فصل 12 · قراءة 3 د
خطاب الأهلية
كان ذلك خلال سنتنا الأولى في تورونتو، حين بدأت أروع أحداث حياتنا تتضافر معًا، مع أنه اتضح أن الرب قد دبّر ذلك كله قبل سنوات طويلة، وأن له فيه قصدًا يمتد إلى ما بعد ذلك الوقت أيضًا.
سرعان ما أدركت أنه لا مستقبل يُذكر لي في المدرسة الفرنسية، إذ كانت فرص الحصول فيها على راتب يكفي للعيش ضئيلة. غير أنني، لكي أدرّس في النظام الكندي، كنت بحاجة إلى الاعتراف بمؤهلاتي البريطانية حتى أتمكن من التقدم للحصول على شهادة تدريس من «الفئة (ب)». وكان عليّ أولًا أن أحصل على خطاب أهلية، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
لم يبدُ أن أحدًا في المدرسة يعرف، لكنني تذكرت أنني قبل عشر سنوات، حين كنت أتقدم لوظيفة في كلية دانفورث التقنية، أرسلت نسخًا مصوّرة من شهادتي الجامعية وشهادات التدريس إلى مكتب في شارع بلور بتورونتو.
سألت زملائي: «هل يعرف أحدكم مكتبًا للتعليم في شارع بلور؟»
فاقترح أحدهم: «حسنًا، قسم التربية التابع للجامعة موجود هناك».
وهكذا، في نهاية دوام بعد الظهر، قدت سيارتي إلى وسط المدينة، إلى شارع بلور، ووجدت مكانًا لركن السيارة لوقت قصير، ودخلت المبنى الذي يضم قسم التربية في الجامعة.
كان الطابق الأرضي خاليًا ومظلمًا، إلا من غرفة واحدة في آخر ممر طويل. وكان شاب واقفًا عند بابها يتحدث إلى رجل أكبر سنًا كان ينهض من كرسيه حين بلغتُ المدخل. وسرعان ما أدركت أن المكتب يخص الشاب، وأن الرجل المسن زائر مُكرَّم.
وحين شرحت سبب مجيئي، أخبرني الشاب أنه كان ينبغي أن أذهب إلى مبنى مووات في شارع باي، على بُعد عدة شوارع من هناك. فشكرته وكنت على وشك الانصراف حين استوقفني الرجل المسن بسؤال:
«لماذا أتيت إلى هنا؟»
فشرحت له أنني قبل عشر سنوات، حين كنت أتقدم لوظيفة أخرى، احتجت إلى إرسال مؤهلاتي إلى مكتب في شارع بلور، وظننت أنه قد يكون هذا المكتب.
فقال: «ربما كتبتَ إلى مكتبي»، ثم أخذ ذراعي في ذراعه، وبدأ يقودني عائدًا عبر الممر المظلم نحو المدخل.
كنت أريد أن أنصرف لأذهب إلى مبنى مووات، لكنني لم أستطع أن أفلت منه، فقد بدا واهنًا إلى حدّ أنه قد يسقط لو لم أسنده! فقادني إلى خارج المبنى، وعبر الشارع المزدحم ذي المسارات الأربعة، ثم صعد بي عدة درجات إلى المبنى المقابل. وتساءلت من يكون هذا الرجل، إذ أدّى لنا البوّاب التحية، وحيّانا كل من صادفناه قبل أن ندخل «قدس الأقداس» في ذلك المبنى.
وقال مشيرًا إلى كرسي وثير أمام المكتب: «تفضّل بالجلوس هنا، ريثما أذهب وأبحث عن رسالتك!»
غاب أقل من دقيقة، ثم عاد ظافرًا ومعه رسالتي الأصلية مثبّتة بدبوس إلى نسخة من ردّه عليها. لقد عُقد لساني من الدهشة! كنت في المبنى الخطأ، وقِيدت إلى المكتب الخطأ، لكي أحضر «الموعد الإلهي» الذي رتّبه الله قبل عشر سنوات.
ثم أعاد عليّ الإرشادات نفسها التي كان الشاب قد أعطانيها، وهو يكتب على مفكرة في أثناء حديثه.
وقال وهو يناولني الورقة: «اطلب دون أندرسون حين تصل إلى هناك، وأعطه هذه».
فشكرته وغادرت الغرفة، مدركًا أن الوقت يمضي وأن المكاتب ستُغلق قريبًا. وبينما كنت أسرع إلى سيارتي - التي كانت قد تجاوزت مدة الوقوف المسموح بها - حاولت أن أقرأ ما كتبه إلى دون أندرسون.
وكان نصها: «عزيزي دون، أرجو أن تعتني بالسيد إيفانز من أجلي. يبدو أنه مؤهل للحصول على شهادة المعلمين الاختصاصيين من الفئة (أ)».
وكانت الورقة تحمل في ترويستها: «البروفيسور كارلايل، كبير مسؤولي التعليم، وزارة التربية والتعليم، تورونتو». إنه مدير التعليم نفسه الذي ألغى تعييني قبل ثماني سنوات!
تخيّلوا! لقد وصلت إلى المبنى «الخطأ» في الوقت المثالي تمامًا لألتقي بالرجل الوحيد القادر على أن يصنع لي شيئًا مميزًا - في مدينة يزيد عدد سكانها على أربعة ملايين نسمة!
ولم تكن مفاجآت ذلك اليوم قد انتهت بعد. فقد وصلت إلى مجمّع مووات في شارع باي في اللحظة التي كانوا يغلقون فيها الأبواب. وصعدت مسرعًا إلى الطابق الذي تُعالَج فيه طلبات خطابات الأهلية، بحسب ما قاله البوّاب. وما إن دخلت حتى توقفت في مكاني وقد اعتراني الإحباط: كانت هناك منضدة طولها نحو 50 قدمًا، والناس مصطفّون أمامها في ثلاثة صفوف. وبدأت أظن أنني لن أغادر المكان قبل منتصف الليل، حين اصطدم بي فجأة رجل خارج من دورة مياه على يميني. فاعتذر ثم أضاف: «هل أستطيع أن أخدمك بشيء؟»
فأخبرته أنني أريد مقابلة السيد دون أندرسون.
فأجاب: «أنا دون أندرسون».
فأعطيته الورقة، فاصطحبني إلى مكتبه الخاص. وعرّفني إلى سكرتيرته، وكانت فتاة ويلزية، وأوصاها بأن «تعتني بالسيد إيفانز».
وعدت إلى البيت في الوقت المناسب لعشاء مبكر، وأنا أبتهج بالطرق العجيبة التي قادني الله فيها ذلك اليوم.
اكتمل الفصل 12
خطاب الأهلية