فصل 15 · قراءة 5 د

التأمّل

«طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن في ناموس الرب مسرّته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا» (مزمور 1:1-2).

(يشوع 1:8. مزمور 119:15، 23، 48، 78، 97، 99 و148. 1 تيموثاوس 5:15.) «لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضيّةً أمامك يا رب» (مزمور 19:14 و49:3).

إنّ الغاية الحقيقية من التربية والدرس والقراءة لا تُوجد فيما يُدخَل إلينا من خارج فيُستعمل، بل فيما يُستخرَج من داخلنا نحن، وذلك بأن تستيقظ قوانا الباطنة فتُدفَع إلى ممارسةٍ حيّةٍ فعّالة. وهذا صحيحٌ في درس الكتاب المقدس صحّتَه في أيّ درسٍ آخر من الدروس. فكلمة الله لا تعمل بركتها الحقيقية إلا متى كان الحقّ الذي تحمله إلينا قد حرّك الحياة الباطنة فينا، وأنتج نفسه فينا عزمًا أو ثقةً أو محبةً أو سجودًا. ومتى قبِل القلبُ الكلمةَ عن طريق العقل، ودُعيت قواه الروحية كلها فمُورست عليها، لم تعد الكلمة فارغةً بعدُ، بل تكون قد عملت ذلك العمل الذي أرسلها الله لأجله حيثما أرسلها. وتكون قد صارت جزءًا من حياتنا نحن، وشدّدتنا لقصدٍ جديد وجهدٍ جديد.

وإنما في التأمّل يمسك القلبُ الكلمةَ ويجعلها ملكًا له. فكما أنّ الفهم، في التفكّر، يمسك كل معنى الحقيقة وكل ما يترتّب عليها من نتائج، هكذا القلب في التأمّل يهضمها ويجعلها جزءًا من حياته هو. ونحن محتاجون إلى من يذكّرنا بلا انقطاع أنّ القلب إنما يعني ههنا الإرادة والعاطفة معًا. فتأمّل القلب يتضمّن الشوق والقبول والتسليم والمحبة. ومن القلب مخارج الحياة؛ فما يؤمن به القلب إيمانًا حقيقيًّا، إيّاه يقبل بمحبةٍ وفرح، ويدعه يسود على الحياة كلها ويحكمها. إنّ العقل هو الذي يجمع الطعام الذي علينا أن نقتات به ويهيّئه لنا. أما في التأمّل فالقلب هو الذي يأخذه إلى داخله ويقتات به.

وفنّ التأمّل يحتاج إلى أن يُتعهَّد بالتنمية. فكما يحتاج الإنسان إلى أن يُدرَّب على جمع قواه العقلية ليفكّر تفكيرًا واضحًا دقيقًا، هكذا يحتاج المسيحي إلى أن يتروّى ويتأمّل، حتى تتكوّن فيه تلك العادة المقدَّسة: عادةُ أن يبني القلب كله بناءً كاملًا على كل كلمةٍ من كلام الله.

ويُسأل أحيانًا هذا السؤال: كيف السبيل إلى أن تُنمَّى قوّة التأمّل هذه؟ فأول ما يجب أن يكون هو أن نمثُل نحن أنفسنا أمام الله. فإنها كلمته هو؛ وليس لتلك الكلمة قوّة بركةٍ البتّة بمعزلٍ عنه. وإنما قُصد بالكلمة أن تدخل بنا إلى حضرته وإلى شركته. فتعوَّد أن تحيا في حضرته، وخذ الكلمة كأنها آتيةٌ إليك من فمه هو، واثقًا كل الثقة بأنه سيجعلها تعمل عملها الفعّال في القلب. وفي المزمور 119 ترد هذه الكلمة سبع مرّات، ولكنها في كل مرّةٍ منها جزءٌ من صلاةٍ مرفوعة إلى الله: «بوصاياك ألهج». «كم أحببت شريعتك!»

«اليوم كله هي لهجي». فالتأمّل إنما هو القلب وهو يتحوّل نحو الله بكلمته هو، طالبًا أن يرفعها إلى عاطفته وإلى إرادته، بل إلى حياته نفسها.

وثمّة عنصرٌ آخر من عناصر التأمّل الحقيقي، وهو السكون المستريح. ففي درسنا للكتاب المقدس، وفي سعينا لنمسك بحجّةٍ من الحجج أو نتغلّب على صعوبةٍ من الصعوبات، كثيرًا ما يحتاج عقلنا إلى أن يبذل أقصى ما عنده من جهد. أما عادة النفس المطلوبة في التأمّل فمختلفةٌ عن هذه. فههنا نتحوّل بحقيقةٍ من الحقائق قد وجدناها، أو بسرٍّ من الأسرار ننتظر فيه تعليمًا إلهيًّا، لنخبّئ الكلمة التي نحن مشغولون بها في عمق القلب، ولنؤمن بأنّ معناها وقوّتها سيُعلَنان لنا، بالروح القدس، في حياتنا الباطنة.

«ها قد سُررت بالحق في الباطن، ففي السريرة تعرّفني حكمة». وفي وصف أمّ ربّنا يسوع يُقال لنا: «وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرةً به في قلبها». ففي حفظ أمّه كل هذا الكلام في قلبها، لنا صورةُ نفسٍ قد ابتدأت تعرف المسيح، وهي سائرةٌ في الطريق الأكيد إلى أن تعرفه معرفةً أفضل ممّا عرفته. ولا حاجة بنا بعدُ إلى أن نزيد فنقول إنّ التطبيق الشخصي يحتلّ في التأمّل مكانًا بارزًا.

وهذا قليلٌ جدًّا جدًّا في درسنا العقلي للكتاب المقدس؛ إذ غايته أن نعرف ونفهم. أما في التأمّل فالغاية الأولى أن نمتلك ونختبر. فالاستعداد لأن نصدّق كل وعدٍ تصديقًا مطلقًا، ولأن نطيع كل وصيةٍ بلا تردّد، ولأن «نثبت كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله» — هذا وحده هو روح درس الكتاب المقدس الحقيقي.

وإنما في التأمّل الساكن يُمارَس هذا الإيمان، ويُقدَّم هذا الولاء، ويُبذَل التسليم الكامل لكل مشيئة الله، ويُنال اليقين بأنّ النعمة ستُعطى لنا لنوفي بكل ما نذرناه من نذورٍ له.

ثم إنّ التأمّل لا بدّ أن يقود إلى الصلاة. فهو الذي يهيّئ لنا مادّة الصلاة. ولا بدّ أن يمضي بنا إلى الصلاة، لنطلب ونأخذ أخذًا محدَّدًا ما رأيناه في الكلمة أو قبِلناه فيها. وقيمته كلها في أنه إعدادٌ للصلاة، أي للتضرّع المقصود بكل القلب من أجل ما شعر القلب أنّ الكلمة قد أعلنته ضروريًّا أو ممكنًا. ومعنى ذلك أنّ راحة الإيمان تنظر إلى فوق، واثقةً بأنّ الكلمة ستنفتح وتُبرهن على قوّتها في النفس التي تبذل نفسها لها بوداعةٍ وصبرٍ وأناة.

وأما ثواب أن نستريح حينًا من الأحيان من الجهد العقلي، وأن نتعهّد بالتنمية عادةَ التأمّل المقدَّس، فهو أنّ هذين الاثنين، على مرّ الزمان، سيُجلَبان إلى الانسجام أحدهما مع الآخر، وأنّ دراستنا كلها ستحيا وتتحرّك بروح انتظارٍ ساكنٍ لله، وبروح بذلٍ للقلب والحياة كليهما لكلمته.

إنّ شركتنا مع الله مقصودٌ بها النهار كله من أوّله إلى آخره. وبركة أن نُثبِّت في أنفسنا عادة التأمّل الحقيقي في سهر الصباح هي أننا سنُقرَّب أكثر فأكثر إلى تلك الطوبى، طوبى ذلك الرجل الذي في المزمور الأول: «في ناموس الرب مسرّته، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا».

وليذكر كل العاملين وقادة شعب الله أنهم محتاجون إلى هذا أكثر من سواهم، إن كانوا سيدرّبون الناس عليه، ويحفظون اتّصالهم هم بلا انقطاع بالينبوع الوحيد للقوّة والبركة. يقول الله: «أكون معك. لا أهملك ولا أتركك». «إنما كن متشدّدًا وتشجّع جدًّا لكي تتحفّظ للعمل حسب كل الشريعة… لكي تفلح حيثما تذهب. لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهارًا وليلًا… لأنك حينئذٍ تصلح طريقك وحينئذٍ تفلح… تشدّد وتشجّع».

«لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضيّةً أمامك يا رب، صخرتي ووليّي». فلا يكن هدفك أنت شيئًا دون هذا — أن يكون تأمّلك مرضيًّا في عينيه هو، وأن يكون جزءًا من تلك الذبيحة الروحية التي تقدّمها له. ولا تكن صلاتك ولا ترقّبك شيئًا دون هذا أيضًا: أن يكون تأمّلك عبادةً حقيقية، أي تسليم القلب الحيّ لكلمة الله وهو في حضرته.

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل