أحجار العبور
الأكاديمية العبرية بتورونتو

فصل 15 · قراءة 6 د

الأكاديمية العبرية بتورونتو

كانت السنتان اللتان قضيتهما في الأكاديمية العبرية ممتعتين جدًا، لأن الطلاب هناك كانوا شديدي الحماسة ويجتهدون في دراستهم. وإلى جانب عملي في القسم، درّبتُ أيضًا فريق كرة القدم في المدرسة، فحقق أول موسم ناجح له في الدوري المحلي. ولأول مرة في مسيرتي في التعليم كنت أتقاضى راتبًا جيدًا (ولعله الأفضل في تورونتو كلها، إذ كانت الأكاديمية العبرية ملتزمة بأن تدفع لمعلميها «على الأقل» ما تدفعه المدارس الحكومية). وكانت بناتنا يتحدثن عن البيت الجديد الذي سنشتريه، وفيه مسبح بالطبع! لم يكن هناك إلا أمر واحد ليس على ما يرام! ففي كل المدارس الأخرى التي عملت فيها كنت حرًّا في أن أبادر إلى الحديث مع طلابي عن إيماني. وفي كل واحدة منها استطعت أن أبدأ اتحادًا مسيحيًا أو اجتماعات مشابهة للطلاب، يأتي إليها متحدثون معروفون، أو أقود أنا النقاش فيها. وبالطبع لم يكن هذا واردًا في الأكاديمية العبرية.

لذلك توجّهت إلى مشرف المنطقة على الكنيسة التي كانت عائلتي ترتادها، أطلب فرصة للوعظ بصفتي خادمًا علمانيًا. فقال لي إنه ليس من المألوف في كندا أن يعظ العلمانيون، لكنه بعد أن سمع عن خبرتي في الوعظ في ويلز سألني: لماذا لا أفكر في الانخراط في الخدمة؟

قلت له إنني لا أتمنى شيئًا أكثر من أن أكون راعيًا، لكنني لا أقدر على تحمّل ثلاث سنوات من الدراسة في كلية اللاهوت؛ ثم إنني سأحتاج حقًا إلى دعوة واضحة من الرب قبل أن أترك التدريس لأصبح راعيًا متفرغًا. (أرى أن في الخدمة رجالًا كثيرين جدًا لا يظهر عليهم أي دليل على مسحة من الله؛ رجال صالحون، لكنهم غير مدعوين ليكونوا رعاة.) فكان جوابه أنه لن يطلب مني الالتحاق بكلية لاهوت، لأنه يعرف عملي شيخًا في الكنيسة المحلية. أما «الدعوة» فقال إنه سيلتمس بشأنها «شهادة الإخوة».

وبعد بضعة أسابيع استقال راعينا من منصبه ليتفرغ لخدمة ترنيم متنقلة، وبما أنني كنت الشيخ الوحيد صاحب الخبرة في الوعظ، دُعيت لألقي كلمة في حفل «وداعه». وبعد الخدمة جاءني رجلان من الجماعة، كلاهما راعٍ سابق (دون أن يعلما بلقائي بمشرف المنطقة)، وقالا لي: «لا ينبغي أن تكون في التدريس، بل في الخدمة!»

أتكون هذه «شهادة الإخوة»؟ لقد فتح ذلك اتجاهًا جديدًا تمامًا في حياتي. وكانت النتيجة أنني بعد سنتين من التدريس في الأكاديمية العبرية بتورونتو قدّمت إشعارًا بترك المدرسة، إذ كنت سأصبح راعيًا في التحالف المسيحي والإرسالي، لكن تلك قصة أخرى.

كانت قد بقيت أربعة أسابيع على نهاية فصل الربيع لطلاب الصف 13، الذين كانوا سيقضون فصلهم الدراسي الأخير في كيبوتس في إسرائيل. وكنت في غرفة المعلمين حين جاءني آري بارتشي.

كان آري خريجًا من جامعة القدس، وقد جاء إلى تورونتو ليدرّس الدراسات العبرية، ومنها بعض الدروس في مقارنة الأديان.

قال: «غاريث، أنا على وشك أن أعطي درسًا عن المسيحية، وخطر لي أنه من الحماقة أن أفعل ذلك وأنت تعرف عن المسيحية أكثر مني بكثير! هل تقبل أن تحضر الدرس معي؟»

وبطبيعة الحال قلت إنني سأكون مسرورًا جدًا، وهكذا ذهبت معه في صباح اليوم التالي إلى حصة «أديان» للصف 13. لم يُبدِ الطلاب الـ25، الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عامًا، اهتمامًا يُذكر حين دخلنا. فهم في النهاية يعرفون من أكون، إذ كانوا يرونني كل يوم في مختبر الفيزياء. تكلّم آري بالعبرية ثم قال: «سيلقي عليكم السيد إيفانز الآن محاضرة عن المسيحية!»

ابتلعت ريقي! كنت أظن أنني سأكون هناك مجرد مرجع يجيب عن أي أسئلة، ولم أكن أتوقع أن ألقي الدرس بنفسي.

«ربما عليّ أن أخبركم بما ليست عليه المسيحية». هكذا بدأت، وأنا أحاول يائسًا أن أجد ما أقوله. «ليست المسيحية أيرلندا الشمالية بحربها الطائفية، ولا الحروب الصليبية بما سُفك فيها من دماء، ولا هي سياسات جزء كبير من العالم الغربي. بل هي الإقرار بأن يسوع هو مسيّا الله، الذي جاء ليرفع خطايا البشر. دعوني أخبركم كيف صرت مسيحيًا، ثم أخبركم كيف صرت يهوديًا!» فاستيقظ الجميع! «ثم أجيب عن أي أسئلة».

قدّمت شهادتي باختصار (كما كتبتها في الفصل الثاني)، ثم شرحت لهم كيف جعلتني ولدًا لله: فبالإيمان، كما أن إيمان إبراهيم جعله بارًّا أمام الله (تكوين 15) و«أَبًا لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ»، صرت الآن أعبد إله اليهود، بعد أن «تبنّاني» في عائلته. تكلمت نحو عشر دقائق ثم سألت: «هل من أسئلة؟»

فارتفعت كل الأيدي في الغرفة. أذكر أنني بدأت بفتى في الزاوية الخلفية اليمنى من الغرفة. سأل كيف يمكن أن يكون يسوع هو المسيّا، والجميع يعرفون أن المسيّا سيأتي بالسلام على الأرض، في حين لم يعقب مجيء يسوع إلا الحروب. فأجبته بأن لفتُّ نظره إلى نبوات العهد القديم عن مسيّا متألم، إلى جانب المسيّا المنتصر. فالحروب نتيجة رفض الإنسان أن يقبل فاعلية الذبيحة التي قدّمها على الجلجثة؛ لكنه سيعود، ملكًا هذه المرة، ليقيم سلامه: «وَعَلَى ٱلْأَرْضِ ٱلسَّلَامُ».

وتوالت أسئلة كثيرة، والطلاب يلوّحون بأيديهم ويصيحون ليُسمَع سؤالهم.

«أرجوك يا أستاذ! أرجوك يا أستاذ! أنا التالي يا أستاذ!»

سألت إحدى الفتيات: «هل تؤمن بأن المسيّا سيأتي ونحن على قيد الحياة؟» فأجبت بالإيجاب، وأضفت أنني أرجو أن نكون معًا حين يأتي. وحين سألتني: «لماذا؟» أجبت: «لأنني عندئذ سأتمكن من أن أريكِ أثر المسامير في يديه ورجليه!»

استمر الدرس على هذا النحو 40 دقيقة، إلى أن رنّ جرس المدرسة معلنًا أن وقت الانتقال إلى الحصة التالية قد حان؛ لكن هؤلاء الطلاب لم يكونوا مستعدين لأن يدعوني أذهب، إذ كانت لديهم أسئلة كثيرة لم تُطرح بعد وكانوا متلهفين لطرحها. وسرعان ما لاحظت أن وقتًا طويلًا قد مضى، وأنه لا جدوى من ذهابي إلى الحصة التالية. فالطلاب لا بد قد غادروا مختبر الفيزياء الآن وجلسوا للدراسة في المكتبة، وهذا هو الإجراء المعتاد إن لم يحضر المعلم في موعد الحصة. فواصلت الإجابة عن الأسئلة حتى انقضت حصة أخرى. وهذه المرة كان عليّ أن أغادر، ولكن بعد أن وعدتهم بأن آتي مرة أخرى إن رغب معلمهم في ذلك.

وبينما كنت أقود سيارتي عائدًا إلى البيت ذلك المساء، كنت في غاية الحماسة لهذا الامتياز، إذ استطعت أن أتحدث عن إيماني مع هؤلاء الشباب المميزين. لم أحلم قط بأن يكون هذا ممكنًا، ولم يسعني إلا أن أتعجب من طرق الله العجيبة. وصلّيت أن تأتي الكلمات التي قلتها ببعض الثمر في حياة أولئك الطلاب، واثقًا بأن الرب لا يزرع بذاره عبثًا أبدًا.

وفي صباح اليوم التالي كانت تنتظرني رسالة في صندوق بريدي في المدرسة، جاء فيها: «سيد إيفانز، أرجو أن تأتي لمقابلتي في مكتبي في الساعة 10:00 من صباح اليوم. - الحاخام س.» فانقبض قلبي. من الواضح أن كبير الحاخامات قد سمع بالوقت الذي قضيته مع طلاب الصف 13، وأنني على وشك أن أُوبَّخ. بل ربما يُطلب مني أن أترك المدرسة!

شعرت بأنني مكشوف تمامًا، لكنني عزّيت نفسي بتذكّر أنني نبّهتهم في مقابلة التوظيف إلى أن هذا قد يحدث. وحين اقتربت من المكتب ذي الجدران الزجاجية، رأيت آري بارتشي جالسًا في الداخل يتحدث مع الحاخام.

قال الحاخام س.: «آه، غاريث، تفضّل بالدخول! كنت أنا وآري نتناقش في الدرس الذي قدّمته لطلاب الصف 13 أمس». ثم تابع: «كما تعلم، أُسّست هذه المدرسة لتقدّم لأبنائنا اليهود تعليمًا ممتازًا، ومن أهم جوانب ذلك أن نغرس فيهم محبة كل ما هو يهودي، ولذلك نعلّمهم تاريخنا وشعرنا وثقافتنا وديننا. لقد درّست هنا عدة سنوات، ولا بد أن أعترف بأن من أكبر خيبات أملي أن قليلين جدًا منهم يبلغون إيمانًا حقيقيًا بالله؛ لكنني حين دخلت صفي هذا الصباح وجدتهم جميعًا يريدون أن يتحدثوا عن الإيمان وعن الله. غاريث، لم أرهم قط متحمسين هكذا! المشكلة الوحيدة أن ذلك كله في رؤوسهم لا في قلوبهم. وكنا نتساءل إن كان بإمكانك أن تساعدنا على إدخال هذا الإيمان إلى قلوبهم!»

قلت، ورأسي قد بدأ يدور: «الطريق الوحيد الذي أعرفه هو الإقرار بأن يسوع هو المسيّا».

قال الحاخام: «أفهم ذلك، لكنك تدرك أننا سنضطر إلى أن نتفق على أن نختلف، ولكن… كنا نتساءل إن كنت مستعدًا لأن تأتي إلى صفوف أخرى لتعلّم طلابنا.

إنهم مندهشون إذ وجدوا رجل علم هو في الوقت نفسه رجل إيمان، وخصوصًا رجلًا يعرف كتبهم المقدسة كما تعرفها أنت. أرجوك، هل تأتي؟»

فسارعت إلى إبداء استعدادي، ورُتّب أن أحضر حصة للصف 13 في اليوم التالي. أظن أنه كان بإمكاني أن أبدو «روحيًا» فأقول: «دعني أصلِّ بشأن هذا الأمر»، لكنني أظن أن الرب سامحني على تسرّعي!

اكتمل الفصل 15

الأكاديمية العبرية بتورونتو

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل