إله كل تعزية ·لماذا كُتِب هذا الكتاب

فصل 1 · قراءة 11 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

لماذا كُتِب هذا الكتاب

«فَاضَ قَلْبِي بِكَلَامٍ صَالِحٍ. مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ.» (مزمور 45:1) كنتُ ذات مرّة أتحدّث في موضوع الدين مع رجلٍ لاأدريٍّ ذكيّ، كنتُ أرغب كثيرًا في التأثير فيه؛ وبعد أن أصغى إليّ بأدبٍ برهةً قال: «حسنًا يا سيّدتي، كلُّ ما عندي أن أقوله هو هذا: إن كنتم أنتم المسيحيّين تريدون أن تجعلونا نحن اللاأدريّين نميل إلى النظر في دينكم، فحاولوا أن تكونوا أنتم أنفسكم أكثر ارتياحًا في امتلاكه. فالمسيحيّون الذين ألقاهم يبدون لي أشدّ الناس ضيقًا في كلّ ما حولي. يبدو أنّهم يحملون دينهم كما يحمل المرء صداعًا في رأسه: هو لا يريد أن يتخلّص من رأسه، ولكنّ وجود الصداع فيه مزعجٌ جدًّا في الوقت نفسه. وأنا، من جهتي، لا أرغب في دينٍ من هذا النوع». كان هذا درسًا لم أنسَه قطّ، وهو السبب الأوّل لكتابتي هذا الكتاب.

كنتُ حديثة العهد جدًّا بالحياة المسيحيّة حين جرى هذا الحديث، وكنتُ لا أزال في فرح الدخول إليها الأوّل، فلم يكن في وسعي أن أصدّق أنّ أحدًا من أولاد الله يمكن أن يكون في حياته الدينيّة بذلك القدر من الضيق الذي زعمه صديقي اللاأدريّ. ولكن حين زال وهج اهتدائي الأوّل، ونزلتُ إلى رتابة الواجبات والمسؤوليّات اليوميّة، سرعان ما وجدتُ من اختباري الخاصّ، ومن اختباراتٍ مشابهة لدى معظم المسيحيّين حولي، أنّ في كلامه من الحقّ أكثر ممّا ينبغي بكثير، وأنّ الحياة الدينيّة عند أكثرنا مملوءة ضيقًا وقلقًا. بل بدا الأمر، كما قالت لي إحدى صديقاتي المسيحيّات ذات يوم ونحن نقارن اختباراتنا، «كأنّ عندنا من الدين ما يكفي بالضبط ليجعلنا تعساء».

وأعترف أنّ هذا كان مخيّبًا للآمال جدًّا، لأنّي كنتُ أتوقّع شيئًا مختلفًا كلَّ الاختلاف. فقد بدا لي من التناقض الشديد أنّ دينًا أُعلن في الكتاب المقدّس أنّ ثماره محبّةٌ وفرحٌ وسلام، كثيرًا ما يثمر في الممارسة على النقيض تمامًا، فيُنتج الشكّ والخوف والقلق والصراع وكلّ ضربٍ من الضيق؛ فعقدتُ العزم أن أكتشف، إن أمكن، أين الخلل. لماذا — سألتُ نفسي — ينبغي لأولاد الله أن يحيوا حياةً دينيّةً مضطربةً إلى هذا الحدّ، وقد قادنا هو إلى الإيمان بأنّ نيره هيّن وحمله خفيف؟ ولماذا نُزعَج بشكوكٍ روحيّة كثيرة وهمومٍ روحيّة ثقيلة؟

ولماذا يصعب علينا هكذا أن نتيقّن أنّ الله يحبّنا حقًّا؟ ولماذا يبدو أنّنا لا نقدر أن نؤمن طويلًا بلطفه وعنايته؟ وكيف نسمح لأنفسنا أن نظنّ به أنّه ينسانا ويتركنا في أوقات الحاجة؟ إنّنا نثق بأصدقائنا الأرضيّين ونطمئنّ في عشرتهم، فلماذا لا نقدر أن نثق بصديقنا السماويّ، ولماذا يبدو أنّنا عاجزون عن الاطمئنان في خدمته؟

أومن أنّي وجدتُ الجواب عن هذه الأسئلة، وأودّ أن أقول بصراحة إنّ غايتي من كتابة هذا الكتاب هي أن أحاول إدخال شيءٍ من التعزية الحقيقيّة الصادقة إلى بعض الحيوات المسيحيّة المضطربة من حولي. وفهمي أنا لدين الربّ يسوع المسيح هو أنّه قُصد به أن يكون مملوءًا تعزية. وأنا واثقة أنّ أيّ قارئ غير متحيّز للعهد الجديد سيقول الشيء نفسه، وأومن أنّ كلّ من اهتدى حديثًا يتوقّع ذلك تمامًا في فرح اهتدائه الأوّل. ومع ذلك، كما قلتُ، يبدو أنّ الحياة الدينيّة عند عددٍ كبير من المسيحيّين هي أشدّ أجزاء وجودهم إزعاجًا. فهل الذنب في هذه الحال ذنب الربّ؟ وهل وعد بأكثر ممّا يقدر أن يعطي؟

قال أحد الكتّاب: «نحن نعرف ما هي المبالغة في الإعلان. إنّها داءٌ حديث نعاني منه جميعًا. فعلى كلّ لوحةٍ ملصقات، وعلى كلّ جدارٍ خالٍ مبالغات، وتصويراتٌ وتشويهاتٌ لا تُحصى. فكم من مناظر رأيناها لثمارٍ وأزهارٍ مستحيلة نبتت من بذور فلانٍ وفلان! كلّ شيء يُعلَن عنه بأكثر ممّا هو. أفهكذا الأمر في ملكوت الله؟ هل الثمار التي نُنتجها من زرع الملكوت الجيّد تطابق الوصف الذي أعطاه ذاك الذي أخذنا منه ذلك الزرع الجيّد؟ هل ضلّل بنا؟ ثمّة شعورٌ شائع بأنّ المسيح قد عرض في إنجيله أكثر ممّا عنده ليعطيه. يظنّ الناس أنّهم لم يختبروا تمامًا ما وُعدوا به نصيبًا لأولاد الله. ولكن لماذا هذا؟ أبُولغ في الإعلان عن ملكوت الله، أم أنّه لم يُصدَّق بما فيه الكفاية؟ أبُولغ في تقدير الربّ يسوع المسيح، أم أنّه فقط لم يُوثَق به بما فيه الكفاية؟»

إنّ ما أريد أن أفعله في هذا الكتاب هو أن أُظهر، بقدر ما أستطيع، ما أؤمن به إيمانًا راسخًا: أنّ ملكوت الله لا يمكن البتّة أن يُبالَغ في الإعلان عنه، ولا يمكن أن يُبالَغ في تقدير الربّ يسوع المسيح، لأنّ «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»؛ وأنّ الصعوبة كلّها ناشئة من أنّنا لم نؤمن بما فيه الكفاية ولم نثق بما فيه الكفاية.

لذلك أريد أن أُبيّن بأوضح ما أستطيع الأسبابَ الكائنة في دين الربّ يسوع المسيح لذلك السلام العميق الدائم وتلك التعزية في النفس، ممّا لا يقدر شيء على الأرض أن يزعزعه، وممّا يُقال إنّه نصيب من يقبلونه. وأريد أيضًا أن أشرح، إن كان هذا حقًّا نصيبنا الشرعيّ، كيف ننتفع به، وما الأمور التي تقف في الطريق. فهناك دور الله في المسألة، وهناك دور الإنسان، وعلينا أن ننظر في الاثنين بتدقيق.

شابٌّ طائشٌ أُتي به إلى الربّ في اجتماعٍ كرازيّ، ثمّ صار بعد ذلك مسيحيًّا فرحًا وعاش حياةً صالحة، سأله أحدهم عمّا فعله لكي يهتدي. «آه»، قال، «أنا قمتُ بدوري، والربّ قام بدوره».

«ولكن ما كان دورك أنت،» سأله محدّثه، «وما كان دور الربّ؟»

«دوري،» جاء الجواب سريعًا، «كان أن أهرب، ودور الربّ كان أن يجري ورائي حتى أمسك بي».

إنّه جوابٌ عميق المعنى؛ ولكن ما أقلّ الذين يفهمونه حقًّا!

إنّ دور الله دائمًا هو أن يجري وراءنا. فقد جاء المسيح لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك. «أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَأَضَاعَ وَاحِدًا مِنْهَا، أَلَا يَتْرُكُ ٱلتِّسْعَةَ وَٱلتِّسْعِينَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، وَيَذْهَبَ لِأَجْلِ ٱلضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحًا». هذا هو الدور الإلهيّ دائمًا؛ ولكنّنا في حماقتنا لا نفهمه، بل نظنّ عوضًا عن ذلك أنّ الربّ هو الضائع، وأنّ دورنا نحن أن نطلبه ونجده. والعبارات التي نستعملها نفسها تدلّ على ذلك. فنحن نقول للخطاة: «اُطْلُبُوا ٱلرَّبَّ»، ونتكلّم عن أنّنا قد «وجدناه». «هل وجدتِ المخلّص؟» هكذا سألت عاملةٌ كرازيّةٌ مفرطة الحماسة طفلةً صغيرة سعيدةً واثقة.

فأجابت وعلى وجهها الدهشة، وفي نبرتها العجب: «عجبًا! لم أكن أعلم أنّ المخلّص قد ضاع!»

إنّ جهلنا بالله هو سبب هذا كلّه. فلأنّنا لا نعرفه، نكوّن عنه بالطبع كلّ أنواع الأفكار الخاطئة. نحسبه قاضيًا غاضبًا يترصّد أدنى زلّاتنا، أو مسخِّرًا قاسيًا مصمّمًا على أن يطلب منّا أقصى الخدمة، أو إلهًا منشغلًا بذاته يطالب بملء نصيبه من الكرامة والمجد، أو ملكًا بعيدًا لا يعنيه إلّا شأنه الخاصّ ولا يبالي بخيرنا. فمن يعجب إن كان إلهٌ كهذا لا يمكن أن يُحَبّ ولا أن يُوثَق به؟ ومن يتوقّع من مسيحيّين لهم عنه مثل هذه الأفكار أن يكونوا شيئًا سوى مملوئين ضيقًا وشقاءً؟

ولكنّي أستطيع أن أقول بثقة، ودون خوفٍ من نقض، إنّه يستحيل على من يعرف الله حقًّا أن تكون له عنه أفكارٌ مزعجة كهذه. قد تكون هناك مضايقاتٌ خارجيّة كثيرة، وأحزانٌ وتجاربُ أرضيّةٌ كثيرة، ولكنّ النفس التي تعرف الله لا بدّ أن تسكن خلالها كلّها في موضع سلامٍ كامل في داخلها. «أَمَّا ٱلْمُسْتَمِعُ لِي فَيَسْكُنُ آمِنًا، وَيَسْتَرِيحُ مِنْ خَوْفِ ٱلشَّرِّ». وهذا قولٌ لا يقدر أحد أن يجادل فيه. فلو أصغينا إلى الله حقًّا — وهذا لا يعني سماعه فحسب بل تصديق ما نسمع — لما أمكن أن يفوتنا أن نعرف أنّه، لكونه الله، لا يقدر أن يفعل شيئًا سوى أن يحرسنا كحدقة عينه، وأنّ كلّ ما تستطيع المحبّة الحانية والحكمة الإلهيّة أن تفعلاه لخيرنا سيُفعل يقينًا. فلا تبقى للنفس التي تعرف الله ثغرةٌ واحدة للقلق أو الخوف.

«آه، نعم»، تقول، «ولكن كيف لي أن أعرفه؟ يبدو أنّ لغيري نوعًا من الإعلان الداخليّ يجعلهم يعرفونه، أمّا أنا فلا يحدث لي ذلك قطّ؛ ومهما صلّيتُ يبدو كلّ شيء مظلمًا أمامي. أنا أريد أن أعرف الله، ولكنّي لا أرى كيف السبيل إلى ذلك».

إنّ صعوبتك هي أنّ لديك فكرة خاطئة عن معنى معرفة الله، أو على الأقلّ عن نوع المعرفة التي أعنيها. فأنا لا أعني إعلاناتٍ داخليّةً صوفيّة. مثل هذه الاختبارات مبهجةٌ حين تحدث، ولكنّها ليست دائمًا في متناول إرادتنا، وقد تكون غير أكيدة ولا ثابتة. أمّا نوع المعرفة الذي أعنيه فهو المعرفة البسيطة العمليّة لطبيعة الله وصفاته، النابعة من تصديق ما أُعلن عنه في الكتاب المقدّس.

يقول الرسول يوحنا في ختام إنجيله عن الأمور التي كتبها: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلَامِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا ٱلْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِٱسْمِهِ.» (يوحنا 20:30). فتصديق ما هو مكتوب، لا ما يُعلَن في الداخل، هو الذي يهب الحياة؛ ونوع المعرفة الذي أعنيه هو المعرفة الآتية من تصديق ما هو مكتوب.

أعني، من الناحية العمليّة، أنّي حين أقرأ في الكتاب المقدّس أنّ الله محبّة، عليّ أن أصدّق ذلك لمجرّد أنّه مكتوب، لا لأنّ لي اختبارًا داخليًّا يُثبت صحّته؛ وحين يقول الكتاب المقدّس إنّه يعتني بنا كما يعتني بزنابق الحقل وطيور السماء، وإنّ شعور رؤوسنا أيضًا جميعها محصاة، عليّ أن أصدّق ذلك لمجرّد أنّه مكتوب، سواء أكان لي إحساس داخليّ به أم لم يكن.

ومن المهمّ جدًّا أن نفهم أنّ الكتاب المقدّس بيانٌ لا للنظريّات بل للوقائع الفعليّة؛ وأنّ الأمور ليست حقًّا لأنّها في الكتاب المقدّس، بل هي في الكتاب المقدّس لأنّها حقّ. قال ولدٌ صغير كان قد تعلّم في المدرسة عن اكتشاف أمريكا لأبيه ذات يوم: «يا أبي، لو كنتُ أنا كولومبوس لما تكبّدتُ كلّ ذلك العناء لاكتشاف أمريكا».

فسأله أبوه: «وماذا كنتَ تفعل إذًا؟»

«آه»، أجاب الولد الصغير، «كنتُ أذهب إلى الخريطة وأجدها فيها».

لم يكن هذا الولد الصغير يفهم أنّ الخرائط ليست إلّا تمثيلًا لأماكن معروفة سلفًا، وأنّ أمريكا لم توجد لأنّها على الخريطة، بل إنّها ما كانت لتكون على الخريطة لولا أنّها موجودة أصلًا. وهكذا الأمر في الكتاب المقدّس. فهو، كالخريطة، بيانٌ بسيط للوقائع؛ حتى إنّه حين يقول لنا إنّ الله يحبّنا، إنّما يخبرنا بشيءٍ هو حقٌّ سلفًا، وما كان ليكون في الكتاب المقدّس لو لم يكن واقعًا.

كان اكتشافًا عظيمًا لي حين فهمتُ هذا. فقد بدا أنّه يزيل كلّ ريبٍ وتخمينٍ من الإعلان المعطى لنا في الكتاب المقدّس عن خلاص الربّ يسوع المسيح، ويجعل كلّ ما كُتب عنه بيانًا بسيطًا لوقائع لا تُنكَر. والوقائع أمرٌ نستطيع أن نصدّقه — بل نحن نصدّقها فعلًا حالما نُدرك أنّها وقائع. فالإعلانات الداخليّة ليست في متناول إرادتنا، أمّا ما هو مكتوب فيستطيع كلّ ذي عقلٍ سليم أن يصدّقه. ومع أنّ هذا قد يبدو في أوّل الأمر أمرًا عاديًّا بسيطًا، فإنّه إن اتُّبع بثبات أثمر يقينًا داخليًّا مباركًا عميقًا، وقادنا في النهاية إلى معرفةٍ بالله تُغيّر حياتنا.

هذا النوع من المعرفة يولّد القناعة؛ وفي رأيي أنّ القناعة أسمى بكثير من الاختبارات الداخليّة، مهما كانت مبهجة. فالاختبار الداخليّ قد تؤثّر فيه صحّة المرء أو أمورٌ مقلقة أخرى كثيرة، أمّا القناعة فتبقى. فمتى اقتنع الإنسان أنّ اثنين واثنين يساويان أربعة، لم يقدر مرضٌ ولا ضيقٌ ولا مؤثّرٌ خارجيّ أن يزعزع تلك القناعة. إنّه يعرفها في مرضه كما يعرفها في صحّته. فالقناعات تنبع من المعرفة، ولا يقدر تغيّرٌ في المشاعر أو في حال الجسد أن يُغيّر المعرفة.

ولمساعدة قرّائي على بلوغ هذا النوع من المعرفة العمليّة بالله، وعلى بلوغ القناعات النابعة منها، كُتب هذا الكتاب. وسأحاول أوّلًا أن أُبيّن ما هو الله — لا بالمعنى اللاهوتيّ أو العقائديّ، بل ببساطة ما هو في الحياة الواقعيّة اليوميّة، بصفته إلهَ كلّ واحد منّا وأباه. وسأشير أيضًا إلى بعض الأمور التي تبدو لي أكبر العوائق دون معرفته حقًّا.

إنّي على يقينٍ تامّ أنّ معرفته كما هو حقًّا ستجلب تعزيةً وسلامًا لا يخيبان لكلّ قلبٍ مضطرب، وإنّي لأشتاق اشتياقًا عميقًا أن أُعين كلّ من تبلغه يدي على بلوغ هذه المعرفة. قال أحد أصحاب أيّوب ردًّا على ضيقه: «تَعَرَّفْ بِهِ وَٱسْلَمْ. بِذَلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ.» (أيّوب 22:21). وقال ربّنا في صلاته الأخيرة المدوّنة: «وَهَذِهِ هِيَ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلْإِلَهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ.» (يوحنا 17:3). فالأمر ليس أمر معرفتنا بأنفسنا — ما نحن، وما نفعل، وما نشعر به — بل هو ببساطة أمر التعرّف بالله، ومعرفة ما هو، وما يفعل، وما يشعر به. فالتعزية والسلام لا يأتيان قطّ ممّا نعرفه عن أنفسنا، بل دائمًا ممّا نعرفه عنه.

قد نقضي أيّامنا في أداء ما نسمّيه واجباتٍ دينيّة، ونملأ عباداتنا حماسة، ونبقى مع ذلك تعساء. فلا شيء يقدر حقًّا أن يريح قلوبنا إلّا معرفةٌ حقيقيّةٌ بالله؛ لأنّ كلّ شيء في خلاصنا يتوقّف عليه في النهاية. وتعزيتنا تتوقّف كلَّ التوقّف على كونه أهلًا لثقتنا. فلو كنّا نُزمع على سفرٍ بحريٍّ خطر، لكان أوّل ما يشغلنا نوع الرُّبّان الذي يقودنا. والبداهة تقول لنا إنّ الرُّبّان إن لم يكن أهلًا للثقة، فلا قدرَ من الأمانة فينا نحن يجعل الرحلة آمنة. فشخصيّته هو، لا شخصيّتنا نحن، هي الأهمّ.

فإن استطعتُ أن أقول هذا مرّاتٍ كافية، وبطرقٍ متنوّعةٍ كافية، حتى أُولّد القناعة في بعض القلوب المضطربة، وأرفعها من حياتها الدينيّة التعيسة المزعجة إلى ملكوت المحبّة والفرح والسلام — وهو ميراثها الشرعيّ — فسأشعر أنّ غايتي من كتابة هذا الكتاب قد تحقّقت. وسأستطيع حينئذٍ أن أقول: «ٱلْآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلَامٍ، لِأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلَاصَكَ»؛ وأنّ قلمي قد حاول أن يصفه.

غير أنّه يجب أن يُفهم بوضوح أنّ هذا الكتاب لا يحاول أن يعالج الجوانب النقديّة أو اللاهوتيّة للدين. وهو لا يتناول المسائل المتعلّقة بموثوقيّة الكتاب المقدّس.

فهناك من هم أقدر منّي بكثير على معالجة مثل هذه الأمور. إنّما كُتب هذا الكتاب لأناسٍ يعترفون، مثلي، بالإيمان بالربّ يسوع المسيح، ويقبلون الكتاب المقدّس ببساطة بصفته إعلانه.

فإذ أضع جانبًا كلّ المسائل النقديّة، لا أسعى إلّا إلى شرح ما يبدو لي أنّه النتيجة الطبيعيّة لمثل هذا الإيمان، وكيف يستطيع المؤمنون أن يختبروه اختبارًا شخصيًّا.

وقد تكون في طريقة تعبيري عن هذه الأمور أخطاء، وعن ذلك أطلب من قرّائي سعة الصدر. أمّا الحقّ الذي أريد أن أُبلّغه — وأن أُبلّغه على نحوٍ لا يمكن معه لأحدٍ أن يُخطئ فهمه — فليس خطأً. وذلك الحقّ هو هذا: إنّ حياتنا الدينيّة ينبغي أن تكون مملوءةً فرحًا وسلامًا وتعزية، وإن نحن عرفنا الله معرفةً أفضل فستكون كذلك.

المحتويات

إله كل تعزية Hannah Whitall Smith

صفحة 1 / 1 · 11 دقيقة متبقية في الفصل