدّوس مثل الربّ»؛ فالقداسة كلّها إنما هي له هو، وهي ما يهبه لنا بحضوره القدّوس.
لم يكن المسكن ولا الهيكل مقدَّسين بفضل التطهير أو الفرز أو التكريس وحدها. بل إنما صارا مقدَّسين بدخول الله فيهما وسكناه هو فيهما. فامتلاكه هو إياهما هو الذي جعلهما مقدَّسين. وهكذا أيضًا يجعلنا الله نحن قدّيسين بكلمته، إذ هي تأتي بالمسيح وبالروح القدس إلى داخلنا. ولا يقدر الآب أن يصنع هذا فينا إلا إذ نمكث نحن أمامه، ونسكت أمامه، وفي اتّكالٍ عميقٍ وتسليمٍ تامّ نسلّم أنفسنا له. ففي الصلاة المرفوعة باسم ذلك الشفيع العظيم، وفي شركته وفي إيمانه: «قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ» — هناك وحدها تُوجد قدرة الآب المقدِّسة، وهناك تجعلنا معرفتنا لكلمة الله قدّيسين حقًّا.
ما أقدسها تلك سهر الصباح! فتلك الساعة إنما هي مكرَّسة على وجه الخصوص لتسليم النفس لقداسة الله، لكي تتقدّس هي بالكلمة. فلنذكر نحن على الدوام أنّ غاية كلمة الله الواحدة هي أن تجعلنا قدّيسين. ولتكن هذه صلاتنا الدائمة في كلّ حين: «يا أبتاه، قدّسني في حقّك».