فصل 5 · قراءة 5 د
انطلق أيها الشاب!
كانت السنوات الأربع التي قضيتها في الحرم الجامعي الجميل في برينميل بسوانزي مثمرة جدًا. ومع أنني التحقت بالجامعة لدراسة الرياضيات، فقد انتقلت إلى قسم الفيزياء في سنتي الثانية، إذ وجدت اهتمامي بها يزداد. (وعندما أنظر إلى الوراء، أرى في ذلك أيضًا قيادة الرب.) كنت قد فكّرت أولًا في الذهاب إلى برمنغهام، لأن جامعتها كانت مشهورة بقسم الرياضيات فيها. وها أنا الآن أدرس الفيزياء في سوانزي، في كلية مشهورة بقسم الفيزياء فيها! ونلت في الفيزياء درجة أفضل مما توقّعه أيّ أحد، ثم حصلت في سنتي الأخيرة على دبلوم في التربية. وحين غادرت الجامعة تولّيت أول وظيفة لي، أدرّس الفيزياء رئيسًا للقسم في مدرسة ثانوية جديدة.
صار بيت آل إيفانز مكانًا مميزًا، كنت أُعامَل فيه كواحد من أفراد العائلة؛ بل إنهم ما زالوا حتى اليوم عائلتي. كنا نحضر الكنيسة نفسها، وانضممت إلى جوقة الإنجيل الرجالية في سوانزي، وكانت ماري إيفانز عازفة البيانو فيها، وأوبري إيفانز أمين مكتبتها. كانت ماري تحرص على أن آكل جيدًا حقًا، أما زوجها أوبري، فمع أنه لم ينل حظًا من التعليم، فقد أعطاني كثيرًا من جواهر البصيرة التي بقيت معي على مرّ السنين.
ذات مرة، حين كنت متضايقًا بعض الشيء مما بدا لي فتورًا في غيرة شباب الكنيسة، انتحى بي جانبًا وقال: «تذكّر يا بنيّ أن الذين يتبعون من بعيد ما زال بإمكانهم أن يروا الرب، أما الذين يتقدّمون خطوة واحدة أمام نور العالم فلا يعودون يرونه. إنهم يجدون أنفسهم سائرين في ظلّهم.»
درس راسل علم المعادن في الجامعة، وصار لاحقًا أستاذًا كبيرًا في المؤسسة نفسها. كان طالبًا ممتازًا، وعونًا كبيرًا لي وأنا أشقّ طريقي بصعوبة في مقررات مرتبة الشرف في الفيزياء النووية.
أما دون إيفانز فالتحق بكلية للكتاب المقدس، ورعى كنيسة بضع سنين، ثم دخل كلية جامعة سوانزي ليدرس الفلسفة. وهو يعيش الآن في دنيدن بنيوزيلندا أستاذًا هناك، ويُعدّ من أبرز الأكاديميين في العالم في مجال أخلاقيات الطب. وقد سافر كثيرًا، سواء في الأوساط الأكاديمية أو متحدّثًا في حركة التجديد الكاريزماتية.
وفي تلك السنوات الرائعة في سوانزي التقيت آن، وكانت سكرتيرة تحضر الكنيسة نفسها التي أحضرها. كان أبوها نرويجيًا، وخادمًا أمينًا للإنجيل مع أن صحته كانت معتلّة سنوات طويلة. وقد أفادني بكثير من الأفكار عن أعماق أمور الله، وما زلت أعتزّ بالكتب التعبّدية التي أهداني إياها. أما أمها فقد نشأت في الكنيسة التي كان إيفان روبرتس قائد شبيبتها حين اندلعت النهضة الويلزية سنة 1904.
كانت تعرف كثيرين من «قدّيسي» ذلك الزمان، وصارت لاحقًا عضوًا في «فرقة الصلاة لريس هاولز». ومع ميراث تقيّ كهذا، لا عجب أن تُظهر آن تلك الشخصية المسيحية العميقة التي تعلّمت أن أقدّرها فيها.
تمّت خطبتنا يوم تخرّجي، وتزوّجنا بعد سنة، عند إتمامي دورة دبلوم التدريس. وانتقلنا إلى بيتنا الأول في الوقت المناسب لأبدأ التدريس في مدرسة كينفيغ الشاملة. لم أفهم قطّ كيف حصلت على تلك الوظيفة - لا بدّ أنها كانت موعدًا آخر من مواعيد الرب، لأنها فرصة لم أسعَ إليها قطّ.
فقد اقترب مني أحد أساتذتي في الجامعة يومًا وسألني هل وجدت عملًا بعد. فأجبته بالنفي، ولكن من غير قلق، إذ كان لا يزال أمامنا بعض الوقت قبل نهاية الدراسة الجامعية. عندئذ اقترح أن أكتب إلى عنوان دوّنه لي، وأستفسر عن أي وظائف شاغرة. وبعد ذلك بقليل دُعيت إلى مقابلة لشغل الوظيفة في كينفيغ. وعلى حدّ علمي كنت الوحيد الذي أُجريت معه المقابلة، ثم عُرض عليّ العمل لتدريس الفيزياء حتى المستوى المتقدّم.
وفي سنتي الثالثة في تلك المدرسة الأولى دُعيت إلى التدريس مع القوات البريطانية في ألمانيا. كان لجيش الراين البريطاني عدة مدارس يتعلّم فيها أبناء العسكريين، وكان عليّ أن أدرّس في مدرسة وندسور للبنين التي كانت، مثل شقيقتها مدرسة البنات، تضمّ أكثر من 500 طالب في المرحلة الثانوية.
كنت آنذاك أصغر معلّم وظّفته وزارة الدفاع على الإطلاق، إذ لم أكن قد أدّيت «الخدمة الوطنية»، ولا أمضيت سنوات الخبرة الخمس في التدريس التي تُشترط عادة.
لم أكن أعلم بتلك الشروط حين تقدّمت أول مرة، بتردّد، بطلب للتدريس مع جيش الراين البريطاني (B.O.A.R.)، ولذلك خاب أملي قليلًا حين تلقّيت رفضهم الأول. وكنت قد صرفت النظر تمامًا عن وظيفة تدريس كهذه حين وصلت بعد بضعة أشهر رسالة أخرى تخبرني بوجود وظيفة شاغرة للتدريس في هام بألمانيا الغربية. ويبدو أن معلّم الفيزياء في تلك المدرسة كان قد رُقّي إلى منصب نائب المدير، وأنني كنت معلّم الفيزياء الوحيد المسجّل لديهم الذي يحمل المؤهلات المناسبة. إن الله قادر أن يتجاوز حتى أنظمة الجيش!
كانت تلك سنوات طيبة لي ولآن. كان الله قد باركنا بابنة هي كورين، التي وُلدت في ويلز، والآن أعطانا ابنتين أخريين: أندريا ولينيت، لتكتمل عائلتنا. وكسبنا أصدقاء ألمانًا كثيرين، واستمتعنا بالعيش بين ثقافتين.
وفي أيام الآحاد كنا نسافر إلى قاعدة عسكرية كندية مجاورة، حيث كان جيش الخلاص يقيم اجتماعًا مسائيًا. وبينما كنا نتشارك معًا، مال قلبي إلى هؤلاء الناس المضيافين القادمين من أرض الهنود الحمر والإنويت، وشرطة «الخيّالة» وصيّادي الفراء، والدببة والنسور، والبيتزا والسلمون. وهكذا، وبتشجيع منهم، بدأنا نسعى إلى إمكانية التدريس في كندا.
وسرعان ما تلقّيت رسالة تبلغني بقبولي لتدريس الفيزياء في كلية تقنية معروفة في تورونتو بكندا. وكان عليّ أن أرسل إليهم صورًا من شهادتي الجامعية وشهادة الدبلوم للتحقّق من مؤهلاتي، على أن يبلغوني بترتيبات الرحلة إلى أرض الشمال العظيمة.
أرسلنا وثائقنا بالبريد إلى شارع بلور في تورونتو، وسرعان ما وصلني ردّ يفيد بأنني سأكون على الأرجح مؤهلًا لنيل «دبلوم تخصّص من الفئة (أ)». ثم تلت ذلك فحوص طبية دقيقة، وحصلنا على التأشيرات، وقدّمت استقالتي من المدرسة، وانتظرنا… أما الرسالة الثانية فلم تكن سارّة! فقد وقع خطأ! إذ عيّن مدير التعليم المحلي معلّمًا ليشغل وظيفتي، غير عالم بأن مدير الكلية كان قد وافق عليّ من قبل! عُيّن ثلاثة معلّمين لوظيفتين شاغرتين، ولأنني كنت من خارج البلاد، كنت أنا من خاب أمله.
كان الحرج كبيرًا ونحن نخبر أصدقاءنا بآخر الأخبار. كنا قد قدّمنا شهادة متوهّجة عن صلاح الله نحونا، والآن بدا أنها لم تكن سوى كلام فارغ. لم يكن لدينا عمل للعام الدراسي الجديد، وكان علينا أن نعود إلى ويلز لنجد عملًا آخر لفصل دراسي واحد على الأقل. امتلأت صلواتنا بالتساؤلات، ولم ندرك أن الرب كان يعرف تمامًا ما يفعله!
وبعد ثلاثة أيام جاءت رسالة أخرى. كانت هذه من الجيش البريطاني، يعبّرون فيها عن أسفهم لاستقالتي ويدعونني إلى إعادة النظر. وكتبوا: «لدينا وظيفة أخرى شاغرة لمعلّم فيزياء في هونغ كونغ. هل تتفضّل بالنظر في هذه الوظيفة وإبلاغنا بقرارك في أقرب وقت ممكن؟»
ولأن أقرب أصدقائنا كانوا ذاهبين هم أيضًا إلى هونغ كونغ، كان اتخاذ القرار سهلًا. وكنا على موعد لنكتشف مرة أخرى أن الرب كان يسبقنا ببضع خطوات.
اكتمل الفصل 5
انطلق أيها الشاب!