فصل 13 · قراءة 4 د
القلب والفهم
«توكَّل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد» (أمثال 3:5). إنّ الغرض الأول من سفر الأمثال أن يعلّم الإنسان المعرفة والتمييز، وأن يهديه في سبيل الحكمة والفهم. فأن نفهم البرّ، وأن نفهم مخافة الرب، وأن نجد فهمًا صالحًا — إلى هذا كله تعرض علينا الأمثال أن تقودنا. غير أنها، ونحن في إثر هذا كله، تنذرنا إنذارًا صريحًا: أن نميّز بين الاتّكال على فهمنا نحن وعقلنا نحن، وبين طلب ذلك الفهم الروحي الذي لا يهبه إلا الله وحده، حتى يصير لنا قلبٌ فهيم؛ «وعلى فهمك لا تعتمد».
وفي كل ما نطلبه من معرفةٍ وحكمة، وفي كل تدبيرنا لحياتنا، أو درسنا للكلمة، إنما لنا هاتان القوّتان: الفهم أو العقل، وهو الذي يعرف الأشياء من خارج، بالطبيعة وبما نكوّنه عنها من التصوّرات؛ والقلب، وهو الذي يعرفها بالاختبار، إذ يرفعها إلى الإرادة والعاطفة فتصير جزءًا منه.
وإني لمقتنعٌ اقتناعًا عميقًا أنّ واحدًا من أهمّ الأسباب في أنّ هذا القدر الكبير من تعليم الكتاب المقدس ومعرفته يبقى بلا ثمرٍ يُذكر، وواحدًا من أهمّ عِلل ما في الكنيسة من نقصٍ في القداسة والتعبّد والقوّة، إنما يوجد ههنا: في الاتّكال على فهمنا نحن في أمور الدين. وإني أتوسّل إلى قرّائي أن يصغوا إليّ ههنا بأناة.
ويحتجّ كثيرون فيقولون: أوَليس الله هو الذي أعطانا عقولنا؟ وبدونها لا سبيل البتّة إلى معرفة كلمة الله. وهذا حقٌّ كل الحق؛ ولكن اسمع. لقد اختلّت طبيعتنا البشرية كلها بالسقوط، فاستُعبدت الإرادة، وانحرفت العواطف، وأظلم الفهم. والكلّ يُقرّون بخراب السقوط في الأمرين الأولين، لكنهم في واقع أمرهم ينكرونه في الأمر الأخير. فهم يُقرّون بأنّ المؤمن نفسه ليس له في ذاته قدرةٌ على إرادةٍ مقدَّسة، وأنه محتاجٌ كل يوم إلى تجديد نعمة يسوع المسيح فيه.
ويُقرّون أيضًا بأنه لا قدرة له على عاطفةٍ مقدَّسة، يحبّ بها الله ويحبّ بها قريبه، إلا أن يكتبها فيه الروح القدس بلا انقطاع. ولكنهم لا ينتبهون إلى أنّ العقل هو أيضًا خرِبٌ روحيًّا وعاجزٌ بالقدر عينه، وأنه غير قادرٍ على إدراك الحق الروحي.
وقد كانت الرغبة في المعرفة، على وجهٍ لم يأذن به الله وفي وقتٍ حرّمه، هي بنوعٍ خاصّ ما أضلّ حواء، وذلك ما انتهت إليه التجربة. وأن نظنّ أنّ في وسعنا أن نأخذ لأنفسنا معرفة حق الله من كلمته كما نشاء نحن — هذا إلى اليوم أعظم خطرٍ يتهدّدنا.
إنّنا محتاجون إلى اقتناعٍ عميق بعجز فهمنا نحن عن أن يعرف الحق معرفةً حقيقية، وإلى اقتناعٍ عميق بذلك الخطر المخيف، خطر الثقة بالنفس وخداع النفس، الذي يلازم الإنسان وهو يحاول ذلك؛ فحينئذٍ فقط نرى مقدار حاجتنا إلى هذه الكلمة: «توكَّل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد» (أمثال 3:5). فبالقلب يؤمن الإنسان. وبكل القلب علينا أن نطلب الله، وأن نخدمه، وأن نحبّه. وبالقلب وحده يؤمن الإنسان. وبكل قلوبنا علينا أن نطلب الله، وأن نخدمه، وأن نحبّه. وبالقلب وحده نقدر أن نعرف الله، أو أن نسجد لله بالروح والحق. ففي القلب إذًا، لا في سواه، تصنع الكلمة الإلهية عملها كله. وإلى قلوبنا نحن أرسل الله روح ابنه. والقلب — أي تلك الحياة الباطنة، حياة الشوق والمحبة والإرادة والتسليم — هو الذي يرشده الروح القدس إلى جميع الحق.
وفي درس الكتاب المقدس أيضًا: «توكَّل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد». فلا تتّكل على فهمك أنت، بل لا تثق به البتّة. فإنه لا يقدر أن يعطيك سوى أفكارٍ وتصوّراتٍ عن الأمور الإلهية ليس فيها حقيقتها. وسيخدعك بالظنّ أنّ الحق، إن دخل إلى الذهن، فلا بدّ أنه سيدخل بطريقةٍ ما إلى القلب. وهكذا يُعمي عينيك عن ذلك الاختبار المخيف الذي عمّ الجميع: أنّ الناس يقرأون كلمة الله كل يوم، ويطربون كل أحدٍ لسماعها، ثم لا يجعلهم ذلك متواضعين، ولا قدّيسين، ولا سماويّي الفكر.
فعوض أن تتّكل على الفهم، تعالَ إلى الكتاب المقدس بالقلب.
وعوض أن تتّكل على الفهم، توكَّل على الرب بكل قلبك. فلا يكن الفهم هو الشيء الأول والأعظم متى دخلت مخدعك، بل ليكن القلب كله مشدودًا إلى الله الحيّ نفسه بوصفه هو المعلّم. حينئذٍ، وحينئذٍ فقط، تجد فهمًا صالحًا. وسيعطيك الله قلبًا فهيمًا، ويعطيك فهمًا روحيًّا.
ولعلك تسألني، كما سُئلتُ مرارًا كثيرة: «ولكن ماذا أصنع أنا؟ وكيف أدرس كتابي المقدس؟ إني لا أرى سبيلًا إلى ذلك إلا باستعمال الفهم». وهذا صحيحٌ تمامًا، ولا اعتراض عليه. ولكن لا تستعمله فيما لا يقدر هو عليه. واذكر ههنا أمرين اثنين: الأول أنه لا يقدر أن يعطيك إلا صورة الأمور الروحية أو فكرةً عنها؛ فما إن يفعل هذا حتى تمضي بقلبك إلى الرب ليجعل هو كلمته فيك حياةً وحقًّا. والثاني أن تذكر أنّ كبرياء العقل، أي خطر الاتّكال على فهمك أنت، خطرٌ لا يهدأ ولا ينقطع، وأنه ما من شيءٍ البتّة — ولا أشدّ العزائم تصميمًا — يقدر أن ينجّيك منه، سوى اتّكال القلب المتواصل على تعليم الروح القدس. فما من سبيلٍ إلى أن يهدي العقل إلا أن يُحيي الروح القدس الكلمة في القلب، في الميول والعواطف. «يُدرّب الودعاء في الحق، ويعلّم الودعاء طرقه» (مزمور 25:9). «بدء الحكمة مخافة الرب» (أمثال 9:10) — والمخافة إنما هي استعدادُ قلب. فمع كل فكرةٍ يمسكها الفهم من الكلمة، انحنِ أمام الله في اتّكالٍ عليه وثقةٍ به. وآمن بكل قلبك أنّ الله يقدر أن يجعلها حقًّا فيك، وأنه سيفعل ذلك. واطلب الروح القدس أن يجعلها تعمل عملها الفعّال في القلب. وهكذا تصير الكلمة قوّة حياتنا.
فواظب على هذا، وسيأتي الوقت الذي فيه يمسك الروح القدس، الساكن في القلب وفي الحياة كلها، الفهمَ خاضعًا له، ويدع نوره المقدَّس يُشرق من خلاله.