إله كل تعزية ·الإحباط

فصل 13 · قراءة 11 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الإحباط

«فَضَاقَتْ نَفْسُ ٱلشَّعْبِ فِي ٱلطَّرِيقِ» (العدد 21:4).

تعجّ كنيسة المسيح بأناسٍ يصدق فيهم القول إنه قد «فَضَاقَتْ نَفْسُ ٱلشَّعْبِ فِي ٱلطَّرِيقِ». فسواءٌ في الداخل أم في الخارج — وفي الغالب في كليهما معًا — تبدو الأمور معتلّة، ولا يلوح أملٌ في الخلاص منها، وتمتلئ حياتهم الدينية بالضيق. وليس شيءٌ يشلّ الجهد كالإحباط، ولا شيء يستدعي الهزيمة بمثل نجاحه. إن سرّ الفشل أو النجاح كامنٌ في موقف النفس الداخلي أكثر كثيرًا مما هو كامنٌ في أي سببٍ آخر. فمن نواميس كياننا أن «الإنسان الباطن» أعظم أثرًا في كل معركة من كل ما قد يفعله الإنسان الظاهر أو يملكه.

وليس موضعٌ يصدق فيه هذا أكثر من الحياة الروحية. فالكتاب المقدس يعلن من أوله إلى آخره أن الإيمان هو ناموس الحياة الروحية، وأنه «بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا» (متى 9:29).

ولأن الإيمان والإحباط لا يجتمعان، كان الإحباط حاجزًا مطلقًا دون الإيمان. وحيث يسود الإحباط، لا يكون لنا بحسب إيماننا، بل بحسب إحباطنا.

بل إنه، كما أن الشجاعة إيمانٌ بالخير، فالإحباط إيمانٌ بالشر. وبينما تفتح الشجاعة الباب للخير، يفتحه الإحباط للشر. ولقد بقي في ذاكرتي على الدوام مَثَلٌ رمزيّ سمعته في أوائل حياتي المسيحية، وظلّ لي تحذيرًا كتلك اللافتات المنصوبة لراكبي الدرّاجات على رأس المنحدر: «هذا المنحدر خطر».

يحكي المثل عن مجمعٍ دعا إليه الشيطان ليقرّر كيف يوقع في شركه خادمًا مسيحيًّا متفانيًا.

فعرض أحد الأرواح الشريرة أن يصوّر ملذّات الخطية بأزهى الألوان. فهزّ الشيطان رأسه: «لقد جرّب الرجل الخطية، وهو يعلم أنها تفضي إلى الهلاك». وعرض آخر أن يرسم له مشقّات الحياة البارّة وما فيها من إنكار الذات، حتى يتلهّف إلى الفرار منها. «لا»، قال الشيطان، «إنه يعلم أن سُبُل البرّ هي سُبُل سلام». ثم انبرى روحٌ ثالث: «أنا أُحبِط نفسه». «هذا يكفي!» هتف الشيطان. «إنك ستنجح».

قال أحد الكويكرز الشيوخ مرّة: «كل إحباطٍ إنما هو من إبليس». وأنا أومن أن في هذا حقيقةً عميقة.

لا يمكن أن يكون للإحباط مصدرٌ في الله. فدين يسوع دين إيمانٍ وبشاشةٍ ورجاء. «كن محبطًا»، تقول طبيعتنا الدنيا، «لأن العالم موضع تجربة». «فِي ٱلْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ» (يوحنا 16:33).

فلا موضع للإحباط في عالمٍ قد غلبه المسيح.

علينا إذًا أن نحسم الأمر: الإحباط يأتي دائمًا من مصدرٍ شرير. وكثيرًا ما نُقنع أنفسنا بأن الإحباط حالةٌ «تقيّة» من حالات النفس أو دليلٌ على التواضع، غير أن الأسباب التي نحسبها مشروعة ليست في الغالب سوى قِصَر نظر.

وأشيع الأسباب هو عجزنا نحن. فنظنّ أن من الحق أن ننسحق لأننا خلائق «لا نفع فيها». وموسى خير مثالٍ على ذلك. فحين دعاه الله ليُخرج إسرائيل من مصر، نظر موسى إلى ضعفاته: «ٱسْتَمِعْ أَيُّهَا ٱلسَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلَامٍ...

بَلْ أَنَا ثَقِيلُ ٱلْفَمِ وَٱللِّسَانِ» (الخروج 4:10). ومن الطبيعي أن نظنّ أن لموسى سببًا للإحباط. ولكن تأمّل جواب الله. فهو لم يحاول أن يُقنع موسى بأنه في الحقيقة صاحب كلام، بل قال ببساطة: «مَنْ صَنَعَ لِلْإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا ٱلرَّبُّ؟ فَٱلْآنَ ٱذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (الخروج 4:11-12).

ولما صارت كلمة الرب إلى إرميا، أحسّ أنه دون هذا العمل: «آهِ، يَا سَيِّدُ ٱلرَّبُّ!

إِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لِأَنِّي وَلَدٌ» (إرميا 1:6). ولكن الرب أجاب: «لَا تَقُلْ: ‹إِنِّي وَلَدٌ›، لِأَنَّكَ إِلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِ تَذْهَبُ... لَا تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ، لِأَنِّي أَنَا مَعَكَ لِأُنْقِذَكَ» (إرميا 1:7-8).

وجدعون مثالٌ آخر. فإذ دُعي ليخلّص إسرائيل من المديانيين، قال له الرب: «ٱذْهَبْ بِقُوَّتِكَ هَذِهِ وَخَلِّصْ إِسْرَائِيلَ... أَمَا أَرْسَلْتُكَ؟» (القضاة 6:14). فنظر جدعون إلى ضآلة شأنه: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، بِمَاذَا أُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ؟ هَا عَشِيرَتِي هِيَ ٱلذُّلَّى فِي مَنَسَّى، وَأَنَا ٱلْأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي» (القضاة 6:15). ما أشبه هذا الكلام بكلام ضحايا الإحباط! ولكن الرب قال ببساطة: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَسَتَضْرِبُ ٱلْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ» (القضاة 6:16).

إن الله لا يعطينا قطّ «تشجيعًا» بشأن قدراتنا نحن. إنما يعطينا التصريح المجرّد: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ». وهذا الجواب يقطع كل جدال. أنا خالقك وقوّتك وحكمتك، أكون معك.

ومع ذلك فالإحباط ماكرٌ خفيّ. فنحن نظنّ أن «مزاجنا» يجعل من حقّنا أن نُحبَط. ونظنّ أننا أضعف من أن نصارع الأعداء. وكنا نُصيب في ذلك لو كنا نحن الذين نخوض المعارك. أمّا إن كان الرب هو الذي يحاربها عنّا، فإن عوزنا إلى المقدرة يصير مزيّة. «لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ» (2 كورنثوس 12:10).

وفي بني إسرائيل تحذيرٌ لنا هنا. فعلى تخوم أرض الموعد حثّهم موسى قائلًا: «لَا تَخَفْ وَلَا تَرْتَعِبْ» (التثنية 1:21). ولكنهم أحسّوا بالعجز، وتذمّروا زاعمين أن الله لا بدّ أنه يبغضهم. قالوا: «إِلَى أَيْنَ نَحْنُ صَاعِدُونَ؟ قَدْ أَذَابَ إِخْوَتُنَا قُلُوبَنَا قَائِلِينَ: ‹شَعْبٌ أَعْظَمُ وَأَطْوَلُ مِنَّا. مُدُنٌ عَظِيمَةٌ مُحَصَّنَةٌ إِلَى ٱلسَّمَاءِ›» (التثنية 1:28). هذا هو صوت الإحباط: النظر إلى «ٱلْجَبَابِرَة» عوض النظر إلى الله الذي معنا. وحين نقرأ تقرير الجواسيس لا يسعنا أن نعجب من إحباطهم؛ بل ربما شعرنا أن الشجاعة في مثل تلك الظروف كانت تهوّرًا. «ٱلْأَرْضُ ٱلَّتِي مَرَرْنَا فِيهَا لِنَتَجَسَّسَهَا هِيَ أَرْضٌ تَأْكُلُ سُكَّانَهَا»، هكذا صرّح الجواسيس، «وَجَمِيعُ ٱلشَّعْبِ ٱلَّذِي رَأَيْنَا فِيهَا أُنَاسٌ طِوَالُ ٱلْقَامَةِ. وَقَدْ رَأَيْنَا هُنَاكَ ٱلْجَبَابِرَةَ، بَنِي عَنَاقٍ مِنَ ٱلْجَبَابِرَةِ... فَكُنَّا فِي أَعْيُنِنَا كَٱلْجَرَادِ، وَهَكَذَا كُنَّا فِي أَعْيُنِهِمْ» (العدد 13:32-33).

وما كان شيءٌ ليبدو أشدّ تواضعًا من أن ينظروا إلى أنفسهم كجرادٍ مسكينٍ لا نفع فيه؛ وكان يُخيَّل أن التواضع الحقيقي يعلّم أن محاولة الجراد أن يغلب الجبابرة هي غاية التطاول. ونحن أيضًا كثيرًا ما نشعر أننا لسنا سوى جرادٍ أمام جبابرة التجربة والضيق التي تهاجمنا، فنحسب أن لنا عذرًا في الإحباط. غير أن السؤال ليس أجرادٌ نحن أم لا، بل أجرادٌ هو الله؛ لأن الذي عليه أن يحارب هؤلاء الجبابرة ليس نحن، بل الله.

وعبثًا ذكّر موسى بني إسرائيل بهذا. وعبثًا أكّد لهم أنهم لا يحتاجون أن يخافوا حتى من بَنِي عَنَاقَ، لأن «ٱلرَّبُّ إِلَهُكُمُ ٱلسَّائِرُ أَمَامَكُمْ هُوَ يُحَارِبُ عَنْكُمْ» (التثنية 1:30). بل ذكّرهم بمراحم الخلاص الماضية، سائلًا إياهم أما يذكرون كيف أنه «وَفِي ٱلْبَرِّيَّةِ... حَمَلَكَ ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ كَمَا يَحْمِلُ ٱلْإِنْسَانُ ٱبْنَهُ فِي كُلِّ ٱلطَّرِيقِ ٱلَّتِي سَلَكْتُمُوهَا» (التثنية 1:31). ولكنهم ظلّوا من الإحباط بحيث لم يقدروا أن يؤمنوا. وكانت النتيجة أن أحدًا من ذلك «ٱلْجِيلِ ٱلشِّرِّيرِ» لم يُسمح له أن يرى أرض الموعد، ما عدا كالب ويشوع، اللذين آمنا ثابتَين أن الله قادرٌ أن يُدخلهم وأنه سيفعل.

هذه هي ثمار الاستسلام للإحباط، وهذا هو أجر الإيمان الثابت.

ويسأل الرسول، وهو يعلّق على هذه القصة: «وَلِمَنْ أَقْسَمَ: ‹لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ›، إِلَّا لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ ٱلْإِيمَانِ» (العبرانيين 3:18-19).

أفليس في هذا ما يشبه حالنا نحن؟ أما ننظر إلى ضعفنا عوض أن ننظر إلى قوّة الرب؟ أما صرنا أحيانًا من الإحباط بحيث نغرق في «صِغَرِ ٱلنَّفْسِ» (الخروج 6:9) حتى لا نقدر أن نصغي إلى تصريحات الرب نفسه بأنه يحارب عنّا ويعطينا النصرة؟ إن نفوسنا تشتاق أن تدخل إلى الراحة التي وعد بها الرب، ولكن يبدو أن جبابرةً ومدنًا «مُحَصَّنَةٌ إِلَى ٱلسَّمَاءِ» تقف في طريقنا، فنخاف أن نؤمن. وهكذا نحن أيضًا، كبني إسرائيل، لا نقدر أن ندخل لعدم الإيمان.

فكم كان الأمر يختلف لو كان لنا من الإيمان ما يكفي لنقول مع صاحب المزمور: «إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لَا يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذَلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ...

لِأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ ٱلشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي» (مزمور 27:3، 5). فما أفرحَ دخولنا إلى الراحة وأظفرَه لو كانت هذه لغتنا!

وثمة سببٌ آخر بالغ الخفاء للإحباط، يوجد في «خشية الإنسان». إذ يبدو أن في هذا العالم جماعةً من الكائنات تُدعى «هُم»، تتسلّط على الحياة بيدٍ من حديد.

ماذا يقول «هُم»؟ وماذا يظنّ «هُم»؟ هذان من أكثر الأسئلة التي تهاجم النفس الجبانة تكرارًا. وعند كل منعطف يقف هذا الـ«هُم» الحاضر في كل مكان في طريقنا ليُحبطنا.

وكثيرًا ما يتنكّر هذا الضرب من الإحباط في زيّ «مراعاة الآخرين حقّ المراعاة»، غير أنه خطرٌ بنوعٍ خاص لأنه يرفع «هُم» إلى موضع الله. والدواء الوحيد هو التذكير الدائم بأن الله معنا. «لَا تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ، لِأَنِّي أَنَا مَعَكَ لِأُنْقِذَكَ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ» (إرميا 1:8). «ٱلرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟» (العبرانيين 13:6).

على أن هناك ضربًا من الإحباط شائعًا جدًّا يبدو كأنه لا بدّ أن يكون صوابًا: الإحباط الناشئ من إخفاقاتنا نحن. وهذا ما عاناه بنو إسرائيل بعد هزيمتهم في عاي. فقد «تَعَدَّوْا عَهْدِي»، ولذلك «فَلَمْ يَتَمَكَّنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلثُّبُوتِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ» (يشوع 7:11-12). وبلغ إحباطهم أنْ «ذَابَ قَلْبُ ٱلشَّعْبِ وَصَارَ مِثْلَ ٱلْمَاءِ»، وأن يشوع «سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى ٱلْأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ ٱلرَّبِّ إِلَى ٱلْمَسَاءِ» (يشوع 7:5-6).

وحين «يُدِيرُونَ قَفَاهُمْ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ»، وهم شعب الله، قد يُظنّ أن عليهم أن يسقطوا على وجوههم يائسين. لكنّ الرب رأى غير ذلك، فقال ليشوع: «قُمْ! لِمَاذَا أَنْتَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِكَ؟» (يشوع 7:10). والصواب بعد السقطة ليس أن نُسلم أنفسنا للإحباط، مهما بدا ذلك متواضعًا، بل أن نواجه الشر ونتخلّص منه ونكرّس أنفسنا للرب من جديد في الحال. فأمر الله دائمًا هو: «قُمْ قَدِّسِ ٱلشَّعْبَ» (يشوع 7:13)، وتجربتنا نحن دائمًا هي: «اضطجعْ وكن محبطًا».

ولعلك تسأل: أما ينبغي للإحساس بالخطية الذي يُحدثه الروح القدس أن يسبّب الإحباط؟ فإن رأيت نفسي خاطئًا، فكيف لي أن أتفادى ذلك؟ وجوابي أن الروح القدس لا يبكّتنا على الخطية ليُحبطنا، بل ليشجّعنا. إنه يُرينا خطيّتنا لا لنضطجع في اليأس، بل لنتخلّص منها. فالأمّ الصالحة تُشير إلى عيوب أولادها لتعينهم على إصلاحها. والتبكيت امتياز؛ لأنه يعني أن الخلاص آتٍ.

وربّة البيت الحاذقة تكتشف البقع في كتّانها لا لتطرحه، بل لتغسله. وإن كانت لها غسّالة ماهرة، فلن تُحبطها أسوأ البقع. فحين يقول الله إذًا: «إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَٱلْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَٱلثَّلْجِ» (إشعياء 1:18)، يكون الإحباط بسبب إخفاقاتنا عدمَ إيمانٍ محضًا. إن «غسل الميلاد الثاني» الذي من الله أنجعُ من كل جهدٍ بشري.

يقول فنلون: «إن من الأهمية بمكانٍ عظيم أن نحترس من الإحباط بسبب عيوبنا.

فالإحباط ليس ثمرة التواضع، بل ثمرة الكبرياء... إنه ينبع من حبٍّ خفيٍّ لامتيازنا الذاتي. ونحن نتألّم حين نشعر بحقيقة ما نحن عليه... إن الطبيعة المسكينة تشتهي، من محبّة الذات، أن ترى نفسها كاملة؛ ويغيظها أنها ليست كذلك؛ فتصير نافدة الصبر، متعالية، ساخطة على نفسها وعلى كل أحد».

والإحباط يقود الناس إلى «التذمّر» و«التكلّم على الله». فلمّا «فَضَاقَتْ نَفْسُ ٱلشَّعْبِ فِي ٱلطَّرِيقِ»، «وَتَكَلَّمَ ٱلشَّعْبُ عَلَى ٱللهِ» (العدد 21:4-5). والإحباط في جوهره ادّعاءٌ بأن الله قد أخفق في حفظ مواعيده. يقول صاحب المزمور: «فَوَقَعُوا فِي ٱللهِ. قَالُوا: ‹هَلْ يَقْدِرُ ٱللهُ أَنْ يُرَتِّبَ مَائِدَةً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ؟›» (مزمور 78:19). حتى أسئلتنا «المعقولة» عن استعداد الله لإعانتنا هي «تكلّمٌ على الله»، لأنها تكشف أننا كمن «لَمْ يُؤْمِنُوا بِٱللهِ وَلَمْ يَتَّكِلُوا عَلَى خَلَاصِهِ» (مزمور 78:22).

ومن صفات الإحباط الموجعة الأخرى أنه مُعدٍ. فما من شيءٍ أسرع عدوى منه.

فلمّا عاد الجواسيس الذين أرسلهم موسى وأشاعوا «مَذَمَّةَ ٱلْأَرْضِ» الموعودة، وتكلّموا عن الجبابرة الذين فيها، «أَذَابُوا قَلْبَ ٱلشَّعْبِ» (يشوع 14:8) حتى «رَفَعَتْ كُلُّ ٱلْجَمَاعَةِ صَوْتَهَا وَصَرَخَتْ» (العدد 14:1)، وأبى الشعب إباءً تامًّا أن يدخل الأرض التي أعطاهم الرب إياها. وإن «المذمّة» التي يأتي بها كثيرون من المسيحيين عن إخفاقاتهم وخيبات آمالهم لهي من أشدّ ما يُحبط في شركتنا. وكم من مرّة تُثبَّط قلوب المسيحيين الأحداث على أيدي مؤمنين أكبر منهم، لا يكادون يدرون ما يصنعون من الضرر بأخبارهم الحزينة عن مشقّات الطريق.

ولا أستطيع أن أنظر إلى الوراء بغير خجل إلى ذلك الحين الذي «صَدَدْتُ فيه قلبَ» صديقةٍ شابّة بما أشعتُه من «مذمّة» عن «الجبابرة» — جبابرة الشكوك التي كنت قد لاقيتها. وفيما بعد، لما أنقذني إيمانٌ أقوى من تلك المخاوف، وجدتُ أن خبري الأول قد أحبطها إحباطًا شديدًا حتى مضى زمنٌ طويل قبل أن تصغي إلى الخبر الحسن الذي صار عندي حينئذ.

ولقد رأى الرب أن أمر ألّا يُحبط أحدٌ أخاه من الخطورة بحيث أعطى هذه الشريعة للحرب: «مَنْ هُوَ ٱلرَّجُلُ ٱلْخَائِفُ وَٱلضَّعِيفُ ٱلْقَلْبِ؟ لِيَذْهَبْ وَيَرْجِعْ إِلَى بَيْتِهِ لِئَلَّا تَذُوبَ قُلُوبُ إِخْوَتِهِ مِثْلَ قَلْبِهِ» (التثنية 20:8). فالمحبَطون، إن كان لا بدّ لهم أن يُحبَطوا، فليكتموا ذلك على الأقل في أنفسهم، مخفيًّا في خلوة صدورهم.

ونحن نعلم أن الشجاعة مُعدية؛ فنفسٌ شجاعة واحدة قد تُنقذ جمهورًا من الذعر. لكنّا ننسى أن ضعيف القلب الواحد قد يُعدي جمهورًا بالخوف. بل إننا — وهذا من العجب — نُرنّم إحباطاتنا في تسابيحنا: «أين تلك الغبطة التي عرفتُها حين رأيتُ الربَّ أوّلَ مرّة؟

...أمّا الآن فأجد فراغًا موجعًا لا يقدر العالم أن يملأه أبدًا».

أو هذه: «أفنحيا إلى الأبد على هذه الحال البائسة المحتضرة...

فتذبل هتافات الأوصنّا على ألسنتنا، ويموت تعبّدنا».

إن ترنيم مثل هذه التسابيح يبدو تشويهًا للعبادة. فإن كانت في اختبارنا «فراغاتٌ موجعة»، فلنكتمها في أنفسنا. فمن المؤكد أنه لا يسرّ الله أن يسمع الشكاوى مرفوعةً إلى موضع الأوصنّا. ماذا كنا نقول في زوجاتٍ يجتمعن ليُرنّمن مثل هذا عن أزواجهنّ؟ إنهنّ ما كنّ يُحتملن يومًا واحدًا.

ولو أن الكنيسة نقّت تسابيحها من كل ترنيمة إحباط، ولم تُجز إلا أناشيد الشجاعة والبشاشة، لارتفع إيمان المسيحيين وثبةً عظيمة. فـ«ثِقُوا:» هي وصية الرب، مؤسَّسة على الحقيقة القائلة: «أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَمَ» (يوحنا 16:33).

أيّهما كنتَ تودّ أن تكون؟ الجواسيسَ الذين أشاعوا المذمّة، أم كالبَ ويشوعَ اللذين «أَنْصَتَ ٱلشَّعْبَ إِلَى مُوسَى وَقَالَ: ‹إِنَّنَا نَصْعَدُ وَنَمْتَلِكُهَا لِأَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَيْهَا›» (العدد 13:30)؟ وقد تكلّم موسى عن كالب بأنه «ٱتَّبَعَ ٱلرَّبَّ تَمَامًا» (التثنية 1:36). وهذا «الاتّباع التامّ» لم يكن إلا في أن كالب أتى بخبرٍ حسن.

فكم كان الأمر يختلف لو رُئي الإحباط على حقيقته: أنه «تكلّمٌ على الله». وفي نبوّة إشعياء يصف شعب الله: «كُلُّ وَاحِدٍ يُسَاعِدُ صَاحِبَهُ وَيَقُولُ لِأَخِيهِ: ‹تَشَدَّدْ› فَشَدَّدَ ٱلنَّجَّارُ ٱلصَّائِغَ. ٱلصَّاقِلُ بِٱلْمِطْرَقَةِ ٱلضَّارِبَ عَلَى ٱلسَّنْدَانِ» (إشعياء 41:6-7). أفلا نقتدي بهم؟

وإن سُئلتُ كيف نتخلّص من الإحباط، فلا أملك جوابًا إلا: اتركوه. فما كان قطّ من المجدي أن تجادله. فحين وجد داود مدينته محروقة، وتكلّم رجاله برجمه، «وَأَمَّا دَاوُدُ فَتَشَدَّدَ بِٱلرَّبِّ إِلَهِهِ» (1 صموئيل 30:6). وكانت النتيجة نصرةً رائعة.

سأل صاحب المزمور نفسه: «لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟» (مزمور 42:11). ثم أجاب بحجّة الله: «تَرَجَّيِ ٱللهَ، لِأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلَاصَ وَجْهِي وَإِلَهِي». فهو لم يحلّل اضطرابه، بل التفت إلى الرب وأخذ يسبّح. إن الإيمان يطير حين يظهر الإحباط، والإحباط يطير حيث يظهر الإيمان. وعليك أن تختار بينهما.

المحتويات

إله كل تعزية Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 11 دقيقة متبقية في الفصل