فصل 11 · قراءة 4 د
يهوه يرأه - الرب يدبّر
لم يكن استقبالنا في كندا مبشّرًا. فأولًا اضطرت طائرتنا إلى العودة أدراجها فوق أيسلندا بسبب الاشتباه في عطل بالمحرك، ثم بعد انتظار أربع ساعات في صالة المغادرة في مطار هيثرو، أقلعنا من جديد عند منتصف الليل على متن الطائرة نفسها، ولكن بطاقم مختلف!
وتسبّب تأخيرنا في وصولنا إلى تورونتو في الساعة 1:00 بعد منتصف الليل بالتوقيت المحلي، وسرعان ما اتضح أن بعض موظفي الجمارك كانوا مستائين من إرغامهم على العمل في ساعة مريعة كهذه. كانت تجربتنا مزعجة إلى حد أننا بدأنا نتمنى لو بقينا في بيتنا في ويلز، لكننا حين اجتزنا الإجراءات أخيرًا، رحّب بنا موظف الهجرة وأكّد لنا أن «ليس كل الكنديين مثلها».
أخذنا نتلفت بحثًا عن وجه يرحب بنا، إذ كنا قد أرسلنا قبل أسبوع برقية إلى هيزل ويتش، والدة شارون، نخبرها فيها بتفاصيل رحلتنا، لكن لم يكن هناك وجه كهذا، وسرعان ما وجدنا أنفسنا وحدنا في صالة وصول مهجورة. كنا جميعًا متعبين جدًّا، فاستطاع الأطفال أن يناموا على مقاعد الصالة، أما أنا وآن فبقينا مستيقظين نحرس الأمتعة وننتظر هيزل. وفي الساعة 6:30 صباحًا قررت أن أتصل بها هاتفيًّا، فاكتشفت أنها لم تتسلم برقيتنا قط، وأنها كانت على وشك الخروج إلى عملها.
قالت: «خذوا سيارة أجرة»، وأعطتني العنوان الذي ينبغي أن يوصلنا إليه السائق. وهكذا، بعد 30 ساعة من مغادرتنا هيثرو أول مرة، كنا مندسّين في أسرّة دافئة مريحة، نغطّ في نوم عميق.
كان شهرنا الأول في تورونتو مثيرًا جدًّا. استكشفنا مراكز التسوق، وحضرنا في كنيسة الشعب لنسمع الدكتور أوزوالد سميث ونيكي كروز، مؤلف كتاب «الصليب والخنجر»، واستمتعنا بالاستماع إلى الدكتور جون ويسلي وايت وهو يعظ في كنيسة محلية تابعة للكنيسة المتحدة في كندا، واشترينا بيتًا!
كان بيتًا صغيرًا كئيبًا من طابق واحد في إحدى ضواحي تورونتو، ظل خاليًا مدة سنتين. وكان نظام ألوانه بسيطًا: بنيّ وأخضر داكن. وفي اليوم الأول بدأت قائمة الترميمات الطويلة بأن دققت بالمطرقة نتوءًا كبيرًا في وسط أرضية غرفة الجلوس، واضطررت إلى استعمال مسمار ضخم طوله أربع بوصات لأبقيه منخفضًا، ثم طليت بعض أطر النوافذ باللون الأبيض. وبعد يوم طويل من العمل في تلك المهام، ذهبت لأستحم حمّامًا منعشًا، لكنني حين أدرت صنبور الماء أُخذت على حين غرة، إذ سقطت عدة بلاطات من جدران الدُّش في حوض الاستحمام. لقد كانت مثبّتة بشريط سكوتش اللاصق!
لعلك تتساءل لماذا اشترينا بيتًا كهذا، وصدّقني، كان البيت الوحيد الذي نقدر على ثمنه، إذ كانت الأسعار في تورونتو أغلى بنحو ثلاثة أضعاف مما هي في ويلز، وكان الإيجار كفيلًا بأن يستنزف مدخراتنا المحدودة سريعًا. والآن اكتشفنا كم كان راتبي ضئيلًا مقارنة بتكاليف المعيشة في كندا.
كانت سنتنا الأولى صراعًا ماليًّا كبيرًا، لكننا وجدنا أن الرب يستحق عن جدارة اسم «يَهْوَهْ يِرْأَهْ»، الرب الذي يدبّر لنا (تكوين 22:14).
ثلاث مرات في ذلك العام الدراسي نفد منا كل مال وكل مؤونة في منتصف الشهر. لم نخبر أحدًا، لكننا كنا ندهش دائمًا من الطريقة التي سدّ بها الرب احتياجاتنا.
ففي إحدى المرات، أعطتنا سيدة من كنيستنا هدية صغيرة مع أنها لم تكن تعرف شيئًا عن حاجتنا. وقالت: «أرجو ألّا تنزعجوا، لكن الرب قال لي أن أعطيكم هذا». وفي مرة أخرى، قدّم لنا بعض أولياء أمور طلابي مبلغًا من المال هدية. غير أن أروع تدبير جاء في بداية سنتنا. كانت الأمور ضيقة حين وصلتنا باليد رسالة من وزارة الهجرة تدعوني إلى زيارة مكتبهم. قلقت. هل في أوراقنا خطأ ما؟ هل سيُعيدوننا إلى بلادنا؟ وفي المكتب سُلِّم إليّ مظروف، في داخله رسالة ترحّب بنا في كندا وشيك بمبلغ 1,000 دولار. وتبيّن أن هذا كان هدية من الحكومة الكندية لكل من يشتري بيته الأول في كندا. وتلاه شيكان آخران بمبلغ 250 دولارًا لكل منهما.
ولم يُكتشف إلا بعد سنة أن خطأ قد وقع، وأننا لم نكن مستحقين لهذه المنحة لأننا كنا نملك بيوتًا في ويلز. أرادت الحكومة استرداد أموالها، لكن بما أن الخطأ كان خطأها، فقد وافقوا على أن نردّها على مدى ثلاث سنوات بلا فوائد. فمن غيرنا يستطيع أن يفتخر بأنه تلقى مبلغًا كهذا من الحكومة بلا فوائد؟ من الواضح أن يهوه يرأه يتحكم حتى في الدوائر المالية للحكومات!
وفي أشهر الصيف لم أتقاضَ أي راتب، لكن كان علينا وعد نفي به. كان جون وآيلين ويبي صديقين عزيزين لنا في ألمانيا، حيث كان هو يخدم في القوات الكندية. وكانا الآن يعملان في شمال مانيتوبا مع جيش الكنيسة، ولما سمعا بوصولنا إلى كندا، ألحّا علينا أن نأتي لزيارتهما. كنا قد وافقنا في البداية، لكن بالنظر إلى دخلنا المحدود، اضطرت آن مرتين إلى أن تكتب إليهما تخبرهما بأننا سنضطر إلى تأجيل مجيئنا. وفي كل مرة كانت توشك فيها أن ترسل الرسالة، كانت تصلنا رسالة من آيلين تخبرنا كم يتوقان إلى رؤيتنا من جديد، فتمنعنا بذلك من إرسال رسائلنا إليهما.
وهكذا، في يوليو، أخذت آن البنات في رحلة طويلة إلى دوفين في مانيتوبا، بينما بقيت أنا في تورونتو أدرس لنيل شهادة معلم متخصص، لكن تلك قصة أخرى.
كانت الزيارة رائعة، أما رحلتا الذهاب والإياب فأحداث تفضّل آن أن تنساها. والمدهش في هذه القصة أن آن حين راجعت حساباتنا وجدت أن رصيدنا في آخر الشهر كان بالضبط ما كان سيكون عليه لو لم نقم بتلك الرحلة أصلًا!
مرة أخرى، لا بد أن الرب هو الذي دبّر.
اكتمل الفصل 11
يهوه يرأه - الرب يدبّر