إله كل تعزية ·الشكر في مقابل التذمّر

فصل 15 · قراءة 13 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الشكر في مقابل التذمّر

«ٱشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ ٱللهِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ» (1 تسالونيكي 5:18).

الشكر والتذمّر موقفان متقابلان. فالنفس الشاكرة تجد العزاء في كل شيء، والنفس المتذمّرة لا تجد العزاء في شيء.

ووصيّة الله هي: «ٱشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ». وهي وصيّة صريحة. فإن أردنا أن نطيع الله، فلا مندوحة لنا عن الشكر في كل شيء. ليس إلى ذلك من سبيل آخر. ومع هذا ينظر كثيرون من المؤمنين إلى هذه الوصيّة على أنها «مشورةُ كمالٍ» لا يبلغها لحمٌ ودمٌ. وهم، من حيث لا يشعرون، يبدّلون صيغتها، فيجعلونها «استسلِموا» بدل «اشكروا»، و«في أمورٍ قليلة» بدل «في كل شيء».

ويحتجّون قائلين: «لو كان كل شيء آتيًا من الله رأسًا، لأمكنني ذلك؛ ولكنّ معظم الأمور تأتينا عن طريق البشر أو عن طريق الخطيّة». وجوابي على هذا: إننا لا نستطيع دائمًا أن نشكر على الأمور في ذاتها، ولكننا نستطيع دائمًا أن نشكر على محبّة الله الكامنة فيها. فهو حاضر فيها في موضعٍ ما، يُلزم حتى أشدّها مرارةً بأن تعمل معًا لخيرنا. والإيمان لا يرى قطّ «الأسباب الثانية» (أي الأشخاص الذين جرحونا أو الأخطاء التي أصابتنا)؛ بل لا يرى إلا يد الله من ورائها. فحين تبلغنا آثار التجربة، تكون قد صارت مشيئة الله لنا، وينبغي أن نقبلها من يديه.

وقصّة يوسف مثالٌ على ذلك. فما من أمرٍ كان يبدو أشدّ مناقضةً لمشيئة الله من أن يبيعه إخوته عبدًا. ومع هذا، لو أنه عرف الآخرة من البداية، لامتلأ شكرًا. فقد كانت عبوديّته هي الباب المباشر إلى أعظم بركات حياته. وفي النهاية استطاع يوسف أن يقول: «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا ٱللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا» (تكوين 50:20). ففي عين الحواسّ أنّ إخوته أرسلوه إلى مصر؛ وأما في عين الإيمان فقد «أَرْسَلَنِي ٱللهُ» (تكوين 45:7).

وأذكر تجربةً مرّت بي في حياتي جلبها عليّ إنسانٌ آخر. وقد امتلأتُ تمرّدًا مرًّا، ولم أرَ فيها ما يستحقّ الشكر. غير أنّ تلك التجربة بعينها أثمرت أغنى بركات حياتي. فلو كان لي من الإيمان ما يكفي لأشكر منذ البداية، لوفّرتُ على نفسي حزنًا كثيرًا.

وأخشى أنّ أقصى ما يبلغه كثيرون من المؤمنين هو «السعي إلى الرضى» بأمورٍ لا يقدرون على تغييرها. أما الشكر فيكاد يكون رياضةً مجهولة. وفي العالم يُعَدّ من قلّة اللياقة أن ينال المرء إحسانًا فلا يقول «شكرًا»؛ ولا أرى لماذا لا يكون ذلك قلّةَ لياقةٍ نحو الله أيضًا. فنحن لا يخطر لنا قطّ أن نغفل كلمة شكرٍ لصديقٍ بشريّ على هديّةٍ تافهة، ومع هذا نغفل شكر الله على الإحسانات التي لا تُحصى والتي يغمرنا بها.

بل الأدهى من ذلك أنّ كثيرين يبيحون لأنفسهم التذمّر والدمدمة. وقد قيل لنا إنه «وَكَانَ ٱلشَّعْبُ كَأَنَّهُمْ يَشْتَكُونَ شَرًّا فِي أُذُنَيِ ٱلرَّبِّ. وَسَمِعَ ٱلرَّبُّ فَحَمِيَ غَضَبُهُ» (عدد 11:1). ونحن نُجرَّب بأن نظنّ أنّ تذمّرنا «الروحيّ» لا يُسخطه — بل هو دليل غيرةٍ أو عمق بصيرة. غير أنّ التذمّر هو نقيض الإيمان الذي يُرضي الله.

على أنّ التذمّر واحدٌ في طبيعته دائمًا، سواء أكان في المجال الزمنيّ أم في المجال الروحيّ. فهو ينطوي دائمًا على عنصر التخطئة. يقول ويبستر إنّ معنى «يتذمّر» هو «أن يوجّه تُهمةً أو اتّهامًا». فليس التذمّر مجرّد كراهيةٍ للأمر الذي علينا أن نحتمله، بل هو تخطئةٌ للقوّة الكامنة وراءه. ولو فحصنا بدقّة بواطن تذمّراتنا، لوجدنا في الغالب أنها قائمة على تخطئةٍ خفيّةٍ لله. فنحن نشعر في سرّنا كأنه هو الملوم، ونوجّه إليه في أذهاننا تُهَمًا.

وعلى النقيض من ذلك، فإنّ الشكر ينطوي دائمًا على تسبيح المُعطي. أفلاحظتَ يومًا كم يحثّنا الكتاب المقدس بقوله: «سَبِّحُوا ٱلرَّبَّ»؟ لقد كان ذلك الجزء الأعظم من عبادة إسرائيل: «سَبِّحُوا ٱلرَّبَّ لِأَنَّ ٱلرَّبَّ صَالِحٌ. رَنِّمُوا لِٱسْمِهِ لِأَنَّ ذَاكَ حُلْوٌ» (مزمور 135:3). وأعتقد أننا لو أحصينا الوصايا، لوجدنا الوصايا بالشكر «كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» أكثر من الوصايا بأيّ عملٍ آخر. ومن الواضح أنّ الرب يحبّ أن يُشكَر ويُسبَّح كما نحبّ نحن ذلك. فهذا يمنحه سرورًا حقيقيًّا، وإخفاقنا في شكره على كلّ «عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ ومَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ» (يعقوب 1:17) يجرح قلبه، كما تُجرَح قلوبنا حين يُخفق أحبّاؤنا في تقدير ما نغدقه عليهم.

وحين يحثّنا الرسول على أن نكون «مُتَمَثِّلِينَ بِٱللهِ كَأَوْلَادٍ أَحِبَّاءَ»، يُدرج في ذلك هذا الأمر: «شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي ٱسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، لِلهِ وَٱلْآبِ» (أفسس 5:1، 20). وقوله «كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» تعبيرٌ جامع. ولا بدّ أن يعني أنه ليس في حياتنا شيء — مهما تكن القناة التي أتى منها — إلا وفيه بركةٌ مخفيّة من الله.

ويخبرنا الرسول أنّ «كُلَّ خَلِيقَةِ ٱللهِ جَيِّدَةٌ، وَلَا يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ ٱلشُّكْرِ» (1 تيموثاوس 4:4). ولكن يعسر علينا أن نصدّق أنّ الأمور جيّدة وهي لا تبدو كذلك. وكثيرًا ما تبدو عطايا الله لعناتٍ في عين من لا يرى إلا السطح.

فكم من «عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ ومَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ» حسبناها لعنة! وكم من عطيّةٍ شكرنا عليها أنفسنا أو أصدقاءنا أو ظروفنا، دون أن ننظر من وراء المعطين الأرضيّين إلى المُعطي السماويّ! وكأننا نشكر الرسول ولا نبعث بكلمةٍ إلى الصديق الذي أرسل الهديّة.

وحتى حين ندرك أنّ الأمور آتية من الله، يعسر علينا أن نشكره على ما يؤلمنا. ومع هذا فنحن نشكر الطبيب الحاذق على علاجه ولو كان قاسيًا. أفلا يجدر بنا كذلك أن نشكر طبيبنا الإلهيّ حين يسقينا دواءً مرًّا ليشفي داءً روحيًّا، أو يُجري لنا عمليّةً موجعة ليخلّصنا من أمرٍ ضارّ؟

وعوض أن نشكره، نتذمّر. وغالبًا ما نوجّه تذمّرنا لا إلى الطبيب، بل إلى «القارورة» التي أرسل فيها الدواء. وهذه «القارورة» تكون عادةً إنسانًا تسبّبت قسوته أو إهماله في ألمنا — ولكنه ليس إلا «السبب الثاني» الذي استخدمه الله لشفائنا. والبديهة تقول لنا إنّ من الحماقة أن نسبّ قارورة الدواء؛ وإنها لحماقةٌ مثلها أن نسبّ «الأسباب الثانية» التي قُصد بها أن تعلّم نفوسنا.

ولما تاه بنو إسرائيل في البرّيّة، «تَذَمَّرَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ» (خروج 16:2). ولكن تذمّرهم كان في الحقيقة على الله، لأنه هو الذي أتى بهم إلى هناك. ويقول المرنّم عن هذا إنهم «وَقَعُوا فِي ٱللهِ» (مزمور 78:19). فالتاريخ الإلهيّ لا يحسب حسابًا للأسباب الثانية؛ بل يمضي رأسًا إلى السبب الحقيقيّ الكامن وراءها.

فلنستقرّ إذًا على هذا: إنّ كل الذين يتذمّرون إنما «وَقَعُوا فِي ٱللهِ». فالأسباب الثانية عاجزةٌ عن أن تفعل شيئًا إلا بسماحٍ من الله؛ وما يسمح به يصير من ترتيبه. وقد غضب الرب على المتذمّرين «لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِٱللهِ وَلَمْ يَتَّكِلُوا عَلَى خَلَاصِهِ» (مزمور 78:22). فكلّ تذمّرٍ يعني في أعماقه أننا لا نتّكل على خلاصه.

يقول المرنّم: «أُسَبِّحُ ٱسْمَ ٱللهِ بِتَسْبِيحٍ، وَأُعَظِّمُهُ بِحَمْدٍ فَيُسْتَطَابُ عِنْدَ ٱلرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ ثَوْرِ بَقَرٍ ذِي قُرُونٍ وَأَظْلَافٍ» (مزمور 69:30-31). وكثيرون مستعدّون لتقديم ذبيحةٍ عظيمة، مع أنّ قليلًا من التسبيح الصادق يُرضيه أكثر.

ويسمّيه الكتاب المقدس بـ«ذَبِيحَةِ ٱلشُّكْرِ» (لاويين 7:12). فهو عمل عبادة. «وَلْيَذْبَحُوا لَهُ ذَبَائِحَ ٱلْحَمْدِ، وَلْيَعُدُّوا أَعْمَالَهُ بِتَرَنُّمٍ» (مزمور 107:22). وهي ذبيحةٌ يسهل تقديمها، ومع هذا لو أُحصيت صلوات المؤمنين يومًا واحدًا، لخشيتُ أن نجد — كما في قصّة البُرص العشرة — أنّ تسعةً من كلّ عشرةٍ لم يقدّموا شكرًا حقيقيًّا.

وقد حزن ربّنا على أولئك البُرص الجاحدين: «أَلَيْسَ ٱلْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ ٱلتِّسْعَةُ؟

أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَرْجِعُ لِيُعْطِيَ مَجْدًا لِلهِ غَيْرُ هَذَا ٱلْغَرِيبِ ٱلْجِنْسِ؟» (لوقا 17:17-18). أفيسألنا نحن السؤال عينه؟ إننا نعجب من جحودهم، فماذا عن جحودنا نحن؟ أفلا نمرّ ببركاتٍ لا تُحصى ونثبّت أعيننا على «خسائرنا» حتى يمتلئ أفقنا كلّه بها؟

وفي وسعنا أن نقيس بمشاعرنا نحن مبلغَ ما يُحزن هذا قلبَ الرب. فالولد الذي يتذمّر على ما أعدّه له والده يجرح قلب ذلك الوالد جرحًا يفوق الوصف في كثيرٍ من الأحيان. وكلّنا نعرف أناسًا لا يكفّون عن التذمّر — لا يرضيهم شيء، ولا يُقدَّر عندهم لطفٌ قطّ.

ونعرف كم تثقل علينا عشرتهم، وكم تُشرق الحياة، على العكس، بمن يجد في كل ما يأتيه ما يسرّه. وأنا أعتقد أنّ ما تُحدثه دمدمة الأحبّاء من شقاءٍ في القلوب البشريّة أعظم بكثيرٍ مما نتصوّر؛ وأعتقد أنّ جراحًا لا تخطر لنا على بال تُصيب قلب أبينا الذي في السماء من دمدمة أولاده المتّصلة.

وكم يُقال عن النفوس المتبرّمة: «أما من شيءٍ يُرضيها البتّة؟» وكم مرّةً لا بدّ أن يحوّل الله وجهه حزينًا من تذمّراتنا، وقد أغدق علينا محبّتُه بركاتٍ لا تُحصى. وقد خطر لي أحيانًا أننا لو أدركنا هذا، لكبحنا حزننا المفرط حتى على فقدان من نحبّ، ولحاولنا من أجله أن نكون بشوشين قانعين حتى في وحدتنا.

وأذكر أنني سمعتُ عن فتاةٍ خضعت لعلاجٍ طبّيّ شديد الإيلام. وكان الأطبّاء يخشون صراخها، ولكنهم دُهشوا إذ لم تندّ عنها ولا أنّة. بل اكتفت بأن ابتسمت لأبيها. ولما سُئلت كيف قدرت على ذلك، قالت: «كنتُ أعلم كم يحبّني أبي، وأعلم كم كان يتألّم لو رآني أتألّم، فحاولتُ أن أُخفي ألمي؛ وابتسمتُ ليظنّ أنني لا أبالي». أفيقدر أحدٌ منّا أن يفعل هذا من أجل أبيه السماويّ؟

وكان أيّوب متذمّرًا كبيرًا، وقد نظنّ أنّ له عذرًا. فقد قال: «قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي» (أيوب 10:1). ولا يكاد المرء يعجب منه. ومع هذا، لو أنه استطاع أن يرى الجانب الإلهيّ، لعلم أنّ مصائبه إنما سُمح بها بأحنّ محبّةٍ لتأتيه بإعلانٍ عن الله ما كان لينال مثله بوسيلةٍ أخرى. ولو رأى الآخرة من البداية، لحلّ الشكر محلّ التذمّر.

وكان بنو إسرائيل يتذمّرون على الدوام. تذمّروا حين لم يكن لهم ماء، فلما أُعطوا الماء تذمّروا لأنه مُرّ. وهكذا نفعل نحن حين يبدو «ماؤنا» الروحيّ مرًّا — حين تبدو الفرائض الدينيّة ثقيلةً لا تُشبع. فنحن نترك «يَنْبُوعَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْحَيَّةِ»، ثم نتذمّر لأننا نقرنا لأنفسنا «أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً» (إرميا 2:13).

وتذمّر بنو إسرائيل على طعامهم خوفًا من الجوع، ثم تذمّروا لما أُعطوا المنّ قائلين: «قَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا ٱلطَّعَامَ ٱلسَّخِيفَ» (عدد 21:5). ونحن أيضًا نتذمّر على طعامنا الروحيّ — بأنّ واعظنا لا «يُطعمنا»، أو بأننا محرومون من مزايا ينالها غيرنا. نطلب خبزًا ثم نتذمّر لأنه أعطانا حجرًا. ولكنّ معلّمنا الإلهيّ يعرف أيّ طعامٍ وأيّ شرابٍ هو خيرٌ لنا. والعجيب أننا لا نستطيع أن نصدّق، دون أن ننتظر النهاية، أنّ الراعي يعرف أيّ مرعًى هو الأفضل.

ويقدّم لنا يونان مثالًا رائعًا. فقد صعدت صلاة شكره من «جَوْفِ ٱلْهَاوِيَةِ»: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي ٱلرَّبَّ، فَٱسْتَجَابَنِي... أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ ٱلْحَمْدِ أَذْبَحُ لَكَ» (يونان 2:2، 9). فما من عمق شقاءٍ يعظم على ذبيحة الشكر. ونحن لا نشكر الله على الشقاء، بل في الشقاء، عالمين أنه هناك ليُعين ويبارك.

فلسنا نشكر الرب لأنّ الأمور صالحة، بل لأنه هو صالح. ولسنا من الحكمة بحيث نحكم إن كان ظرفٌ ما فرحًا في جوهره أم حزنًا، ولكننا نعلم أنّ صلاحه يجعلنا على يقينٍ أنّ ما يسمح به لا بدّ أن يكون لخيرنا في النهاية.

وفي رسالة «صندوق الإرساليّة للسيّدة بيكيت» قصّةُ امرأةٍ أمضت عمرها كلّه في التذمّر، فتحدّاها أحدهم أن تضع فلسًا في صندوقٍ عن كل إحسانٍ تكتشفه. قالت: «‹إحساناتٌ عظيمة عندي!› قلتُ... ‹أظنّ أنّ الوثنيّين لن ينالوا منّي كثيرًا›. وعقدتُ العزم على أن أُحصيها، لا لشيءٍ إلا لأُرِيَ نفسي كم هي قليلة».

ولكنها إذ جلست على درجات بيتها تسمع عن نساءٍ في بلادٍ أخرى يُجَعْنَ ويُساء إليهنّ، انفلتت منها الكلمة: «حسنًا، إن كنتُ أرملة، فإني أشكر لأنني في مكانٍ أقدر فيه أن أكسب قوتي!» فقالت لها ابنة أختها إنّ هذا أوّل إحسان. فأسقطت فلسًا. ثم وضعت فلسًا آخر لأنها ليست صينيّة. ثم باعت شيئًا من البيض — «فلسٌ من بيع البيض» — ولما حاولت أن تقول إنّ هذا ليس من إحسان الرب، رنّمت ابنة أختها: «نعمةُ الله هي النعمةُ الوحيدة، وكلُّ نعمةٍ هي نعمةٌ من الله».

وسرعان ما صارت تفتّش عن أمورٍ تشكر عليها، ولم يعد الصندوق يُقعقع كثيرًا حين تهزّه.

وهناك مزمورٌ أسمّيه مزمور الإحسانات. وهو المزمور المئة والثالث، يَعُدّ فيه المرنّم بعض الإحسانات التي أنعم بها الرب علينا، ويحثّنا على ألّا ننساها: «بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَلَا تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ» (مزمور 103:2). وقد علّم صندوقُ الإحسانات أختَنا العزيزة شيئًا من معنى هذا المزمور. فقد قضت حياتها كلّها ناسيةً الإحسانات التي أنعم بها الرب عليها، أما الآن فقد بدأت تذكرها.

أفبدأنا نحن نذكر إحساناتنا؟

لو أننا في السنة الماضية أحصينا تلك الإحسانات التي شكرنا عليها فعلًا، فكم فلسًا يا تُرى كانت صناديقنا ستحتوي؟

ونحن نرنّم أحيانًا في اجتماعات الإرساليّة ترنيمةَ شكرٍ لازمتها: «عُدَّ بركاتك الكثيرة، واحدةً فواحدة، وستُدهش مما صنعه الرب». وقد تساءلتُ أحيانًا: هل احتفظ أحدٌ منّا، ونحن نرنّمها بكل هذا الحماس، بأدنى سجلٍّ لبركاته، بل هل عرف أصلًا أنّ له بركات؟

فالمشكلة أنّ عطايا الله كثيرًا ما تأتينا ملفوفةً في أغلفةٍ خشنة حتى نُجرَّب برفضها كأنها لا قيمة لها؛ أو أنّ الرسل الذين يحملونها يأتون في هيئة أعداء، فنودّ أن نغلق الباب دونهم ولا ندعهم يدخلون. ولكننا نخسر أكثر بكثيرٍ مما ندري حين نرفض حتى أشدّها استبعادًا.

«ما الشرّ إلا عبدٌ للخير، وما الحزن إلا خادمٌ للفرح: وحمقاءُ تلك النفس التي ترفض الطعام من أدنى من في خدمة الله».

وقد أُمرنا أن ندخل أبوابه بالحمد ودياره بالتسبيح، وأنا مقتنعةٌ أنّ تقديم الشكر هو المفتاح الذي يفتح هذه الأبواب أسرع من أيّ شيءٍ آخر. جرّب ذلك أيها القارئ العزيز. في المرّة القادمة التي تشعر فيها بالموت والبرودة وخمود النفس، ابدأ بتسبيح الرب وشكره. عدِّد لنفسك الإحسانات التي أنعم بها عليك، واشكره من القلب على كل واحدٍ منها، وانظر أفلا ترتفع روحك ويدفأ قلبك. وربما شعرتَ أحيانًا أنك من اليأس بحيث لا تقدر أن تصلّي؛ فجرّب حينئذٍ أن تشكر بدل ذلك؛ وقبل أن تدري ستجد نفسك «فَرِحًا» بكثرة مراحمه ورأفته.

وأخبرتني إحدى صديقاتي أنّ ابنها الصغير رفض ذات ليلةٍ رفضًا قاطعًا أن يصلّي. قال إنه لا يوجد في العالم كلّه شيءٌ واحد يريده، وإنه لا يرى فائدةً من طلب أمورٍ لا يريدها. فخطرت لأمّه فكرةٌ سعيدة، فقالت: «حسنًا يا تشارلي، فلنشكر إذًا على كل ما عندك». فسرّت الفكرةُ الولدَ، فجثا راضيًا وبدأ يشكر. شكر الله على كراته الزجاجيّة، وعلى دوّامةٍ جديدة أُهديت إليه، وعلى ساقيه القويّتين اللتين تعدوان به بعيدًا، ولأنه ليس أعمى كولدٍ يعرفه، وعلى أبيه وأمّه الحنونين، وعلى سريره الجميل، وعلى بركةٍ بعد بركة، حتى طالت القائمة فقال أخيرًا إنه يظنّ أنه لن يفرغ منها أبدًا. ولما نهضا آخر الأمر عن ركبتيهما، قال لأمّه ووجهه يشعّ فرحًا: «آه يا أمّي، ما كنتُ أعرف قبل اليوم كم إلهنا رائعٌ كلّ الروعة!» وأنا أعتقد أننا لو اقتدينا أحيانًا بمثال هذا الولد الصغير، لاكتشفنا نحن أيضًا، كما لم نكتشف قطّ من قبل، صلاح إلهنا.

ومن اللافت جدًّا أن نلاحظ كم كان للشكر من شأنٍ في بناء الهيكل.

فلمّا جمعوا الكنوز للهيكل، شكر داود الرب لأنه أقدرهم على ذلك. ولمّا كمل الهيكل، شكروا أيضًا. ثم حدث أمرٌ عجيب: «وَكَانَ لَمَّا صَوَّتَ ٱلْمُبَوِّقُونَ وَٱلْمُغَنُّونَ كَوَاحِدٍ صَوْتًا وَاحِدًا لِتَسْبِيحِ ٱلرَّبِّ وَحَمْدِهِ... أَنَّ ٱلبَيْتَ، بَيْتَ ٱلرَّبِّ، ٱمْتَلَأَ سَحَابًا. وَلَمْ يَسْتَطِعِ ٱلْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ ٱلسَّحَابِ، لِأَنَّ مَجْدَ ٱلرَّبِّ مَلَأَ بَيْتَ ٱللهِ». فلمّا سبّح الشعب وشكر، امتلأ البيت من مجد الرب. ولنا أن نتيقّن أنّ السبب في أنّ قلوبنا لا تمتلئ في الأغلب من «مجد الرب» هو أننا لا نُسمِع أصواتنا في تسبيحه وشكره بالقدر الكافي.

وإن كان تقديم الشكر هو الطريق إلى فتح أبواب الرب، فإنّ التذمّر، على العكس، يُغلق هذه الأبواب. ويقتبس يهوذا نبوّةً لأخنوخ عن المدمدمين: «لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى ٱلْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمْ ٱلَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ ٱلْكَلِمَاتِ ٱلصَّعْبَةِ ٱلَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ. هَؤُلَاءِ هُمْ مُدَمْدِمُونَ مُتَشَكُّونَ، سَالِكُونَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِهِمْ» (يهوذا 1:15-16). والذين هم «مُدَمْدِمُونَ» و«مُتَشَكُّونَ» يوجّهون في تذمّرهم إلى الرب من «ٱلْكَلِمَاتِ ٱلصَّعْبَةِ» أكثر مما يودّون الاعتراف به، أو أكثر مما يسرّهم أن يواجهوه في اليوم الأخير. ولا عجب أن تكون النتيجة دينونة الله بدل «مجد الله».

ووددتُ لو اتّسع المقام لأقتبس كل ما في الكتاب المقدس من آياتٍ عن الشكر والتسبيح للرب. ولا أبالغ إن قلتُ إنها مئاتٌ ومئات؛ وإنه لأمرٌ مدهش كيف أمكن إغفالها بهذا الإصرار. وأرجوك أن تقرأ المزامير السبعة الأخيرة وترى رأيك فيها. إنها ببساطة تفيض بقائمة الأمور التي يدعونا المرنّم إلى الشكر عليها؛ وكلّها أمورٌ تتعلّق بصفات الله وطرقه، مما لا نجرؤ على منازعته فيه. وهي في معظمها ليست بركاتٍ خاصّةً بنا، بل هي البركات العامّة التي تخصّ البشريّة جمعاء، والتي تتضمّن في ذاتها كلّ بركةٍ خاصّة قد نحتاج إليها. ولكنها بركاتٌ ننساها على الدوام، لأننا نعدّها من المسلَّمات، فلا نكاد نلحظ وجودها، ولا نشكر عليها قطّ.

ولكنّ المرنّم عرف كيف «يَعُدّ بركاته الكثيرة، واحدةً فواحدة»، وهو يريدنا أن نفعل مثله. جرّب ذلك أيها القارئ العزيز، وستُدهش حقًّا إذ ترى ما صنعه الرب. امضِ في هذه المزامير آيةً آية، وبركةً بركة، وانظر أفلا تُضطرّ، كالولد الصغير في قصّتنا، أن تعترف بأنك ما كنتَ تعرف قبلًا «كم إلهنا رائع».

والآية الأخيرة من سفر المزامير، إذ تُقرأ مع رؤيا يوحنا في سفر الرؤيا، ذاتُ دلالةٍ عظيمة. يقول المرنّم: «كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ ٱلرَّبَّ» (مزمور 150:6). وفي سفر الرؤيا يخبرنا يوحنا، الذي يُعلن أنه أخونا وشريكنا في الضيقة، أنه سمع هذا يتحقّق: «وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْأَرْضِ وَتَحْتَ ٱلْأَرْضِ، وَمَا عَلَى ٱلْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: ‹لِلْجَالِسِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ ٱلْبَرَكَةُ وَٱلْكَرَامَةُ وَٱلْمَجْدُ وَٱلسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ›» (رؤيا 5:13). ولا شكّ أنّ زمان التسبيح الشامل آتٍ لا محالة. فلنبدأ نحن بأداء نصيبنا الآن.

وسمعتُ مرّةً عن رجلٍ متبرّمٍ كثير التذمّر، ثم صار — لدهشة أصدقائه الكبرى — بشوشًا سعيدًا ممتلئًا شكرًا. وبعد أن راقبوه مدّةً واقتنعوا بأنّ التغيير دائم، سألوه عمّا جرى. فأجاب: «آه، لقد غيّرتُ مسكني. كنتُ أسكن في زقاق التذمّر، أما الآن فقد انتقلتُ إلى ساحة الشكر، وأجدني من الغنى بالبركات بحيث أكون سعيدًا على الدوام».

أفلا ينتقل كلٌّ منّا هذه النقلة الآن؟

المحتويات

إله كل تعزية Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 13 دقيقة متبقية في الفصل