أحجار العبور
أنا أسير قدامك

فصل 4 · قراءة 4 د

أنا أسير قدامك

استمتعت بذلك اليوم مع دون إيفانز، وكثيرًا ما فكّرت فيه في الأشهر التالية، ولم يخطر ببالي قطّ كيف ستتقاطع طرقنا من جديد.

واصلت دراستي للرياضيات والفيزياء على أمل الالتحاق بالجامعة في السنة التالية. وكانت شروط القبول في الجامعة تقتضي أن تختار أربع كليات، وترتّبها بحسب الأفضلية، وترسل تلك القائمة إلى هيئة مركزية. ثم تُبلغك الهيئة بالمستوى الأكاديمي الذي عليك أن تبلغه في كل مادة لكي تقبلك كل واحدة من تلك المؤسسات الجامعية طالبًا فيها. وكانت برمنغهام تُعدّ صاحبة أفضل كلية للرياضيات، وهي نقطة قوّتي، فتصدّرت قائمتي، تليها كارديف، ثم سوانزي، ثم أبيريستويث.

سبقت الأسبوعين المرهوبين من امتحانات المستوى المتقدّم في موادي الثلاث، الرياضيات البحتة والرياضيات التطبيقية والفيزياء، ساعات طويلة من الدراسة المكثّفة. وبفرح عظيم (وبشيء من الدهشة) سمعت بعد بضعة أسابيع أنني نجحت في جميع المواد، وبدرجات تكفي لاستيفاء كل المستويات المطلوبة. وحتى ذلك الحين لم يكن عندي أدنى شكّ في أن برمنغهام هي هدفي، أما الآن فقد بدأت أفكار أخرى تطفو على السطح. كانت وجهة جديدة تلوح في ذهني. فبرمنغهام «صناعية أكثر من اللازم»، وكارديف «قريبة أكثر من اللازم»، وسوانزي صارت «الأفضل».

فكتبت إلى راعي كنيسة إليم في سوانزي أطلب مساعدته في إيجاد مكان يسكن فيه طالب جامعي مستجدّ. وكنت ساذجًا نوعًا ما حين ظننت أن لدى الراعي وقتًا للبحث عن المساكن، ولذلك كنت لا أزال بلا عنوان حين وصلتني رسالة هزّتني ودفعتني إلى التحرّك.

«يؤسفنا أننا لن نتمكّن من إرسال منحة لك لتغطية تكاليف الدراسة والكتب والسكن للسنة المقبلة إن لم تتمكّن من تزويدنا بعنوانك في سوانزي. والموعد النهائي لتقديم هذه المعلومات هو...» وكان الموعد يوم الأربعاء التالي، أي بعد خمسة أيام!

مع أن سوانزي لا تبعد عن بيتي سوى 30 ميلًا، لم أكن قد ذهبت إليها إلا مرة واحدة في حياتي، في زيارة لعصر يوم واحد مع خالي لمشاهدة مباراة كريكيت. وفي يوم وصول الرسالة نفسه كنت في طريقي إليها من جديد، على أمل أن أجد كنيسة إليم وراعيها. نزلت من الحافلة في وسط المدينة ودخلت كشك هاتف على أمل أن أجد عنوانًا ورقم هاتف لمكتب كنيسة إليم. ومع أنني بحثت بدقّة في كل السبل الممكنة، لم أجد كنيسة إليم مدرجة في الدليل. ورأت شابّتان كانتا واقفتين خارج الكشك قلقي، فعرضتا مساعدتهما. وشككت في قدرتهما على مساعدتي وأنا أحكي لهما مأزقي، ولكن لدهشتي الكبيرة، لم تكونا تعرفان موقع بيت الراعي والحافلة التي عليّ أن أستقلّها للوصول إليه فحسب، بل استطاعتا أيضًا أن تشجّعاني، إذ كانت كلتاهما مؤمنة أيضًا! وتذكّرت أن الكتاب المقدس يتحدّث عن احتمال أن نستضيف ملائكة، كما «أَضَافَ أُنَاسٌ مَلَائِكَةً وَهُمْ لَا يَدْرُونَ».

حين أدرك الراعي الغرض من زيارتي، اعتذر كثيرًا لأنه نسي أن يتابع طلبي. ولم يُفلح فنجان الشاي في تهدئة القلق الذي بدأت أشعر به وهو ينبش في مكتبه بحثًا عن قائمة بأسماء صاحبات بيوت محتملات يؤجّرن الغرف. كان قد أعدّ هذه القائمة حين وصلت رسالتي قبل بضعة أسابيع، لكن مشاغل العمل الرعوي طغت عليه، فسقط طلبي من ذاكرته. وبعد دقائق قليلة، والقائمة في يده، ركبنا سيارته وانطلقنا إلى البيوت الثمانية التي ظنّ أنني قد أستطيع السكن في أحدها. وبينما كنّا نمرّ بحديقة سينغلتون، حيث تقع الجامعة، ضغط فجأة على المكابح وانعطف في زقاق ضيّق بمحاذاة الحديقة.

قال: «هنا تسكن سيدة لها ولدان توأمان. أحدهما ذاهب إلى كلية الكتاب المقدس، والآخر سيبدأ الجامعة معك. اسمها ليس في قائمتي، لكن لا بأس أن نبدأ بحثنا بسؤالها، ما دمنا نمرّ قريبًا جدًّا من بيتها».

فقلت في نفسي: «يا للسخافة! لن تسمح أمٌّ لغريب بأن يأخذ مكان أحد ابنيها التوأمين!»

جلست في السيارة يائسًا بينما كان الراعي يتحدّث مع السيدة في البيت. ولم يبدُ عليه كثير من الأمل حين عاد. أما أنا فكان أملي أقلّ.

قال بقليل من الحماسة: «ادخل. إنها تريد أن تلتقي بك».

دخلت البيت وأصغيت إلى ربّة البيت وهي تعبّر عن شكّها في أن يوافق ابناها على أن تسمح لغريب باستئجار غرفتهما؛ لكنها ستسألهما وتُعلمني. وبالطبع لم يكن لذلك قيمة تُذكر عندي، إذ كنت قد بلغت بالفعل الموعد النهائي لتحديد مسكني الجامعي. وردًّا على سؤال الراعي عن مكان ابنيها، قالت: «راسل في الجامعة، ودون في أعلى الشارع عند المتجر القريب».

قلت، وقد عادت بي ذاكرتي في لمح البصر إلى مباراة الكريكيت قبل سنة تقريبًا: «دون؟ هل قلتِ دون؟ هل كان قائد فريق الكريكيت في مدرسة سوانزي الثانوية في السنة الماضية؟»

جاء الجواب: «نعم!» في اللحظة التي دخل فيها شخص مألوف من الباب الأمامي. لم يكن يرتدي في ذلك اليوم ثياب الكريكيت البيضاء، لكن وجهه كان يحمل الابتسامة اللطيفة نفسها التي أذكرها.

«أمي، هذا غاريث. إنه الفتى الذي التقيته في كاوبريدج. الذي حدّثتك عنه. المسيحي الجديد!»

أخبرته أنني أبحث عن مكان أسكن فيه في أثناء دراستي في جامعة سوانزي، فعانقني وقال بلهفة: «أمي، يمكنه أن يأخذ غرفتي!»

ومن فوق كتف دون، رأيت أمه تمدّ ذراعيها نحوي، مرحّبة بي في ذلك البيت الرائع. لقد وجدت بيتًا جديدًا وعائلة ستصير عمّا قريب قريبة إليّ قُربَ أيّ عائلة من لحمي ودمي.

وبدأت أتساءل: «هل كان الله في مباراة الكريكيت تلك؟ هل كان يخطّط منذ ذلك الحين لهذا المسكن؟»

إنني مقتنع بأنه كان كذلك! فبينما خطّطت أنا للالتحاق بجامعة برمنغهام، كان هو يُعدّ لي بيتًا في سوانزي، وها هو الآن قد قادني إلى الشخص الوحيد الذي أعرفه في تلك المدينة كلها، مدينة يزيد عدد سكانها على 100,000 نسمة!

صفحة 1 / 1 · 4 دقيقة متبقية في الفصل