فصل 1 · قراءة 9 د · استماع 12 د
التحليق عاليًا
ما أروعها من صورة يقدّمها الله لنا على لسان النبي إشعياء، كما هو مدوَّن في الأصحاح 40، الآيات 28-31: «أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلَهُ ٱلدَّهْرِ ٱلرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ ٱلْأَرْضِ لَا يَكِلُّ وَلَا يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ. يُعْطِي ٱلْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ ٱلْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً. اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ، وَٱلْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو ٱلرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلَا يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلَا يُعْيُونَ».
[الكلمة المترجمة «مُنْتَظِرُو» في الآية الأخيرة يحسن أن تُترجم «الثابتون في» («الملتفّون حول»)، لأن هذا هو المعنى الأصلي للجذر العبري «قافاه». (انظر معجم سترونغ، رقم 6960)] ويكتب داود صاحب المزامير في مزمور 103:1-5: «بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ ٱسْمَهُ ٱلْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَلَا تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. ٱلَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. ٱلَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. ٱلَّذِي يَفْدِي مِنَ ٱلْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ. ٱلَّذِي يُكَلِّلُكِ بِٱلرَّحْمَةِ وَٱلرَّأْفَةِ. ٱلَّذِي يُشْبِعُ بِٱلْخَيْرِ عُمْرَكِ، فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ ٱلنَّسْرِ شَبَابُكِ».
لقد راقبت سربًا من الإوز الكندي يحلّق فوق رأسي في تشكيلة منتظمة، ورأيت سربًا من البجع يرتفع عن مياه بحيرة هائجة، وشاهدت جيشًا من النسور الآكلة للجيف ينقضّ على جثة متعفّنة، لكنني لم أرَ قطّ شيئًا يضاهي في روعته نسرًا بالغًا يحلّق في الأعالي، فوق سائر الطيور، سيّدًا على كل ما تقع عليه عيناه. فلا عجب أن اتخذه الرومان قديمًا والأمريكيون اليوم رمزًا لأمّتيهم العظيمتين.
ومن أروع أيام حياتي يوم قضيته في جزيرة ساتورنا، قبالة الساحل الغربي لكندا، حيث وقفت مع ثلاثة أصدقاء جاؤوا لزيارتي من ويلز على قمة تلّ عالٍ، بين ستة نسور أو سبعة كانت تنقضّ إلى الوادي تحتنا ثم تحلّق في السماء فوقنا، فتمرّ على بُعد أقدام قليلة من أيدينا الممدودة. بدت كأنها لا تبذل جهدًا يُذكر؛ فلم تكن ثمة أجنحة ترفرف بلهفة، بل كانت تمتطي تيارات الهواء الصاعدة على المنحدرات الشديدة نحو تلك المرتفعات.
إن رغبة الله أن يصير شعبه كل ما ينبغي أن يكونوه، كنسور تحلّق معه في السماويات. ومع ذلك فإن كثيرين منا لم يتعلّموا الطيران قطّ، بل رضوا بالبقاء في راحة أعشاشهم، يهضمون آخر وجبة منبرية قُدّمت لهم صباح الأحد.
وقد حاول بعضهم أن يرفرف بجناحيه، وأن يرتفع فوق المألوف، إذ رأوا مؤمنين آخرين أو سمعوا بهم وهم يحلّقون في الأعالي، متمتّعين ببركات ربّهم الغنية، مرتفعين على ريح الروح.
فقد «خطوا خطوة إيمان» أو جازفوا، وكثيرًا ما كانت النتيجة خيبة أمل وجرحًا وهم يهوون محطَّمين إلى الأرض.
إن كنائسنا ممتلئة بأناس هم أشبه بدجاجة الحظيرة منهم بالنسر المحلّق! يكتفون بالقوقأة وهم ينقرون حبوب البركات بين مائدة حافلة من برامج الكنيسة المصمَّمة لنفعهم. فلماذا يبدو الطيران كالنسر بهذه الصعوبة، إن كانت تلك مشيئة الله لنا ورغبة قلوبنا؟ لقد قال أحدهم ساخرًا: «من الصعب أن تطير كالنسر وأنت محاط بالديوك الرومية!» لكنني أرى أن هناك أسبابًا أعمق من ذلك.
بعض الأسباب التي تجعل كثيرين يعجزون عن الطيران
1. إنهم يولدون «مجروحين».
حين وُلدنا ثانية من روح الله، صارت أرواحنا حيّة لله، ونُقلنا من مملكة الظلمة إلى مملكة النور، ومن الموت إلى الحياة. لقد صرنا خليقة جديدة، و«ٱلْأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ … ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا». ويسمّي اللاهوتيون ذلك التبرير: خلاص الروح، وهو عمل ماضٍ للروح القدس به خلصنا من عقوبة الخطية.
غير أن أجسادنا لم تتغيّر فجأة، فهي لا تزال تموت يومًا بعد يوم، ولا تزال النتائج الجسدية للخطية تعمل فيها. فندوب الجراح القديمة باقية، وما زلنا نحتاج إلى النظارات لنقرأ، وما زال شعرنا يتساقط، ولا تمتلئ الفجوات بين أسناننا بمينا جديدة لامعة. فمن الواضح أن أجسادنا لم تصر «خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ»! لكن الحمد لله، فإنها ستُجعل جديدة يومًا ما، حين يلبس هذا الفاسد عدم فساد، ويلبس هذا المائت عدم موت.
ونسمّي ذلك التمجيد: خلاص الجسد، وهو عمل مستقبلي للروح القدس به سنخلص من حضور الخطية.
وكذلك لم تُشفَ نفوسنا في الحال من الجراح التي أصابتها؛ جراح كالرفض والهجر والإساءة اللفظية والجسدية، التي تقود إلى عقدة النقص وانعدام الأمان والخوف، وهي جراح كثيرًا ما تكمن عميقًا في العقل الباطن. فإن كنت ابن والدين مطلّقين، فأنت تحمل جراحًا. وإن كانت هناك علاقة جنسية خارج رباط الزواج، فأنت تحمل جراحًا. وإن عجز والداك عن أن يسكبا فيك الحب الذي يظهر في الشعور بالأمان واحترام الذات والسلامة العاطفية، فأنت تحمل جراحًا. والشيطان يعرف الجراح الكثيرة التي نحملها، ويسارع إلى إثارتها كلما حاولنا أن نعمل أمورًا عظيمة لله.
والخبر السار أن هناك شفاءً وكمالًا، حتى لهذه الجراح، في عمل الصليب الكفّاري. ونسمّي ذلك التقديس: خلاص النفس، وهو عمل حاضر مستمرّ للروح القدس به نخلص من سلطان الخطية. وما لم نعالج هذه الجراح، معالجة روحية، فسيبقى «طيراننا» محدودًا. (انظر كتابي الآخر «المفتاح في يدي».)
«وَإِلَهُ ٱلسَّلَامِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِٱلتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلَا لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ».
2. لقد اتخذنا قرارات مخالفة لمبادئ الله في الحياة.
كثير من هذه القرارات تبقى عواقبها مدى الحياة. فعلى سبيل المثال، تعلّمنا الوصية: «لَا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ»، ومع ذلك فإن مؤمنين كثيرين تزوّجوا بشركاء غير مؤمنين. ومع أن الرب ربما دعاهم إلى مصير عظيم في خدمته، فإن مسؤوليتهم الأولى الآن أن يكونوا شهودًا لشريك حياتهم غير المؤمن. وبالطبع قد يأتي الرب بالشريك غير المؤمن إليه، وإن لم يكن ذلك هو المعتاد، وعندئذ يستطيع الاثنان أن يتعلّما الطيران. ويستطيع الرب أن يستخدم هؤلاء الناس حتى لو بقي الشريك غير ملتزم، لكن «الطيران» يبقى محدودًا جدًّا، ولا يمكن الرجوع عن القرار.
غير أن قرارات أخرى يمكن الرجوع عنها، بل يجب ذلك، إن أراد المرء أن يطير كالنسر. فكثيرون يعيشون في الديون، على نقيض كلمة الله، دون أن يدركوا أنهم صاروا يخدمون المال، إلهًا غريبًا! وإني لأُصاب بالذهول حين أرى عددًا كبيرًا من القادة المسيحيين والكنائس يلزمون أنفسهم بأعباء ديون ثقيلة، تُدخلهم، حين يعجزون عن الوفاء بمطالب دائنيهم، في عبودية لم يقصدها الرب لهم قطّ. فالرب لا يستطيع أن يطلقهم إلى العظمة في خدمته ما داموا معرَّضين لمطالب دائنيهم.
وكثيرون يحملون في قلوبهم عدم غفران تجاه الآخرين، فيعطون إبليس مكانًا، وأكثر منهم من يحملون الإساءات والتحيّزات. وهذه كلها قرارات اتخذوها، وإن كانوا يفضّلون أن يلوموا غيرهم. فحين يسيء إليك أحد، فقد وعدك الرب بنعمة كافية لتحتمل تلك الإساءة وتغفر.
وحين يسيء إليك أحد بتصرّفاته أو شخصيته أو كلامه، فإنك تستطيع أن تختار ألّا تسمح لذلك القرد بأن يجلس على كتفيك!
فإن بقي، فالإساءة إساءتك أنت! أما التحيّزات فهي تلك المواقف السلبية التي نتخذها تجاه الآخرين، وتقوم في الغالب على الجهل. وتذكّر أنك لن تعرف أبدًا ما يشعر به إنسان آخر حتى تمشي أميالًا في حذائه!
ويستطيع الرب أن يستخدم كل هؤلاء الناس في الخدمة، لكن «الطيران» يبقى محدودًا.
«لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ».
3. لم ندرك قطّ أنه ينبغي لنا أن نطير!
لقد صرنا راضين تمام الرضا بالحياة المسيحية العادية، حتى إننا لم نتساءل قطّ إن كان هناك ما هو أكثر. نكتفي بأن نتغذّى كل أحد بعظة من على المنبر، تكمّلها بعض موسيقى «العبادة» اللطيفة من راديو السيارة، وكتاب مسلٍّ لآخر المشاهير المسيحيين. أليس هذا أمرًا غير طبيعي، بل دون الحياة الفضلى التي قصدها الرب لنا!
لقد بلّدت مسيحية ضعيفة مادية، منتشرة في كثير من العالم الغربي، إحساسنا، حتى صرنا لا نسمع عريسنا يقول: «قُومِي يَا حَبِيبَتِي … وَتَعَالَيْ». لقد صار صوته صوت غريب، ونسيت العروس رنّته العذبة. لقد أحبّت هذا العالم أكثر مما ينبغي، فأثقلتها همومه وأقذاره.
وإن سعى أحد إلى سماع صوت الرب والاقتراب منه، دُعي ساخرين «صوفيًّا» (كما دعاني ذات مرة راعٍ كبير!). لم نعد نبالي بسماع صوت الراعي، ولا نتوقّعه.
لقد صارت كثير من كنائسنا أماكن نذهب إليها لنشعر بالارتياح، لا أماكن نعبد فيها الله ونتعلّم مطالبه في حياتنا. فنحن لا نحبّ أن نسمع صوته خشية أن يأتي بالتبكيت. وكلما حدّثني أحد عن كنيسة «عظيمة» يحضرها، أحاول أن أعرف، دون استفزاز، ماذا يعني بكلمة «عظيمة». وكثيرًا ما يعني أن الأعداد في ارتفاع، ويسوع مرفوع، والأيدي مرفوعة في الهواء، والترانيم مرتفعة الإيقاع، والعظات لا ترتفع فوق خمس وعشرين دقيقة، في موضوع لا يتحدّى أحدًا! نريد أن نكون في كنيسة دائمة الصعود! ويلفتني أن إيفان روبرتس، أداة الله في نهضة ويلز العظيمة سنة 1904، تعلّم أن يطير كالنسر بأن صلّى: «يا رب، أحنني، أحنني أكثر!»
ويبدو لي فوق ذلك أن كثيرًا من كنائسنا «العظيمة» صارت كذلك بفضل «الكاريزما» لدى قائدها، لا «الكاريزماتا»، أي مواهب الروح القدس. فهذا القائد كان سينجح في بناء إمبراطورية تجارية بقدر ما نجح في بناء إمبراطوريته الكنسية الشخصية. لقد تعلّم كل أساليب عالم الأعمال في السيطرة على من يعملون تحت يده، ووضع «مخططا هيكليا» صارمًا للسلطة والمسؤولية. وعلى الطرف الآخر من الطيف، تبقى كنائس صغيرة كثيرة على صغرها بسبب انعدام الأمان لدى قائدها وتسلّطه.
لا تضغط عليّ كثيرًا! أنا سعيد بأن أستريح هنا في عشّي!
4. لقد قُصّت أجنحتنا حتى لا نطير عاليًا أكثر مما ينبغي!
كثير من قادتنا لم يدركوا مسؤوليتهم في تعليم شعبهم الطيران. بل إن كنائس ومنظمات مسيحية مساندة كثيرة تُدار على نحو يشبه أنظمة العالم، حيث البنية التنظيمية هرمية، والسلطة تنساب من القمة إلى القاعدة، والكلمة الفاعلة هي السيطرة. لقد قال يسوع: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ هَكَذَا!» وبصفتي راعيًا، يتحدّاني كثيرًا أن عملي هو العمل «لِأَجْلِ تَكْمِيلِ ٱلْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ ٱلْخِدْمَةِ»، أي أن أعلّمهم الطيران! أنا مدعوّ لأتلمذ الناس، لا لأبني أعشاشًا أكبر! والتلاميذ ينبغي أن يطيروا كما قصد الله لهم.
والنسر لا يستريح حتى يرى صغاره ترتفع لتحلّق فوق سائر الطيور في رحاب السماء الواسعة. ليت الرعاة يحملون هذه الرغبة: أن يُطعموا شعبهم ويعلّموه ويطلقوه، حتى يبلغ كل واحد منهم أسمى مصير له في المسيح. لكننا كثيرًا ما نراهم بدلًا من ذلك يقصّون أجنحة شعبهم، لئلّا يعكّروا راحة كنيستهم «هم».
ولمن الكنيسة في نهاية المطاف؟
كنت في بيت راعٍ في أستراليا، وقد دعا مضيفي عددًا من أصدقائه لقضاء أمسية شركة مع زائره الكندي. فقدّمني باختصار، وطلب أن أشارك ضيوفه بكل ما قد يكون الرب وضعه على قلبي. فبدأت بالتوسّع في تقديمه قائلًا: «أنا راع، لست الآن مسؤولا عن كنيسة، لكنني راع مع ذلك بحسب أفسس 4:11، أعرف دعوتي والخدمة التي وضعها الرب أمامي». فقالت في الحال امرأة في منتصف العمر كانت حاضرة، بصوت عالٍ سمعه الجميع: «أظن أن أجنحتنا ستقصّ مرة أخرى!» ولم يسعني إلا أن أفترض أن خبرتها مع الرعاة كانت أنهم يعوقونها دائمًا عمّا كانت تعتبره دعوة الله على حياتها.
ويسرّني أن أقول إننا، في نهاية الأمسية، صرنا هي وأنا «أعزّ الأصدقاء!» بل إنها قالت «آمين» من كل قلبها حين انتهيت.
ولا بد أن أضيف أنني في الاجتماع نفسه التقيت واحدًا من أبغض أصناف المسيحيين: «الحارس على السور» الذي عيّن نفسه بنفسه، والذي دوره في الحياة أن ينتقد كل ما قد يقوله الراعي أو الزائر مما يمكن أن يُفهم منه شيء خطِر (في رأي الحارس) على القديسين، وهو في الغالب شيء لم يقصده المتكلّم قطّ. فالراعي الصالح لا بد أن يقصّ تلك الأجنحة!
في كنائسنا كثير من الشباب الذين لم يُصابوا بعدُ بمرض الكسل الشائع بين الأعضاء الأكبر سنًّا، والذين لهم أحلام وأفكار لخدمة الرب.
«لماذا لا نفتح مقهى؟ هل يستطيع الشباب أن يقودوا العبادة يوم أحد؟ هل نستطيع أن نقيم اجتماعًا في الهواء الطلق؟ أريد أن أذهب في رحلة إرسالية مع ‹شباب مع رسالة› أو ‹حملة الجامعات للمسيح›. هل نستطيع أن نخطّط لحفل شواء لأولاد الشوارع بشعرهم الملوّن والحلقات في أنوفهم؟ هل نستطيع أن نؤلّف جوقة للشباب، يرتدي أعضاؤها قمصان الرغبي والجينز الأزرق؟» نُعجب بحماستهم، لكننا نسارع إلى تثبيطهم بألف عذر وعذر.
لا نريد أن «يهتزّ قاربنا». ففي النهاية، كنيستنا كنيسة محترمة، وكل شيء عندنا «تحت السيطرة». ولسنا في حاجة حقًا إلى برامج أخرى، ولا سيما برامج قد يلتفت إليها العالم، كالتي اقتُرحت أعلاه.
ثم أليس من عمل الراعي أن يعرف البرامج التي يريدها الله في كنيسته؟ أليس كذلك؟ أليس كذلك؟؟؟
إن كانت الآراء التي عبّرت عنها أعلاه صحيحة، فلا عجب أن يكون هناك مؤمنون كثيرون لم يعودوا في شركة طيبة مع كنيسة محلية، بسبب خيبة الأمل والإحباط والجراح.
إن العبء الذي على قلبي هو للكنيسة المتألّمة، ولا سيما للرعاة والمرسلين «على خطوط المواجهة» الذين يعانون من مظالم وجراح أُوقعت بهم، وفي الغالب، ويا للأسف، على أيدي أعضاء آخرين في جسد المسيح. ومع ذلك، فإنني في أسفاري ألتقي بمزيد من المؤمنين الخائبي الآمال، من رجال الدين والعلمانيين على السواء، الذين فقدوا فرحهم وهدفهم في خدمة الرب. وكثيرون منهم احترقوا وهم يحملون خدمات لم يقصد الله قطّ أن يحملوها.
أسئلة للتأمّل
ما الأسباب الأربعة التي يذكرها إيفانز لعجز كثيرين من المؤمنين عن الطيران كالنسر؟
يقول إنهم يولدون «مجروحين»، وإنهم اتخذوا قرارات مخالفة لمبادئ الله في الحياة، وإنهم لم يدركوا قطّ أنه ينبغي لهم أن يطيروا، وإنّ أجنحتهم قد قُصّت حتى لا يطيروا عاليًا أكثر ممّا ينبغي.
كيف يميّز إيفانز بين التبرير والتقديس والتمجيد؟
يسمّي التبرير خلاص الروح، وهو عمل ماضٍ به خلصنا من عقوبة الخطية؛ والتقديس خلاص النفس، وهو عمل حاضر مستمرّ يخلّصنا من سلطان الخطية؛ والتمجيد خلاص الجسد، وهو عمل مستقبلي يخلّصنا من حضور الخطية. وجراح النفس لا تُشفى فجأة عند الولادة الجديدة، وما لم نعالجها فسيبقى «طيراننا» محدودًا.
ما الذي يراه إيفانز خطأً في ما يقصده الناس كثيرًا بالكنيسة «العظيمة»؟
يجد أنهم كثيرًا ما يقصدون أنّ الأعداد في ارتفاع، والأيدي مرفوعة في الهواء، والترانيم مرتفعة الإيقاع، والعظات لا تتجاوز خمسًا وعشرين دقيقة في موضوع لا يتحدّى أحدًا. ويقابل ذلك بإيفان روبرتس، أداة الله في نهضة ويلز سنة 1904، الذي تعلّم أن يطير كالنسر بأن صلّى: «يا رب، أحنني، أحنني أكثر!»
ماذا حدث حين قدّم إيفانز نفسه راعيًا في أمسية في أستراليا؟
قالت امرأة في منتصف العمر بصوت عالٍ: «أظن أن أجنحتنا ستقصّ مرة أخرى!»، ففهم من ذلك أنّ الرعاة كانوا يعوقونها دائمًا عمّا كانت تعتبره دعوة الله على حياتها. ويقول إنهما في نهاية الأمسية صارا «أعزّ الأصدقاء!»
ماذا يقول إيفانز إنه ينبغي أن يكون عمل الراعي، بدلًا من قصّ أجنحة الناس؟
يقول إنّ عمله هو «لِأَجْلِ تَكْمِيلِ ٱلْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ ٱلْخِدْمَةِ»، أي أن يعلّمهم الطيران. فهو مدعوّ ليتلمذ الناس، لا ليبني أعشاشًا أكبر، وينبغي له، كالنسر، ألّا يستريح حتى يرى شعبه يرتفعون إلى أسمى مصير لهم في المسيح.
اكتمل الفصل 1
التحليق عاليًا