فصل 3 · قراءة 5 د
بداية الرحلة
انتهت الخدمة في الكنيسة الصغيرة، والتفّت مجموعة صغيرة من المراهقين حول الواعظ الشاب. كنّا قد ذهبنا في تلك الأمسية لنشجّعه، إذ كان جديدًا في عمل الوعظ العلماني الذي لا غنى عنه لكنائس ويلز الصغيرة الكثيرة. أما عظته فقد طواها النسيان منذ زمن بعيد، وأما الحديث الذي تلاها فلم يُنسَ. تحدّثنا عن مدرستي، مدرسة كاوبريدج الثانوية، التي كان هو نفسه تلميذًا فيها قبل سنتين فقط، ثم طرح أنيورين السؤال الذي غيّر حياتي.
قال: «قل لي يا غاريث، ماذا ستفعل بالرب يسوع المسيح؟»
قبل ذلك بخمسة أسابيع فقط، كنت قد دخلت للمرة الأولى بيت فينس وبيتي بيشوب. كانا يعقدان اجتماعات للمراهقين تحضرها أختي باربرا كل مساء جمعة. كانوا يرنّمون هناك ترانيم قصيرة مفعمة بالحيوية، ويتسابقون في مسابقات كتابية، وأحيانًا يستضيفون متكلّمًا زائرًا. كنت أذهب إلى مدرسة الأحد حتى ماتت أمي وأنا في الرابعة عشرة، لكنني لم أعد أهتمّ كثيرًا بالأمور الروحية. ومع ذلك، وجدت نفسي، بدعوة من باربرا، جالسًا في المقعد المريح في زاوية غرفة الجلوس عند آل بيشوب، واضطررت أن أعترف بأنني أستمتع بوقتي. ولا بدّ أنك تفهم أن ذلك كان سهلًا جدًّا، إذ كنت الفتى الوحيد هناك مع 15 فتاة! وظننت أن هذا قد يكون السبب في أن بيتي نادتني إلى المطبخ في آخر الأمسية بينما كانت المشروبات الباردة والبسكويت تُعَدّ.
فمن الطبيعي أنها تتوقّع مني أن أحمل صينية المشروبات الثقيلة.
لكنني لم أتوقّع ما قالته حين التفتت إليّ: «قل لي يا غاريث، ماذا ستفعل بالرب يسوع المسيح؟»
في زحمة ذلك المطبخ كان التهرّب من السؤال سهلًا، لكن كان من المستحيل أن أطرده من ذهني، إلى أن واجهني به الواعظ الشاب مرة أخرى. وفي تلك الأثناء، كنت قد أدركت أن المسيحية لا تنادي بموت يسوع على الصليب فحسب، بل بقيامته من بين الأموات أيضًا. وبدأت أفكّر: إن كان قد قام حقًّا من بين الأموات، فهو حيّ، ومن ثَمّ يمكن أن أعرفه معرفة شخصية. وكنت كل أسبوع قد تدبّرت أمري لأتجنّب الانفراد ببيتي، لأنني كنت أعلم أنها ستسألني من جديد السؤال الذي لا أملك له جوابًا، أما الآن فقد لحق بي ذلك السؤال. وبينما رافق الآخرون أنيورين سيرًا إلى محطة الحافلات، صعدت التلّ نحو البيت. ودخلت غرفة نومي، وركعت بجانب السرير، وصلّيت صلاة بسيطة.
«أيها الرب يسوع، إن كنت حقيقيًّا، فأرجوك ادخل إلى حياتي، وانزع خطيتي، واجعلني لك». لم أعرف ماذا أقول غير ذلك، فأكملت بكلمات ترنيمة قصيرة بسيطة كنت قد تعلّمتها مؤخرًا: «ادخل قلبي، ادخل قلبي، ادخل إلى قلبي يا رب يسوع. ادخل اليوم، ادخل لتبقى، ادخل إلى قلبي يا رب يسوع. آمين». ولم أكن أدرك إلا قليلًا رحلة الإيمان المثيرة التي كنت قد بدأتها للتوّ.
قد يقول بعضهم إنها مجرد مصادفة أن يطرح أنيورين السؤال نفسه الذي كنت أتهرّب منه، لكنني رأيت أمثلة كثيرة جدًّا على تدخّل الله في حياتي بطرق «مصادفة» مشابهة، حتى صرت أعرف أنها مواعيد الله؛ أحجار عبور في مسيرة إيماني. وغايتي في هذا الكتاب أن أعرّفك بالإله الذي يهتمّ بأن يقود كل واحد منّا إلى سلوك حميم معه. إنه يفتح الأبواب ويغلقها؛ يقود عبر الأودية وفوق قمم الجبال؛ يأخذ خيبات أملنا ويجعلها مواعيد رتّبها هو.
«حين يريد الله أن يدرّب إنسانًا...
وأن يُبهج إنسانًا...
وأن يُتقن صنع إنسان؛ حين يريد الله أن يصوغ إنسانًا ليؤدّي أنبل الأدوار؛ حين يتوق بكل قلبه إلى أن يخلق إنسانًا بهذه العظمة والجرأة حتى يندهش منه العالم كله، فراقب أساليبه! راقب طرقه!
كيف يُكمِّل بلا هوادة من يختارهم اختيارًا ملكيًّا؛ كيف يطرقه ويوجعه، وبضربات قوية يحوّله إلى كتل من الطين في التجربة لا يفهمها إلا الله!
بينما قلبه المعذَّب يصرخ، ويرفع يدين متضرّعتين!
كيف يَحني ولكنه لا يكسر أبدًا من تكفّل بخيرهم؛ كيف يستخدم من يختارهم، وبقصد مُحِبّ يصهره، وبالنفس المثقلة يحثّه على أن يختبر غنى الله.
فالله يعرف ما يفعل!»
— مجهول المؤلف. في الأشهر التي أعقبت صلاتي البسيطة، نموت كثيرًا في فهمي للحقائق الكتابية الأساسية. وكنت مباركًا بمعلّمين صالحين أحبّوا الرب وكلمته. وانضممت إلى كنيسة، وصرت ناشطًا في مجموعة الشباب فيها، المسمّاة «الكروسيدرز». وبدأت أكتشف غنى ميراثنا في المسيح، ثمر روحه. حقًّا «السماء فوقنا أرقّ زرقةً، والأرض حولنا أبهى خضرةً؛ في كل لون حياةٌ لم ترَها قطّ عيون بلا مسيح» (ج. وايد روبنسون). كانت تلك أيامًا نُظهر فيها انتماءاتنا بوضع «شارات» على طيّة السترة. فبعضها كان يعلن التأييد لنادي كرة القدم المحلي، وبعضها لآخر «نجم» في عالم الترفيه. أما شارتي فكانت تقول ببساطة: «كروسيدرز إليم». لم تكن ملهمة كثيرًا، لكنها كانت ذات دلالة كبيرة.
في الصيف التالي، وقفت أشاهد فريق الكريكيت في مدرستنا يلعب أمام أحد أقوى منافسيه، وهو مدرسة ثانوية من سوانزي. كان الزائرون في دور الضرب ويعانون أمام رماتنا، وكنت منغمسًا في المباراة كل الانغماس.
قال صوت قريب مني: «أرى أنك تنتمي إلى كروسيدرز إليم. أفترض أنك تعرف الرب».
التفتّ فرأيت أن الذي يكلّمني لاعب من الفريق الزائر. بدا رياضيًّا رائعًا في «ثياب الكريكيت البيضاء»، وكانت ابتسامته الآسرة تدعو إلى الصداقة.
تلعثمت قائلًا: «نـ... نعم»، إذ لم أكن قد التقيت بعدُ أحدًا يكشف إيمانه بهذه الصراحة. «نعم، أعرفه».
وسرعان ما بدأنا نتمشّى حول محيط ملعب الكريكيت. تعارفنا، وتحدّثنا عن صداقتنا الجديدة في المسيح. وما إن وصلنا إلى البوابة المؤدية إلى ملاعب المدرسة حتى دخل منها معلّمي السابق للّغة اللاتينية، وكان رجلًا صارمًا يشدّد على من تحت يده، وكان أيضًا من القائمين على اختيار منتخب تلاميذ مدارس ويلز للكريكيت. وكان صديقي الجديد مرشَّحًا لمركز في منتخب ويلز، ولذلك كان معلّمي يعرفه فعلًا. وكنت أنا أيضًا معروفًا لديه، لا بمهاراتي في ملعب الكريكيت، بل بجهلي في حصة اللاتينية! وكان يعرف كذلك أن اسم عائلتنا واحد: إيفانز.
قال: «مرحبًا يا دون! مرحبًا يا غاريث!» ثم أضاف: «هل أنتما أخوان؟»
بدا ذلك السؤال سخيفًا جدًّا، ونحن نسكن على بُعد أكثر من ثلاثين ميلًا أحدنا عن الآخر، فذُهلت حين سمعت دون يجيب: «نعم يا سيدي! أخوان في الرب!»
كانت تلك أول مرة أسمع فيها أحدًا يجاهر بإيمانه بجرأة، وقد أحرجني ذلك إحراجًا شديدًا.
وهنا ملاحظة جانبية طريفة: بعد ذلك بسنوات كثيرة، كنت أزور كنيسة في كارديف ممثّلًا لسفينة أناستاسيس. وهناك كان أحد شيوخ تلك الكنيسة يعلم أنني تعلّمت في مدرسة كاوبريدج الثانوية، فسألني إن كنت أعرف سيد هاريس، معلّم اللاتينية. فاكتشفت حينها أن سيد قد توفّي مؤخرًا، بعد أن خدم شيخًا أمينًا في تلك الكنيسة سنوات طويلة. وأتساءل: هل كان لشهادة دون في ذلك اليوم أثر في سيد، فصار لاحقًا مؤمنًا؟
اكتمل الفصل 3
بداية الرحلة