مع المسيح في مدرسة الصلاة
وحدك مع الله

فصل 4 · قراءة 7 د

وحدك مع الله

«وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ»—متى 6:6.

بعد أن دعا يسوع تلاميذه الأوّلين، أعطاهم أوّل تعليم علنيّ في الموعظة على الجبل. وهناك شرح لهم ملكوت الله، شرائعه وحياته. وفي ذلك الملكوت ليس الله ملكًا فقط، بل هو أبٌ أيضًا؛ وهو لا يعطي الكلّ فقط، بل هو نفسه الكلّ. ففي معرفته والشركة معه وحده تكمن غبطة هذا الملكوت. ولذلك كان من الطبيعيّ أن يكون إعلان الصلاة وحياة الصلاة جزءًا من تعليمه عن الملكوت الجديد الذي جاء ليقيمه. فموسى لم يعطِ وصيّة ولا فريضة بخصوص الصلاة، وحتّى الأنبياء لا يقولون إلّا القليل مباشرةً عن واجب الصلاة؛ أمّا المسيح فهو الذي يعلّم الصلاة.

وأوّل ما يعلّمه الربّ لتلاميذه هو أنّه لا بدّ أن يكون لهم موضع خفيّ للصلاة؛ فلا بدّ لكلّ واحد أن يكون له مكان منفرد يستطيع أن يكون فيه وحده مع إلهه. فكلّ معلّم لا بدّ له من قاعة درس. لقد تعلّمنا أن نعرف يسوع ونقبله معلّمنا الوحيد في مدرسة الصلاة. وقد علّمنا من قبلُ في السامرة أنّ السجود لم يعد محصورًا في أوقات وأماكن؛ وأنّ السجود، السجود الروحيّ الحقيقيّ، أمرٌ يخصّ الروح والحياة؛ وأنّه ينبغي للإنسان كلّه، في حياته كلّها، أن يكون سجودًا بالروح والحقّ. ومع ذلك يريد من كلّ واحد أن يختار لنفسه الموضع الثابت الذي يستطيع أن يلقاه فيه كلّ يوم. ذلك المخدع، ذلك الموضع المنفرد، هو قاعة درس يسوع. قد يكون ذلك الموضع في أيّ مكان؛ وقد يتغيّر من يوم إلى يوم إن اضطُررنا إلى تغيير مسكننا؛ لكن لا بدّ من ذلك الموضع الخفيّ، مع الوقت الهادئ الذي يضع فيه التلميذ نفسه في حضرة المعلّم، ليُعِدّه المعلّم للسجود للآب. هناك وحده، ولكن هناك بكلّ يقين، يأتي يسوع إلينا ليعلّمنا أن نصلّي.

المعلّم حريص دائمًا على أن تكون قاعة درسه مشرقة وجذّابة، مملوءة بنور السماء وهوائها، مكانًا يشتاق التلاميذ أن يأتوا إليه ويحبّون أن يمكثوا فيه. وفي أولى كلماته عن الصلاة في الموعظة على الجبل، يسعى يسوع إلى أن يضع المخدع أمامنا في أبهى نور. فإن أصغينا بانتباه، لاحظنا سريعًا ما هو الأمر الرئيسيّ الذي عنده ليقوله لنا عن مكوثنا هناك. ثلاث مرّات يستعمل اسم الآب: «وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ»؛ «فَأَبُوكَ … يُجَازِيكَ»؛ «لِأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ». فأوّل أمر في صلاة المخدع هو: لا بدّ أن ألقى أبي. والنور الذي يضيء في المخدع لا بدّ أن يكون: نور وجه الآب. والهواء النقيّ من السماء الذي يريد يسوع أن يملأه، الجوّ الذي أتنفّس فيه وأصلّي، هو: محبّة الله الأبويّة، أبوّة الله غير المحدودة. وهكذا تكون كلّ فكرة أو طلبة نتنفّسها ثقةً بسيطة قلبيّة بنويّة بالآب. هكذا يعلّمنا المعلّم أن نصلّي: إنّه يأتي بنا إلى حضرة الآب الحيّة. وما نصلّيه هناك لا بدّ أن يُجدي. فلنُصغِ بانتباه لنسمع ما عند الربّ ليقوله لنا.

أوّلًا: «وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ» إنّ الله إلهٌ يحتجب عن العين الجسديّة. وما دمنا في سجودنا لله منشغلين في الأساس بأفكارنا وتدريباتنا الخاصّة، فلن نلقى ذاك الذي هو روح، غير المنظور. أمّا الإنسان الذي ينسحب من كلّ ما هو من العالم ومن الإنسان، ويتهيّأ لينتظر الله وحده، فإنّ الآب يُعلن له ذاته. وإذ يترك العالم وحياة العالم ويتخلّى عنهما ويُغلق دونهما، ويُسلم نفسه ليقوده المسيح إلى سرّ حضرة الله، يُشرق عليه نور محبّة الآب. فخفاء المخدع والباب المغلق، والانفصال التامّ عن كلّ ما حولنا، صورةٌ لذلك المقدس الروحيّ الداخليّ، ومن ثمّ معينٌ على بلوغه: ستر مسكن الله، داخل الحجاب، حيث تتّصل أرواحنا حقًّا بغير المنظور. وهكذا نتعلّم، في مستهلّ بحثنا عن سرّ الصلاة الفعّالة، أن نذكر أنّنا في المخدع، حيث نكون وحدنا مع الآب، سنتعلّم أن نصلّي كما ينبغي. الآب في الخفاء: بهذه الكلمات يعلّمنا يسوع أين ينتظرنا، وأين يوجد دائمًا. كثيرًا ما يشكو المسيحيّون من أنّ الصلاة الفرديّة ليست كما ينبغي أن تكون. يشعرون بالضعف والخطيّة، والقلب بارد ومظلم؛ وكأنّ ما عندهم ليصلّوه قليل جدًّا، وليس في هذا القليل إيمان ولا فرح. فتخور عزائمهم ويمتنعون عن الصلاة لظنّهم أنّهم لا يقدرون أن يأتوا إلى الآب كما ينبغي أو كما يشتهون. يا ولدَ الله! أصغِ إلى معلّمك. إنّه يقول لك إنّه حين تذهب إلى الصلاة الفرديّة ينبغي أن تكون فكرتك الأولى: الآب في الخفاء، الآب ينتظرني هناك. فلأنّ قلبك بارد وخالٍ من الصلاة بالذات، ادخل إلى حضرة الآب المُحبّ. كما يترأّف الأب على البنين، هكذا يترأّف الربّ عليك. لا تفكّر في قلّة ما عندك لتقدّمه لله، بل في كثرة ما يريد هو أن يعطيك. ضع نفسك أمامه فقط، وارفع نظرك إلى وجهه؛ تأمّل محبّته، محبّته العجيبة الرقيقة الرؤوفة. قل له فقط كم كلّ شيء خاطئ وبارد ومظلم: فقلب الآب المُحبّ هو الذي سيعطي قلبك نورًا ودفئًا. آه، افعل ما يقوله يسوع: أغلق الباب فقط، وصلّ إلى أبيك الذي في الخفاء. أليس هذا عجيبًا؟ أن تستطيع أن تنفرد مع الله، الله غير المحدود. ثمّ أن ترفع نظرك وتقول: يا أبي!

«فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ» هنا يؤكّد لنا يسوع أنّ الصلاة في الخفاء لا يمكن أن تكون بلا ثمر: فبركتها ستظهر في حياتنا. ليس علينا إلّا أن نستودعه في الخفاء، ونحن وحدنا مع الله، حياتنا أمام الناس؛ وهو سيجازينا علانيةً؛ وسيحرص على أن يظهر جواب الصلاة في بركته علينا. وهكذا يريد ربّنا أن يعلّمنا أنّه كما أنّ الأبوّة والأمانة غير المحدودتين هما ما يلقانا به الله في الخفاء، هكذا ينبغي أن تكون من جهتنا بساطة الإيمان البنويّة، الثقة بأنّ صلاتنا تستنزل البركة حقًّا. «يَجِبُ أَنَّ ٱلَّذِي يَأْتِي إِلَى ٱللهِ يُؤْمِنُ … وَأَنَّهُ يُجَازِي ٱلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ». فبركة المخدع لا تتوقّف على الشعور القويّ أو الحارّ الذي أصلّي به، بل على محبّة الآب وقدرته، الذي أستودعه هناك احتياجاتي. ولذلك ليس للمعلّم إلّا رغبة واحدة: اذكر أنّ أباك موجود، وأنّه يرى ويسمع في الخفاء؛ اذهب إلى هناك وامكث هناك، ثمّ اخرج من هناك بهذه الثقة: إنّه سيجازي. ثق به في ذلك؛ اعتمد عليه: الصلاة إلى الآب لا يمكن أن تكون باطلة؛ إنّه سيجازيك علانيةً.

ولكي يثبّت المسيح هذا الإيمان بمحبّة الله الأبويّة أكثر فأكثر، يقول كلمة ثالثة: «لِأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ» قد يبدو للنظرة الأولى أنّ هذه الفكرة تجعل الصلاة أقلّ لزومًا: فالله يعرف أفضل منّا بكثير ما نحتاج إليه. لكن كلّما نلنا بصيرةً أعمق في ما هي الصلاة حقًّا، ساعدتنا هذه الحقيقة كثيرًا على تقوية إيماننا. فهي تعلّمنا أنّنا لسنا بحاجة، كالأمم، إلى أن نُرغم بكثرة كلامنا وإلحاحه إلهًا غير راغب على أن يُصغي إلينا. وستقودنا إلى تأمّل مقدّس وصمت في الصلاة، إذ تثير السؤال: هل يعرف أبي حقًّا أنّي أحتاج إلى هذا؟ ومتى قادنا الروح إلى اليقين بأنّ طلبتنا هي حقًّا شيء نحتاج إليه بحسب الكلمة لمجد الله، فستعطينا ثقة عجيبة لنقول: أبي يعرف أنّي أحتاج إليه ولا بدّ أن أناله. وإن كان هناك أيّ تأخير في الجواب، فستعلّمنا أن نثبت بمثابرة هادئة: أيّها الآب! أنت تعرف أنّي أحتاج إليه. آه، ما أعظم حرّيّة الابن وبساطته المباركتين اللتين يودّ المسيح معلّمنا أن يُنمّيهما فينا ونحن نقترب إلى الله: فلنرفع أنظارنا إلى الآب حتّى يعملهما روحه فينا. ولنقف أحيانًا في صلواتنا، حين نكون في خطر الانشغال بطلباتنا الحارّة الملحّة إلى حدّ أن ننسى أنّ الآب يعرف ويسمع، لنقف ساكنين ونقول بهدوء: أبي يرى، أبي يسمع، أبي يعرف؛ فهذا يساعد إيماننا على أن يأخذ الجواب، وأن يقول: نعلم أنّ لنا الطلبات التي طلبناها منه.

والآن، يا جميع الذين دخلتم مدرسة المسيح من جديد لتتعلّموا الصلاة، خذوا هذه الدروس، ومارسوها، وثقوا به أن يكمّلكم فيها. أقيموا كثيرًا في المخدع، والباب مغلق — مغلق دون الناس، ومغلق عليكم مع الله؛ فهناك ينتظركم الآب، وهناك سيعلّمكم يسوع أن تصلّوا. أن تكونوا وحدكم في الخفاء مع الآب: ليكن هذا أسمى فرحكم. أن تكونوا على يقين بأنّ الآب سيجازي علانيةً الصلاة التي في الخفاء، فلا يمكن أن تبقى بلا بركة: ليكن هذا قوّتكم يومًا فيومًا. وأن تعرفوا أنّ الآب يعرف أنّكم تحتاجون إلى ما تطلبون: ليكن هذا حرّيّتكم في أن تأتوا بكلّ حاجة، واثقين بأنّ إلهكم سيملأها بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»

أيّها المخلّص المبارك! إنّي من كلّ قلبي أباركك لأنّك عيّنت المخدع، المدرسة التي تلقى فيها كلّ واحد من تلاميذك على انفراد، وتُعلن له الآب. يا ربّي! قوِّ إيماني بمحبّة الآب الرقيقة ولطفه، حتّى تكون أوّل فكرة تنبعث فيّ تلقائيًّا، كلّما شعرت بالخطيّة أو بالاضطراب، أن أذهب إلى حيث أعلم أنّ الآب ينتظرني، وحيث لا يمكن للصلاة أن تمضي بلا بركة. ولتأتِ بي الفكرة أنّه يعرف حاجتي قبل أن أسأل، في راحة إيمان عظيمة، إلى الثقة بأنّه سيعطي ما يحتاج إليه ابنه. آه، ليصر موضع الصلاة في الخفاء لي أحبّ بقعة على الأرض.

ويا ربّ! اسمعني وأنا أصلّي أن تبارك في كلّ مكان مخادع شعبك المؤمن. ليحرّر إعلانك العجيب لرقّة الآب جميع المسيحيّين الأحداث من كلّ فكرة ترى في الصلاة في الخفاء واجبًا أو عبئًا، وليقُدهم إلى أن يعدّوها أسمى امتياز في حياتهم، فرحًا وبركة. أرجِع جميع الذين خارت عزائمهم لأنّهم لا يجدون ما يأتون به إليك في الصلاة. آه، أعطهم أن يفهموا أنّه ليس عليهم إلّا أن يأتوا بفراغهم إلى ذاك الذي عنده كلّ شيء ليعطيه، ويُسرّ بأن يعطي. فلا يكن همّهم الوحيد ما عندهم ليقدّموه للآب، بل ما ينتظر الآب أن يعطيهم.

وبارك خصوصًا مخدع جميع عبيدك الذين يعملون لك، بوصفه الموضع الذي يُعلَن لهم فيه حقّ الله ونعمة الله، والذي يُمسحون فيه كلّ يوم بزيت طريّ، وتتجدّد فيه قوّتهم، وينالون فيه بالإيمان البركات التي بها يباركون إخوتهم البشر. يا ربّ، اجذبنا جميعًا في المخدع أقرب إليك وإلى الآب. آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل