حلّق كالنسر
الرؤية

فصل 5 · قراءة 12 د · استماع 16 د

الرؤية

إن أردنا أن نبلغ مصير حياتنا في المسيح، فلا بد أن تكون لنا رؤية تنظر إلى ما وراء ظروفنا. فطريقة نظرتنا ستؤثّر في الطريقة التي نعيش بها، سواء أكانت نظرتنا إلى أنفسنا (النظرة إلى الداخل)، أم نظرتنا إلى العالم (النظرة إلى الخارج)، أم نظرتنا إلى الرب (النظرة إلى فوق).

النظرة إلى الداخل

قيل: «أنت ما تظن أنك هو». وهذا بالطبع ليس صحيحًا عند الذين يتوهّمون بسبب المرض.

لعلك سمعت قصة نزيلَي مستشفى الأمراض العقلية.

قال أحدهما: «مرحبا، من أنت؟»

فأجاب صاحبه: «أنا نابليون».

«لا، لست كذلك.»

«بلى، أنا هو.»

«لا، لست كذلك!»

«بلى، أنا هو!»

«من قال لك ذلك؟»

«الله قال لي!»

«لا، لم أقل لك!!!»

ومن المحزن أن في الكنيسة المسيحية كثيرين عميانًا عن هويتهم كأولئك النزيلين البائسين. غير أن ما يجب أن نعالجه ليس أوهام العظمة أو الكبرياء فحسب، بل أيضًا المشاعر المعاكسة لها، أي تدنّي تقدير الذات. فالقول المذكور أعلاه صحيح بالتأكيد في هذا الجانب السلبي. فحين نفكّر أفكارًا تحطّ من قدر أنفسنا، نعيش في الوادي نفسه الذي تعيش فيه تلك الأفكار الدنيّة. نشير إلى الرجل الذي يظن في نفسه ظنونًا عالية ونسمّيه «متكبّرًا»، وهو من سيضعه الله بلا شك.

لكننا نسارع إلى الدفاع عن أنفسنا إن اتُّهمنا بأننا نحطّ من قدر أنفسنا أكثر مما ينبغي، مضيفين (بشيء من الكبرياء؟) أننا مدعوّون إلى أن نكون «متواضعين». وكل ما يكشفه هذا هو جهلنا بماهية التواضع. فالتواضع ليس عكس الكبرياء، فذلك تواضع زائف، وهو مرض لا يقلّ سوءًا عن نقيضه.

نحن مدعوّون إلى أن نكون «متواضعين كالأولاد الصغار» إن أردنا أن نكون عظماء في ملكوت السماوات. قد يلعب الأولاد ألعابًا ويرتدون الأزياء والأقنعة، لكن حين يحين وقت النوم، يخلعون أدوات اللعب ويزحفون تحت الأغطية، ضعفاء متعبين من جديد، محتاجين إلى حضن أب وإلى أمّ تدثّرهم. فيعودون إلى أن يكونوا «أنفسهم فقط».

إنما الكبار وحدهم يبقون الأزياء والأقنعة عليهم، لأننا لا نريد أن يرانا الآخرون كما نعرف أنفسنا. والكتاب المقدس يسمّي ذلك رياءً (وفي اليونانية: تمثيل دور شخصية أخرى).

تأمّل في هذا: إن أكثر عبارة تواضعًا في الكتاب المقدس جاءت من الله نفسه! فحين سأله موسى: «من أقول إنه أرسلني حين أكلم بني إسرائيل؟» أجاب الأزلي: «أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ! … هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ!»

التواضع هو أن تعرف مَن أنت حقًا، وأن تكونه. لا أكثر، ولا أقل.

إذن، مَن أنت؟

إن كنت مؤمنًا مسيحيًا، مولودًا ثانية من روح الله، فإن الكتاب المقدس يقول عنك أمورًا عجيبة كثيرة. اقرأ العهد الجديد باحثًا عن الأمور المجيدة الكثيرة التي يقال إنها الغنى المشترك لجميع المؤمنين. بعض هذا الغنى يتوقّف على عمل من جهتنا، لكن معظمه لا علاقة له تُذكر بقدرتنا أو نضجنا، بل يتعلّق كله بما ربحه يسوع لنا على الصليب، وهو ما يُسرّ الآب أن يمنحنا إياه لمجرّد أنه يحب الابن.

وأنا أومن بأن كل مؤمن جديد ينبغي أن يتعلّم الأصحاح الأول من الرسالة إلى أفسس في وقت مبكر من حياته الجديدة، حتى يعرف مكانته «في المسيح».

لقد اختارنا فيه، وتبنّانا في عائلة الله، ونحن مقبولون لأن الآب يحبه. وقد «وَأَجْلَسَنَا … فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ» فيه، فوق كل رياسة وسلطان (من قوى الشر). كفّ عن تصديق أكاذيب الشيطان عنك، وابدأ في تصديق ما يقوله الله عنك!

كنت خاطئًا، لكن الكتاب المقدس يقول لي إنني الآن قدّيس!

كنت عبدًا للخطية، لكنني الآن ابن لله!

خطاياي مغفورة، وأستطيع أن أدعوه «أبي!» كنت أسلك في الظلمة، أما الآن فأسلك في النور!

كنت ميتًا، أما الآن فأنا حيّ!

كنت ضالًّا، أما الآن فقد وُجدت، وصار لي انتماء!

أنا خليقة جديدة (في الروح)، الأشياء العتيقة قد مضت، والكل قد صار جديدًا.

— لا بسبب شيء فيّ، بل لأنني فيه.

نادِ بها على السطوح! ارفعوا رؤوسكم ورنّموا! نحن أولاد الملك، هللويا! فهذه الحياة ليست إلا معسكر تدريب قصيرًا يعدّنا لنملك مع ملكنا، ونستطيع أن نغلب لأنه يحيا فينا، المسيح فينا، ضمان مجدنا.

سيشتكي عليك الشيطان، جالبًا مشاعر الذنب والدينونة، لكن الحق يعلن أن «لا شيء يقدر أن يفصلك عن محبة الله التي في المسيح يسوع». فمن ستصدّق: الشيطان، أبا الكذاب، أم الروح القدس، كاتب كلمة الله؟

قد تثقل عليك الظروف، لكنك تستطيع أن تكون «أعظم من منتصر بالمسيح الذي يقويك». فهل تصدّق هذا، أم تفضّل أن تصدّق عدوك، الشيطان؟

من أعظم المآسي في الكنيسة المسيحية عدد المؤمنين الذين لا يعرفون مَن هم (في المسيح)، ويقضون وقتًا طويلًا في محاولة تبرير أنفسهم أمام الله والآخرين. ويكون هذا أشدّ إيلامًا حين نراه بين قادة غير آمنين في مواقعهم (غالبًا لأن الله لم يدعُهم إليها)، فيحتاجون إلى ممارسة سياسات الكنيسة ليتمسّكوا بمكانتهم. ومثل هؤلاء يصعب عليهم جدًّا أن يكونوا الخدّام الذين دعانا السيد جميعًا إلى أن نكونهم. بل يتشبّثون بـ«سلطتهم»، وكثيرًا ما يجرحون مؤمنين آخرين في أثناء ذلك. وهناك آية في الكتاب المقدس طالما بدت لي بالغة الأهمية، ومع ذلك فحين اقتبستها وسألت سامعيّ أين توجد في الكتاب، لم يستطع أحد منهم أن يجيبني. وهي هذه:

«يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ خَرَجَ، وَإِلَى ٱللهِ يَمْضِي…»

(بعبارة أخرى: «يسوع وهو يعرف من هو، ومن أين أتى، وماذا يعمل، وإلى أين يمضي…»)

هل تعرف ما يأتي بعد ذلك؟ (ألا تكره أن يضعك أحد في موقف محرج كهذا؟؟) ابحث عنه بنفسك في إنجيل يوحنا، الأصحاح 13! لقد كان آمنًا في نفسه وفي دعوته.

ونحن نحتاج أن نكون آمنين بالطريقة نفسها إن أردنا أن نكون كل ما يريده الرب لنا، طائرين كالنسر. فمن السهل أن تخدم الآخرين حين تعرف مَن أنت وأين أنت.

النظرة إلى الخارج

ماذا ترى حين تنظر إلى المجتمع البشري؟ ما هي نظرتك إلى العالم؟ حين يبدو كل ما حولك في فوضى، فلماذا تتفاجأ؟ يجب أن تدرك أن هذا هو طريق العالم. إنه خليقة قديمة متعبة، تئن وتتمخض، تحت قيادة عميان، منتظرة اليوم الذي يعود فيه خالقها، آتيًا معه بأبناء الله.

وفي أثناء ذلك سيتبع ديانة الإنسانية العلمانية، حيث الإنسان مركز كونه الخاص، والله منفيّ إلى محيطه. بل إن كثيرين في مجتمع ما بعد المسيحية الذي نعيش فيه الآن سينضمّون إلى اللاهوتيين الليبراليين في أوائل القرن العشرين، زاعمين أن الله قد مات! ومن دون الثوابت المطلقة للمساءلة أمام مَن هو خارج نفسه، يصير الإنسان حَكَم الأخلاق، أي ما هو صواب وما هو خطأ، فيترنّح المجتمع من أزمة إلى أزمة.

كنت في اسكتلندا أشارك في استضافة أمسية صلاة مع إيان وبيتر، وهما راعيان في كنيسة اسكتلندا. وكانت روح إيان كئيبة جدًّا طوال الأمسية، فسألته عن السبب. ففي ذلك اليوم صوّت مجمع الكنيسة الوطنية على رسامة رجال مثليين، وهو أمر كان إيان وبيتر كلاهما يؤمنان بأنه مخالف للكتاب المقدس. وقد سُمح لهما، مع كثيرين غيرهما، بتسجيل اعتراضهم في المحاضر الرسمية، لكن القرار أُقرّ.

ثم سألت بيتر لماذا لم يكن منكسر الروح مثله. فكان جوابه منيرًا. كان مَثَل كأس الماء نصف الممتلئة، أو نصف الفارغة. قال: «حين وصلت إلى هذه المدينة قبل عشرين سنة، كان يمكنك أن تجد ربما كنيستين أو ثلاثا من كنائسنا يُكرز فيها بالإنجيل بأمانة. أما اليوم فهي اثنتان وعشرون!» «هناك استقطاب يحدث. فحيث يكون ظلام أعظم، يكون أيضا نور أعظم.» لم يدع رؤيته للعالم تسلبه رؤيته للرب.

في هذه اللحظة أنا وأنت في العالم، لكننا لسنا من العالم. فلا تتوقّع منه أن يتّسع لك. وكما أنه لم يقبل الرب يسوع، فإنه لا يستطيع أن يقبلك. ومع ذلك فإن الرب لم يشأ أن يأخذنا من هذا العالم، لأنه يريدنا أن نكون شهوده في العالم. وهو يعلم أن ذلك سيكون صعبًا، لأن لنا عدوًّا نشيطًا، لكنه صلّى لأجلنا، ولا يزال يصلّي: «أَيُّهَا ٱلْآبُ … لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ ٱلْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ، لَيْسُوا مِنَ ٱلْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ ٱلْعَالَمِ» وبالطبع ينبغي أن يكون للمؤمنين دور في جوانب كثيرة من العالم: كملح يطيّب مذاقه الكريه ويقاوم شره، وكنور يكشف مرضه ويشير إلى طريق الحياة. وسيكون هناك من يطيرون كالنسر في خدمة أعطاها الله لهم داخل مؤسسات العالم وهيئاته.

غير أن همّنا الأول ليس هذا العالم، بل ملكوته بين شعوب هذا العالم.

لسنا مدعوّين إلى أن نقف في العالم شاهدين للمسيح، بل مدعوّون إلى أن نقف في المسيح شاهدين للعالم!

تكلّم يسوع عن خمسة أصناف من الناس يعتبرهم عظماء في ملكوته. إنهم الخدّام، والذين هم كالأولاد، والمستعدّون أن يكونوا الآخِرين أو الأصاغر، والذين هم كالأصغر. هل تأمّلت يومًا في معنى أن تكون «كَٱلْأَصْغَرِ»؟ في أيام يسوع كانت كل أملاك الأب تنتقل إلى الابن الأكبر. فله المزرعة وكل الماشية. أما الابن الأصغر فكان يستطيع أن يحمل كل ميراثه على كتفه، كما فعل الابن الضالّ حين ترك البيت. وحين تاب ورجع إلى بيت أبيه، حسب نفسه غير مستحق أن يكون ابنًا لأبيه، لكن الشيخ استقبله بعناق محبة، وحذاء جديد، وثوب، ووليمة.

فغضب الابن الأكبر لذلك، وسأل: «لماذا ذبحت العجل المسمن لهذا المبذر؟» فأوضح له الأب في جوابه أن كل العجول المسمّنة ملك للابن الأكبر. بل إن المزرعة كلها كانت له. كان يملك كل شيء! لكن الحقيقة أن المزرعة هي التي كانت تملكه! لم يكن يهتمّ بالتوبة والغفران؛ كان كل اهتمامه بما يملك. هذه مزرعتي! لا تلمسها!

(هل تسمع الأصداء؟ هذه خدمتي / كنيستي / برنامجي / جوقتي! هذه خرافي! لا تهزّوا القارب!) ولمن الكنيسة في نهاية المطاف؟

أن تكون «كَٱلْأَصْغَرِ» يعني ألّا نسمح لهذا العالم بأن يملكنا، لا مناصبه، ولا ممتلكاته، ولا شعبيته، ولا شهرته، ولا أهدافه. فنحن «لسنا من هذا العالم»، ولسنا «متعلّقين» به، لأننا سفراء لعالم آخر أسمى. ولا يعني هذا أنه يجب ألّا نمتلك أملاكًا أو ألّا نقبل الكرامات حين تُمنح لنا. بل ينبغي أن يبرز المسيحي فوق الجموع كمن يؤدّي عمله جيدًا ويستحق الكرامة، حتى بمقاييس العالم.

لكننا وإن امتلكنا العالم، فيجب ألّا يمتلكنا هو، ويجب أن نمسكه بيد خفيفة جدًّا، حتى إذا دعانا السيد إلى الرحيل لا يعوقنا تعلّقنا. فحين يدعونا إلى أن نطير كالنسر، لا نكون «مقيَّدين بالأرض» بالتعلّقات والالتزامات و«الحبال» التي نُسجت عبر سنين طويلة من المعاشرة للعالم وطرقه.

نحتاج أن نفهم أن هذه الحياة، في هذا العالم، ليست إلا معسكر التدريب الذي صمّمه الله ليكمّلنا للعالم الحقيقي، عالم الأبدية. إنه يبحث عن شعب يغلب في هذه الحياة لكي يملك معه في الحياة الآتية. لا نستغرب أن يحتمل الرجال ضغطًا شديدًا وإهانات شخصية حين يتدرّبون ليصيروا من مشاة البحرية، لكننا كثيرًا ما نبدأ في التذمّر حين يسمح سيدنا بالصعوبات وبأسد زائر يهاجمنا في أثناء تدريبنا. ونحن مستعدّون جدًّا لأن نساوم على إعدادنا بطلب صداقة العالم.

لكننا حين نكون ما دعانا الرب إلى أن نصيره، سنكون غالبين، حتى في هذا العالم، وسيُقام ملكوته على الأرض كما في السماء. سيبني كنيسته، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.

وبالمناسبة، فإن القطّ «المُوائي» لن يصطاد فريسته أبدًا؛ والأسد الزائر عاجز مثله تمامًا، إلا حين نعطيه قوة بأن نسمح لزئيره بأن يؤثّر في مشاعرنا ويشلّ أفعالنا.

إنه يستخدم الخوف والإحراج والغيرة والحسد والغضب وأمثالها من المشاعر السلبية ليسلبنا نصرتنا. ونحتاج أن نتعلّم كيف نتعرّف إلى خططه، وأن نعزم على ألّا ندع هذه المشاعر تعوقنا. لقد قضيت شهرًا ممتعًا جدًّا في نيبال، أدير عددًا من الحلقات الدراسية للمرسلين، وأسافر عبر معظم أنحاء البلاد.

وفي مدينة داران قُدّمت إلى رجل مسنّ كان راعيًا هناك سنين كثيرة في وقت كان فيه اضطهاد عظيم على الكنائس. وقد اعتُقل أكثر من خمس وعشرين مرة، وسُجن سبع مرات، أطولها ثماني سنوات. وكان فور إطلاقه من السجن يرجع إلى قريته ويبدأ في الكرازة بالإنجيل من جديد. فسألته: «ألم تكن تخاف أن تعتقل مرة أخرى؟» فكان جوابه: «ولماذا أخاف؟ لقد زأر الأسد بأعلى صوته!» كانت له الرؤية الصحيحة، نظر كامل في الأمور الروحية!

وجيم إليوت، أحد الشبان الخمسة الذين استشهدوا في أدغال الإكوادور سنة 1959، هو الذي كتب قبل موته بقليل: «ليس أحمق من يعطي ما لا يستطيع أن يحتفظ به، ليربح ما لا يستطيع أن يخسره!»

ومن الواضح أن هذا العالم لم يكن يملكه، لأنه كانت له رؤية أسمى بكثير من هذا العالم.

كان يسوع يعرف ما سيكون عليه مستقبل الإنسان على الأرض، ولذلك يقول لنا: «وَمَتَى ٱبْتَدَأَتْ هَذِهِ تَكُونُ … وَٱرْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لِأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ». فرؤيتنا يجب أن تتّجه إلى فوق.

النظرة إلى فوق

قد يزعم العالم في عماه أن «الله قد مات»، لكن مواطني الملكوت السماوي يعرفون حقيقة مختلفة. فالله لا يزال على العرش، يسوق كل الأشياء إلى ذروتها، لكي يجمع في ملء الأزمنة كل شيء في المسيح، ما في السماوات وما على الأرض. وسيتمّم مقاصده.

في ملوك الثاني 6 نقرأ عن ضيق اجتازه النبي أليشع بعد أن أخبر ملكه بالخطط التي كان الأراميون يعدّونها لغزو إسرائيل. فأرسل ملك أرام جيشًا عظيمًا ليقبض على النبي في مدينة دوثان. وعند شروق الشمس قام خادم النبي من فراشه وفتح النوافذ ليستقبل اليوم الجديد. فتخيّل دهشته ورعبه حين رأى المدينة محاطة بجيش أرام. لم تكن الظروف مبشّرة كثيرًا! كانت الصورة قاتمة. بدا العالم كله مصطفًّا ضدّ رجل الله.

فصرخ الخادم: «آهِ يَاسَيِّدِي! كَيْفَ نَعْمَلُ؟»

فقام أليشع من فراشه، ومشى على مهل إلى النافذة، ونظر إلى العدو، وصلّى. لا كلمات ضيق، ولا توسّل من أجل النجاة، ولا أسئلة يطرحها على الله. مجرّد صلاة بسيطة: «يَارَبُّ، ٱفْتَحْ عَيْنَيْهِ!»

ففتح الرب عيني الغلام، فأبصر وإذا الجبال المحيطة بالمدينة مملوءة خيلًا ومركبات نار من جيش الله. قد يرسل ملك أرام جيشه العظيم، لكنهم لن يكونوا ندًّا لرجل الله. فمع الله «يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا» دائمًا على كل ما يمكن أن يرمينا به العدو أو العالم. نحتاج أن ننظر إلى فوق لنرى أن التلال المحيطة بظروفنا مملوءة بجيوش الرب، تنتظر فقط أمره لتنطلق إلى الموقف.

واجه الملك داود أيامًا كثيرة بدا فيها كل شيء ضده. فقد حاول الملك شاول أن يقتله مرات عدة، وطارده بعد أن ترك القصر في أورشليم، حتى إنه عاش سنين حياة المنبوذ. غير أن من أحزن أيام حياته اليوم الذي أدرك فيه أن ابنه أبشالوم يحشد جيشًا ليخلع أباه عن عرش إسرائيل. ويسجّل داود تطوّر مشاعره في المزمور الثالث، من الصورة القاتمة في العدد 1 («يَارَبُّ، مَا أَكْثَرَ مُضَايِقِيَّ!») إلى الثقة في العدد 8 («لِلرَّبِّ ٱلْخَلَاصُ!»). ويجب أن نلاحظ العدد 3 لنرى كيف حدث هذا التحوّل في الموقف: «أَمَّا أَنْتَ يَارَبُّ فَتُرْسٌ لِي. مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي». وفي ما بعد كتب: «أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى ٱلْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي! مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ!»

مهما تكن ظروفك، ومهما اشتكى عليك العدو، ومهما أساء إليك العالم، ارفع عينيك وركّز على حقائق السماويات. فعريسك ينتظر، ومائدة الوليمة مُعدّة، وعن قريب سنسمع صوت البوق يدعونا إلى عشاء عرس الخروف.

ربك ممسك بزمام الأمور، وتستطيع أن تكون واثقًا أن «ٱلَّذِي ٱبْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلًا صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ».

ليس هذا تفكيرًا إيجابيًا، بل إعلان واضح لرجائنا (أي التوقّع المتلهّف لما هو أكيد). وإلى ذلك الحين يريدنا أن نطير كالنسر!

قد تكون لك نظرة صحية إلى نفسك، ونظرة واقعية إلى العالم، ورجاء متلهّف في الرب، لكن ما نظرتك إلى الكنيسة؟ هل هي ضعيفة عديمة الفاعلية، قليلة التأثير في عالمك؟ هل صارت مؤسسة بدلًا من أن تكون كائنًا حيًّا، جسد المسيح الحي؟ هل هي موجَّهة نحو البرامج بدلًا من أن تكون مهتمّة بالناس؟

من الامتيازات العظيمة التي أتمتّع بها أنني أسافر إلى بلدان كثيرة لأخدم الشباب وقادة الكنائس. وأريد أن أعلنها بصوت عالٍ وواضح أن كنيسة يسوع المسيح حيّة وبخير في أماكن كثيرة. فحيثما ذهبت ألتقي رجالًا ونساء يحقّقون أمورًا عظيمة لله، وإن كانت وسائل الإعلام العلمانية بالطبع لا تخبرنا بالكثير عن هؤلاء المؤمنين الذين يغيّرون عالمهم. وما يجمعهم هو عبء، ورؤية عظيمة لما يستطيع الله أن يعمله من خلالهم.

كانت للورين كانينغهام، وهو شاب، رؤية. رأى أمواجًا من الشباب يُطلَقون ويصلون كأمواج البحر إلى شواطئ العالم. وآمن بأن الله يستطيع أن يحرّك جموعًا ليخرجوا بيدَي الإنجيل الاثنتين: أن ينادوا بالبشارة السارّة، وأن يُظهروا طبيعة يسوع بأفعالهم.

واليوم صارت «شباب مع رسالة» معروفة في أنحاء العالم كله، ولها قوة إرسالية من نحو ثمانية آلاف عامل يخدمون في أكثر من خمسين بلدًا، وقد خدمت في كل بلد تعترف به الأمم المتحدة.

إذن، ما رؤيتك؟

أسئلة للتأمّل

ما «النظرات» الثلاث التي يقول إيفانز إنها تشكّل رؤيتنا؟

النظرة إلى الداخل، أي نظرتنا إلى أنفسنا؛ والنظرة إلى الخارج، أي نظرتنا إلى العالم؛ والنظرة إلى فوق، أي نظرتنا إلى الرب. ويختم بالسؤال عن نظرة رابعة أيضًا، هي نظرتنا إلى الكنيسة.

كيف يعرّف إيفانز التواضع الحقيقيّ؟

التواضع هو أن تعرف مَن أنت حقًّا، وأن تكونه، لا أكثر ولا أقلّ. ويقول إنه ليس عكس الكبرياء، فذلك تواضع زائف، وهو مرض لا يقلّ سوءًا عن الكبرياء، ويسمّي قول الله «أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ» أكثر عبارة تواضعًا في الكتاب المقدس.

ماذا يقصد إيفانز بأن نكون «كَٱلْأَصْغَرِ»؟

في أيام يسوع كانت المزرعة تنتقل إلى الابن الأكبر، وفي قصّة الابن الضالّ كانت المزرعة في الحقيقة هي التي تملك الأخ الأكبر. وأن نكون «كَٱلْأَصْغَرِ» يعني ألّا نسمح لهذا العالم، بمناصبه وممتلكاته وشعبيته وأهدافه، بأن يملكنا، بل أن نمسكه بيد خفيفة، حتى لا تبقينا تعلّقاتنا مقيَّدين بالأرض حين يدعونا السيّد إلى أن نطير.

ماذا قال الراعي النيباليّ في مدينة داران حين سُئل هل يخاف أن يُعتقل مرّة أخرى؟

كان قد اعتُقل أكثر من خمس وعشرين مرّة، وسُجن سبع مرّات، أطولها ثماني سنوات، ومع ذلك أجاب: «ولماذا أخاف؟ لقد زأر الأسد بأعلى صوته!» ويقول إيفانز إنه كانت له الرؤية الصحيحة، ونظر كامل في الأمور الروحية.

بماذا ينصح إيفانز القارئ حين تبدو الظروف طاغية؟

كما صلّى أليشع لأجل خادمه في دوثان قائلًا «يَارَبُّ، ٱفْتَحْ عَيْنَيْهِ!»، يحثّنا أن ننظر إلى فوق لنرى أنّ التلال المحيطة بظروفنا مملوءة بجيوش الرب. فمهما تكن الظروف، ومهما اشتكى علينا العدوّ، فلنرفع عيوننا ونركّز على حقائق السماويات، لأنّ الرب ممسك بزمام الأمور.

اكتمل الفصل 5

الرؤية

صفحة 1 / 1 · 12 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي