فصل 23 · قراءة 4 د
التغذّي بالكلمة
«وُجد كلامك فأكلته، فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي». — إرميا 15: 16.
ههنا لك ثلاثة أمور. أولها وجدان كلام الله. وهذا لا يأتي البتّة إلّا للذين يطلبونه ويبحثون عنه باجتهاد ودأب. ثم يأتي بعده الأكل. وهذا إنما يعني التملّك الشخصيّ لكلام الله ليكون هو قُوتنا نحن، أي أخذه ورفعه إلى داخل كياننا. «فأجاب وقال: مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله». متى 4: 4 ثم يأتي بعد ذلك الابتهاج: «يشبه ملكوت السماوات كنزًا مخفًى في حقل، وجده إنسان فأخفاه. ومن فرحه مضى وباع كلّ ما كان له واشترى ذلك الحقل». متى 13: 4 فههنا إذًا لنا الوجدان، ثم التملّك، ثم الابتهاج. «وُجد كلامك فأكلته، فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي».
والأكل ههنا هو الفكرة المحوريّة التي يدور عليها الكلّ. فيسبقه البحث والوجدان، ويرافقه ويتبعه الابتهاج والفرح. فهو الغاية الوحيدة من الأول وهو فائدته الوحيدة لا غير؛ وهو السبب الوحيد للثاني وهو حياته كلّها. وفي خفاء المخدع، كم من الأمور يتوقّف على هذا الأمر الواحد وحده: «فأكلته»!
ولكي تدرك الفرق بين هذا وبين وجدان كلام الله، قارِن القمح الذي قد يكون الإنسان قد خزنه في أهرائه، بالخبز الذي هو على مائدته. فكلّ ما قد بذله من كدٍّ مجتهد في الزرع وفي الحصاد وفي التخزين، وكلّ ما قد ناله من أجرٍ غنيّ على عنايته، لا يقدر أن ينفعه في شيء إلّا متى تغذّى بالقسم اليوميّ من الخبز الذي يحتاج إليه جسده. ففي الوجدان والحصاد والتخزين، كانت هذه هي الأمور المنظور إليها: كثرة المقدار وسرعة العمل. وأمّا في الأكل فيحدث النقيض من ذلك تمامًا — فههنا قلّة المقدار، والمداومة البطيئة التي لا تنقطع، هما ما يميّز التملّك.
أترى أنت تطبيق هذا كلّه على درسك للكتاب المقدس في سهر الصباح؟ إنك تحتاج أن تجد كلام الله، وأن تتقنه بالتأمّل المتأنّي فيه، حتى يكون مخزونًا في ذهنك وفي ذاكرتك لاستعمالك الخاصّ ولفرحك العظيم — أي فرح الحصاد أو فرح النصرة؛ فرح كنزٍ قد أُحرز، أو صعابٍ قد غُلبت. ومع ذلك كلّه يجب أن نذكر أنّ هذا الوجدان لكلام الله وامتلاكه ليس هو بعدُ ذلك الأكل له، الذي هو وحده يأتي إلى النفس بالحياة الإلهيّة وبالقوّة.
فكون الإنسان مشغولًا بقمحٍ جيّد صحّيّ ومالكًا له، لا يغذّيه ولا يقيته في شيء. وكون المرء مهتمًّا اهتمامًا عميقًا بمعرفة كلمة الله لا يغذّي النفس في ذاته البتّة. «وُجد كلامك» — كان ذلك هو الأمر الأول. «فأكلته» — وهذا هو وحده الذي أتى بالفرح وبالابتهاج.
وما هذا الأكل؟ إنّ القمح الذي قد زرعه الفلّاح وابتهج به بوصفه ملكه هو، لم يكن ليقدر أن يغذّي حياته حتى يأخذه ويأكله، ويمثّله في نفسه تمثيلًا تامًّا حتى يصير جزءًا منه هو، داخلًا في دمه، مكوّنًا عظمه ولحمه عينهما. وهذا يجب أن يتمّ بمقدار قليل في المرّة الواحدة، مرّتين أو ثلاثًا في اليوم، كلّ يوم من أيام السنة كلّها. هذا هو ناموس الأكل. فليس ما يؤمّن صحّة الحياة الروحيّة ونموّها هو متعة درسي للكتاب المقدس أو نجاحي فيه؛ وليس هو ما أنا حائزه من وضوحٍ متزايد في الرؤية أو من سعةٍ في الإدراك. كلّا البتّة. فكثيرًا ما يترك هذا كلّه الطبيعةَ غير مقدَّسة وغير روحيّة إلى حدّ بعيد، وليس فيها إلّا القليل جدًّا من قداسة المسيح يسوع أو من تواضعه: فثمّة أمر آخر غير هذا لازم. وقد قال يسوع: «طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني».
أن تأخذ قسمًا صغيرًا من كلمة الله، وصيّةً معيّنة أو واجبًا من واجبات الحياة الجديدة، وأن تقبله في هدوء إلى إرادتك وإلى محبّة قلبك، وأن تسلّم كيانك كلّه لسلطانه عليك، وأن تنذر، بقوّة الرب يسوع، أن تتمّمه: هذا، ثم أن تمضي بعده فتفعله بالفعل — هذا هو أكل الكلمة، وأخذها إلى أعماق كياننا، حتى تصير جزءًا ثابتًا لا يتزعزع من حياتنا عينها. والأمر عينه يقال في حقٍّ من الحقائق أو في وعدٍ من المواعيد؛ فما قد أكلتَه يصير الآن جزءًا منك أنت، وأنت تحمله معك حيثما ذهبت، جزءًا من الحياة التي تحياها.
وأنت ترى للحال كيف أنّ نقطتَي الفرق بين القمح في الأهراء والخبز على المائدة تشملان درسك كلّه للكتاب المقدس وتسعانه. فجمع المعرفة الكتابيّة شيء. وأمّا أكل كلمة الله، أي قبولها في قلبك بقوّة الروح الواهب للحياة، فهو شيء آخر مختلف كلّ الاختلاف.
وأنت ترى أيضًا كيف أنّ ناموسَي أكل الطعام، خلافًا لناموسَي وجدانه، يجب أن يُطاعا في كلّ حين. فأنت تستطيع أن تجمع الحبّ وأن تخزنه ليكفيك سنين طوالًا. ولكنك لا تستطيع أن تبتلع من الخبز مقدارًا كافيًا ليكفيك أيامًا. فيومًا فيومًا، وأكثر من مرّة في اليوم الواحد، تأخذ أنت طعام يومك. وهكذا يجب أن يكون أكل كلمة الله بأقسام صغيرة، بمقدار ما تستطيع النفس في كلّ مرّة أن تقبله وأن تهضمه. وهذا يومًا فيومًا، من طرف السنة إلى طرفها الآخر.
وهذا التغذّي بالكلمة هو وحده الذي يمكّنني أن أقول: «فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي». ويقول جورج مولر إنه قد تعلّم أنه لا ينبغي له أن يكفّ عن قراءة الكلمة حتى يشعر بالفرح في الله: فعندئذ فقط كان يشعر أنه صار أهلًا لأن يخرج إلى عمل نهاره.