فصل 14 · قراءة 3 د

أفكار الله وأفكارنا

«لأنه كما علت السماوات عن الأرض، هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم» (إشعياء 55:9). على الأرض، كثيرًا ما تعني كلماتُ الرجل الحكيم شيئًا غير الذي يفهمه السامع منها. فما أطبعَ الأمرَ إذًا أن تعني كلمات الله، كما يفهمها هو نفسه، شيئًا أعلى إلى ما لا نهاية له ممّا ندركه نحن للوهلة الأولى.

وثمّة حاجة عظيمة جدًّا إلى أن نذكر هذا على الدوام. فإنّ ذكره سينقلنا أبدًا من أن نقنع ونستريح إلى ما لنا من معرفةٍ للكلمة ومن أفكارٍ عنها، إلى أن نتعجّب وننتظر ما عساها تكون بركتها الكاملة كما قصدها الله لنا. وهو يعطي صلاتنا من أجل تعليم الروح القدس مضاءً جديدًا وإلحاحًا جديدًا، حتى يرينا ما لم يخطر بعدُ على بالنا أن نتصوّره. وهو يعطي ثقةً للرجاء بأنّ لنا، حتى في هذه الحياة، تتميمًا يفوق أعلى أفكارنا.

وهكذا يكون لكلمة الله معنيان اثنان. أحدهما ذاك الذي لها في فكر الله، إذ تصير الكلمات البشرية بالحقيقة حاملةً كل مجد الحكمة والقدرة والمحبة الإلهية. والآخر إدراكنا نحن لها، وهو إدراكٌ ضعيفٌ ناقصٌ مختلّ، لا يبلغ منها إلا بعضها. وحتى بعد أن تكون النعمة والاختبار قد جعلا كلماتٍ مثل محبة الله، ونعمة الله، وقدرة الله، أو أيًّا من المواعيد الكثيرة المتّصلة بهذه الأمور، حقيقيةً واقعيةً جدًّا عندنا، يبقى في الكلمة ملءٌ لا نهاية له لم نعرفه بعد. وما أشدّ ما يبيّن لنا نصّنا هذا المأخوذ من إشعياء هذا الأمر.

«كما علت السماوات عن الأرض». إنّ إيماننا بهذه الحقيقة من البساطة والوضوح بحيث لا يحلم أحدٌ بأن يحاول بذراعه الصغيرة أن يبلغ الشمس أو النجوم. ولو صعد أعلى الجبال لما أفاده ذلك شيئًا. فنحن نؤمن بها بكل قلوبنا. والآن يقول الله كذلك أيضًا: «أفكاري أعلى من أفكاركم». فحتى حين تكون الكلمة قد نطقت بأفكار الله، وحين تكون أفكارنا نحن قد سعت لتأخذها إليها، تبقى تلك الأفكار عاليةً فوق أفكارنا كما علت السماوات عن الأرض. إنّ كل ما في الله من لانهاية، وكل ما في العالم الأبدي، إنما هو ساكنٌ في الكلمة كما تسكن في البذرة الحياةُ الأبدية. وكما أنّ شجرة البلّوط التامّة النموّ أعظم على نحوٍ سرّيّ من الثمرة الصغيرة التي نبتت منها، هكذا كلمات الله ليست إلا بذورًا تنمو منها عجائبُ النعمة والقدرة الجبّارة التي لله.

والإيمان بهذه الكلمة ينبغي أن يعلّمنا درسين اثنين: أحدهما درس الجهل، والآخر درس الترقّب. فعلينا أن نتعلّم كيف نأتي إلى الكلمة كأولادٍ صغار.

قال يسوع: «أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال». وليس الفهماء والحكماء ههنا بالضرورة مرائين ولا أعداءً لله. فكم من أولاد الله الأحبّاء أنفسهم قد أُخفي عنهم الحقّ فلم يصيروا قطّ رجالًا روحيّين، وذلك لأنهم أهملوا أن يتعهّدوا على الدوام بالتنمية والرعاية روحًا كروح الأطفال الصغار، واتّكلوا من غير أن يشعروا على كون عقيدتهم موافقةً للكتاب، أو على استقامتهم وأمانتهم في درسهم الروحي. «لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله». فليكن إحساسٌ عميق بجهلنا نحن، وارتيابٌ عميق في قدرتنا نحن على أن نفهم أمور الله ذاتها، هو الطابع الذي يطبع درسنا للكتاب المقدس.

وكلما عمُق يأسنا من أن ندخل نحن حقًّا إلى داخل أفكار الله، أمكن أن تعظُم فينا ثقةُ الترقّب وتزداد. فإنّ الله يريد أن يجعل كلمته حقًّا فينا. «وكلّ بنيك تلاميذ الرب». والروح القدس ساكنٌ فينا من قبلُ ليُعلن لنا أمور الله. وجوابًا لصلاتنا المتّضعة المؤمنة، سيعطينا الله به بصيرةً لا تزال تنمو أبدًا في سرّ الله — في اتّحادنا العجيب بالمسيح وشبهنا به، وحياته هو فينا، وكوننا في هذا العالم كما كان هو.

بل ما هو أكثر من هذا: إن عطشت قلوبنا إليه وانتظرت، فقد يأتي وقتٌ، بإفاضةٍ خاصّة من روحه، تُشبَع فيه أشواقنا كلها، ويمتلك المسيح القلب امتلاكًا تامًّا، حتى يصير ما كان زمانًا طويلًا مجرّد إيمانٍ اختبارًا حيًّا: أنه كما علت السماوات عن الأرض، هكذا علت أفكاره عن أفكارنا.

صفحة 1 / 3 · 3 دقيقة متبقية في الفصل