فصل 22 · قراءة 4 د
مشيئة الله
«ليأتِ ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض». — متى 6: 10.
1. إنّ مشيئة الله هي القوّة الحيّة التي يدين لها العالم بوجوده كلّه. فبتلك المشيئة، وبحسب تلك المشيئة، هو ما هو عليه. وهو التعبير عن المشيئة الإلهيّة في حكمتها وفي قدرتها وفي صلاحها، أو هو إعلانها، أو هو تجسيدها. وليس له من جمالٍ ولا من مجد إلّا ما يدين به لكون الله قد شاءه. وكما أنّ تلك المشيئة هي التي كوّنته، كذلك هي التي تعضده وتقيمه كلّ يوم. وهكذا تفعل الخليقة ما قد قُصدت له: فهي تُظهر مجد الله. «الحيوانات تعطي مجدًا وكرامةً وشكرًا للجالس على العرش، الحيّ إلى أبد الآبدين… لأنك أنت خلقت كلّ الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخُلقت».
2. وهذا صحيح في الطبيعة غير الحيّة. وهو أصحّ منه بعدُ في الخلائق العاقلة. فقد أخذت المشيئة الإلهيّة على عاتقها خلق كائنٍ على صورتها هي وشبهها، له القدرة الحيّة على أن يعرف تلك المشيئة التي يدين لها بكيانه، وأن يقبلها، وأن يعمل معها. وغبطة الملائكة الذين لم يسقطوا إنما هي في أنهم يحسبون أعظم كرامة لهم وأعظم سعادة أن يقدروا أن يشاؤوا ويفعلوا تمامًا ما يشاؤه الله ويفعله. ومجد السماء إنما هو أنّ مشيئة الله تُعمل هناك.
وأمّا خطيّة الملائكة الساقطين والناس وشقاؤهم فإنما هما، ببساطة، في أنهم قد ارتدّوا عن مشيئة الله وتحوّلوا عنها، وأبوا أن يثبتوا فيها وأن يعملوها.
3. وما الفداء إلّا ردّ مشيئة الله إلى مكانها الذي لها في العالم. ولهذه الغاية جاء المسيح وأظهر في حياة بشريّة أنه ليس للإنسان إلّا شيء واحد يحيا لأجله: وهو عمل مشيئة الله. وأظهر لنا أنّ للتغلّب على المشيئة الذاتيّة طريقًا واحدًا لا غير — وهو الموت عنها، بإطاعة مشيئة الله حتى الموت. وهكذا كفّر عن مشيئتنا الذاتيّة وغلبها هو لأجلنا، وفتح لنا طريقًا، عبر الموت والقيامة، إلى حياةٍ متّحدة كلّ الاتّحاد بمشيئة الله ومكرّسة لها كلّ التكريس.
4. ومشيئة الله الفادية قادرة الآن أن تصنع في الإنسان الساقط ما قد صنعته مشيئته الخالقة وما تزال تصنعه في الطبيعة، أو في الكائنات التي لم تسقط. ففي المسيح وفي مثاله أعلن الله ذلك التكريس لمشيئته وتلك المسرّة بها، اللذين يطلبهما منّا وينتظرهما. وفي المسيح وبروحه هو يجدّد إرادتنا ويمتلكها: فيعمل فيها أن نريد وأن نعمل، ويجعلنا قادرين وراغبين أن نعمل كلّ مشيئته. وهو نفسه «يعمل كلّ شيء حسب رأي مشيئته». «ليكمّلكم في كلّ عمل صالح لتصنعوا مشيئته، عاملًا فيكم ما يُرضي أمامه». ومتى أعلن الروح القدس هذا لنا، وصُدّق، وقُبل في القلب، بدأنا نبصر شيئًا من معنى تلك الصلاة: «لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض»، واستيقظت فينا الرغبة الحقيقيّة في الحياة التي تَعِد بها.
5. وما أشدّ ما يلزم المؤمن أن يدرك علاقاته بمشيئة الله وما لها عليه هو من حقّ. فكثيرون، بل كثيرون جدًّا من المؤمنين، لا تصوّر لديهم البتّة لما ينبغي أن يكون عليه إيمانهم أو شعورهم في ما يخصّ مشيئة الله. وما أقلّ من يقول منهم: ليس تصوّري كلّه للغبطة في شيء سوى الانسجام التامّ الكامل مع مشيئة الله. وإني لأحسّ أنّ حاجتي الواحدة هي ذلك التسليم الدائم المحفوظ، حتى لا أفعل قطّ، ولا في أصغر الأمور وأدناها، غير ما يشاء الله أن أفعله. وبنعمة الله، يمكن أن تكون كلّ ساعة من ساعات حياتي حياةً في مشيئة الله وعملًا بها كما تُعمل في السماء.
6. ولن تكون لنا الجرأة على الإيمان باستجابة تلك الصلاة التي قد علّمنا إيّاها ربّنا إلّا متى ملك على القلب إيمان حيّ بالمشيئة الإلهيّة، وهي تتمّم مقاصدها فينا شيئًا فشيئًا يومًا بعد يوم. ولن نفهم كيف أنّ الاتّحاد الوثيق به هو الذي يعطي الثقة بأنّ الله سيعمل الكلّ فينا، إلّا متى رأينا أنّ عمل مشيئة الله فينا إنما يتمّ ويُنفَّذ بيسوع المسيح وحده. وهذه الثقة بالله، بيسوع المسيح، هي وحدها التي تؤكّد لنا أننا نحن أيضًا نقدر أن نؤدّي نصيبنا الذي لنا، وأنّ إرادتنا الضعيفة ههنا على الأرض تقدر حقًّا أن توافق مشيئة الله وأن تعمل معها. فلنقبل إذًا نصيبنا وواجبنا بوصفه الأمر الوحيد الذي يشتهيه قلبنا ويرغب فيه: أن تُعمل مشيئة الله في كلّ شيء فينا وبنا، كما تُعمل في السماء؛ وذلك الإيمان هو الذي يغلب العالم.
7. ولا يجوز أن تُفصل المشيئة ههنا عن اتّحادها الحيّ بالآب، ولا عن الحضور الحيّ للابن المبارك. فلا يمكن البتّة أن تُعرف مشيئة الله معرفةً حقيقيّة في جمالها، وفي تطبيقها على الحياة اليوميّة، وفي إعلانها المتزايد أبدًا، إلّا بإرشادٍ إلهيّ يُعطى بالروح القدس. وهذا التعليم إنما يُعطى لا «للحكماء والفهماء» بل «للأطفال»، أي للرجال ذوي المزاج الطفوليّ، الراضين بأن ينتظروا ما يُعطى لهم وأن يتّكلوا عليه وحده. والإرشاد الإلهيّ هو الذي سيقودهم في سبيل مشيئة الله.
8. واتّحادنا السرّيّ بالله هو الموضع الذي فيه نردّد تلك الدروس العظيمة ونتعلّمها… فالإله الذي أعبده إنما يطلب منّي اتّحادًا تامًّا كاملًا بمشيئته… وعبادتي أنا إنما تعني: «أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت». إنّ ساعة الصباح، والمخدع، والاتّحاد السرّيّ بالله — متى طُلبت في هذه كلّها ونُمّيت معرفةُ مشيئة الله، والقدرةُ على إتمامها، والتسليمُ الكامل الفرح لعمل كلّ ما يشاؤه الله، فإنّ دراستنا لكلمة الله وصلاتنا ستأتيان عندئذ ببركتهما الحقيقيّة الكاملة.