فصل 1 · قراءة 6 د

ساعة الصباح

«يا رب، بالغداة تسمع صوتي. بالغداة أوجّه صلاتي نحوك وأنتظر». — مزمور 5:3.

«أعطاني السيد الرب لسان المتعلّمين لأعرف أن أُغيث المُعيي بكلمة. يوقظ كل صباح، يوقظ لي أذنًا لأسمع كالمتعلّمين». — إشعياء 50:4.

منذ أقدم العصور نظر خدّام الله إلى الصباح بوصفه الوقت الموافق لعبادة الله. ولا يزال المسيحيون جميعًا إلى اليوم يرون أنه واجب وامتياز في آنٍ واحد أن يُفرزوا شيئًا من مطلع النهار لطلب الشركة مع الله. وكثير من المسيحيين، ولا سيّما رابطة الطلبة المسيحية، يحفظون ما يسمّونه «سهر الصباح»؛ أما جمعية الجهد المسيحي للشبّان فتتكلّم عنه بوصفه «ساعة الهدوء»؛ ويستعمل آخرون غيرهم اسم «ساعة السكون» أو «وقت الخلوة».

وهؤلاء جميعًا، سواء أكانوا يفكّرون في ساعة كاملة أم في نصف ساعة أم في ربع ساعة، إنما يتّفقون كلهم مع صاحب المزمور فيما هو يقوله: «يا رب، بالغداة تسمع صوتي».

وفي كلامه عن الأهمية القصوى لوقت الخلوة اليومي هذا، وقت الصلاة والتأمّل في كلمة الله، قال السيد موت: «بعد قبول المسيح مخلّصًا، والمطالبة بمعمودية الروح القدس، لا نعرف عملًا يصحبه خير أعظم لنا أو لغيرنا من عقد عزم مشجَّع على حفظ سهر الصباح، وعلى قضاء نصف الساعة الأولى من النهار مع الله وحده». وقد يبدو هذا القول لأول وهلة مبالغًا فيه أشدّ مما ينبغي. ذلك أنّ قبول المسيح مخلّصًا عمل تترتّب عليه عواقب لا نهاية لها في الأبدية، والمطالبة بالروح القدس عمل يُحدث في الحياة المسيحية انقلابًا عظيمًا؛ حتى إنّ أمرًا بسيطًا كالتصميم الأكيد على حفظ سهر الصباح لا يكاد يبدو من الأهمية بحيث يستحقّ أن يُوضع في المرتبة التي تليهما مباشرةً.

غير أننا متى فكّرنا كم يستحيل علينا أن نحيا حياتنا اليومية في المسيح مخلّصًا لنا من الخطية، أو أن نحفظ سلوكًا لنا في قيادة الروح القدس وفي قوّته، من غير شركة يومية وثيقة مع الله، رأينا سريعًا صدق هذا القول وصوابه. وذلك أنه لا يعني في جوهره إلا التصميم الثابت على أن تكون للمسيح الحياة كلها، وعلى أن يُطاع الروح القدس في كل شيء طاعة تامّة كاملة. فسهر الصباح هو مفتاح الموقف الذي فيه يمكن أن يُحفظ التسليم للمسيح وللروح القدس حفظًا كاملًا لا ينقطع.

وحتى ندرك هذا الأمر، لننظر أولًا فيما ينبغي أن يكون هو غرض سهر الصباح. فليس يجوز لنا البتّة أن نحسب سهر الصباح غاية قائمة في ذاتها.

ولا يكفي أنه يهبنا وقتًا مباركًا للصلاة ولدرس الكتاب المقدس، فيأتينا من ثمّ بقدرٍ من الانتعاش والعون. بل إنما هو وسيلة إلى غاية أبعد منه. وتلك الغاية هي أن نضمن لأنفسنا حضور المسيح النهار كله. فإنّ التكرّس الشخصي لصديق أو لغاية يُطلَب بلوغها إنما يعني أن يحتفظ ذلك الصديق أو تلك الغاية بمكانهما في القلب على الدوام، حتى في الحين الذي تشغل فيه الانتباهَ ارتباطاتٌ أخرى. والتكرّس الشخصي ليسوع يعني أننا لا نسمح لشيء البتّة أن يفصلنا عنه ولو لحظة واحدة.

أن نثبت فيه وفي محبته، وأن يحفظنا هو وتحفظنا نعمته، وأن نكون عاملين مشيئته ومُرضين له — هذا كله لا يمكن بحال أن يكون أمرًا متقطّعًا عند من تكرّس له حقًا. «إني محتاج إليك كل ساعة»، «لحظةً فلحظةً أُحفظ في محبته»: هذان النشيدان هما لغة الحياة والحق. «باسمك يبتهجون اليوم كله»، «أنا الرب حارسها، أسقيها كل لحظة»: وهذه كلمات ذات قوّة إلهية. فالمؤمن لا يقدر أن يثبت لحظة واحدة من غير المسيح. والتكرّس الشخصي له يأبى أن يقنع بشيء أقلّ من أن يثبت دائمًا في محبته وفي مشيئته. وما دون ذلك ليس هو الحياة المسيحية الكتابية الحقّة. ولا يمكننا أن نرى ما لسهر الصباح من أهمية ومن بركة ومن غاية حقيقية إلا حين لا يكون غرضه الأول شيئًا أقلّ من هذا.

وكلما كان غرض سعينا أوضح في أعيننا، كنّا أقدر على تهيئة الوسائل الموصلة إلى بلوغه. فانظر الآن إلى سهر الصباح بوصفه الوسيلة إلى هذه الغاية العظمى: إني أريد أن أضمن لنفسي حضور المسيح النهار كله ضمانًا مطلقًا، وألّا أعمل شيئًا واحدًا يمكن أن يعترض ذلك أو يفسده. وإني أشعر للحال أنّ نجاحي في نهاري إنما يتوقّف على وضوح الإيمان وعلى قوّته، ذلك الإيمان الذي يطلبه ويجده ويتمسّك به في المخدع. أما التأمّل والصلاة والكلمة فتُستعمل كلها تابعةً لهذا الأمر ومعينةً عليه: فالرباط الذي يربطني بالمسيح في نهاري يجب أن يُجدَّد وأن يُوثَّق توثيقًا محكمًا في ساعة الصباح. وقد يبدو في أول الأمر أنّ التفكير في النهار كله، بما فيه من همومٍ وملذّاتٍ وتجاربَ محتملة، إنما يُعكّر تلك الراحة التي كنت قد تمتّعتُ بها في خلوتي الهادئة. وهذا ممكن؛ غير أنه لن يكون خسارة.

إنّ الدين الحقّ إنما يقصد أن تتكوّن فينا شخصية المسيح تكوّنًا يجعل روحه ومزاجه يظهران حتى في أشدّ أعمالنا اعتيادًا. فإنّ روح المسيح ومشيئته إنما قُصد لهما أن يمتلكانا امتلاكًا يصير معه العمل بمقتضاهما طبيعةً ثانية لنا: في مخالطتنا للناس، وفي أوقات راحتنا، وفي أشغالنا. وهذا كله ممكن أن يكون، لأنّ المسيح نفسه، وهو الحيّ، إنما يحيا فينا. فلا تضطرب إن بدا لك هذا الهدف في أول الأمر عاليًا أكثر مما ينبغي أو عسيرًا، وإن هو شغل من وقتك في ساعة الصلاة الخاصة أكثر مما كنت تظنّ. فإنّ الوقت الذي تبذله فيه سيُكافأ مكافأةً غنيّة. وستعود إلى الصلاة وإلى الكتاب المقدس بقصدٍ جديد وبإيمانٍ جديد.

ومتى بدأ سهر الصباح يُحدث أثره في النهار كله، عاد النهار بدوره فأثّر في نصف الساعة الأولى منه، وصار للشركة مع المسيح عندنا معنًى جديد وقوّة جديدة. وسيظهر أثر ذلك بنوع خاص في الروح التي بها تحفظ سهر الصباح.

ومتى تملّكتنا جلالة الهدف، أي الشركة غير المنقطعة مع الله في المسيح طوال النهار، وتملّكتنا حقيقةُ الوسيلة التي تضمنه، وهي لقاء واعٍ محدَّد بالمسيح وضمانُ حضوره للنهار كله، تبيّن لنا أنّ الأمر الجوهري الواحد إنما هو القصد بكل القلب: التصميم الثابت على إحراز الجائزة، مهما كلّف ذلك من جهد أو من إنكار للذات. فكل طالب يعرف، في الدرس أو في الملعب، كم يلزم من عزيمة قويّة ومن قصد صارم إن نحن أردنا أن ننجح.

والدين يحتاج، بل هو في الحقيقة يستحقّ، تكرّسًا أشدّ حرارةً لا أقلّ. وإن كان ثمّ شيء يستحقّ ذلك، فمحبة المسيح هي التي تحتاج إلى القلب كله. وهذا التصميم الثابت على ضمان حضور المسيح قبل كل شيء آخر هو الذي يغلب كل تجربة تدعونا إلى عدم الأمانة أو إلى السطحية في حفظ عهودنا. وهذه هي الإرادة التي تجعل سهر الصباح نفسه واسطة نعمة عظيمة في تقوية الشخصية، وفي تشديد عزائمنا لنقول «لا» لكل داعٍ إلى تدليل النفس. وهذه هي الإرادة التي تمكّننا، متى دخلنا المخدع وأغلقنا الباب، أن نكون هناك بكل قلوبنا، مستعدّين للحال لاتحادنا بالمسيح. وهذا هو التصميم الذي يصير، من سهر الصباح فصاعدًا، نغمة حياتنا اليومية كلها.

وكثيرًا ما يقال في العالم إنّ الأمور العظيمة إنما تكون في متناول كل إنسان يعرف ما الذي يريده، ثم يريد ذلك بكل قلبه.

أما الطالب الذي جعل التكرّس الشخصي للمسيح شعارَه، فإنه سيجد في ساعة الصباح ذلك الموضع الذي فيه تتجدّد له يومًا فيومًا بصيرتُه في دعوته المقدسة؛ والموضعَ الذي فيه تتقوّى إرادته وتتشدّد ليسلك سلوكًا يليق بتلك الدعوة؛ والموضعَ الذي فيه يُكافأ إيمانه بحضور المسيح نفسه، وهو ينتظر أن يلاقيه وأن يتولّى أمره في ذلك النهار كله. «يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا». إنّ مسيحًا حيًّا ينتظر أن يلاقينا.

صفحة 1 / 4 · 6 دقيقة متبقية في الفصل