فصل 3 · قراءة 6 د
الساجدون الحقيقيون
«تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ ٱلْآنَ، حِينَ ٱلسَّاجِدُونَ ٱلْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلْآبِ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ، لِأَنَّ ٱلْآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلَاءِ ٱلسَّاجِدِينَ لَهُ. ٱللهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»—يوحنا 4:23-24.
هذه الكلمات التي قالها يسوع للمرأة السامريّة هي أوّل تعليم مدوَّن له في موضوع الصلاة. وهي تمنحنا لمحات أولى عجيبة إلى عالم الصلاة. فالآب يطلب ساجدين: سجودنا يُشبع قلبه المُحبّ ويُفرحه. إنّه يطلب ساجدين حقيقيّين، لكنّه يجد كثيرين ليسوا كما يريدهم. فالسجود الحقيقيّ هو ما كان بالروح والحقّ. وقد جاء الابن ليفتح الطريق لهذا السجود بالروح والحقّ، ويعلّمنا إيّاه. ولذلك لا بدّ أن يكون من أوّل دروسنا في مدرسة الصلاة أن نفهم ما معنى أن نصلّي بالروح والحقّ، وأن نعرف كيف نبلغ ذلك.
كلّم ربّنا المرأة السامريّة عن سجود على ثلاثة أنواع. فهناك أوّلًا سجود السامريّين الجاهل: «أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ». وثانيًا سجود اليهوديّ العارف، الذي عنده المعرفة الصحيحة بالله: «أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لِأَنَّ ٱلْخَلَاصَ هُوَ مِنَ ٱلْيَهُودِ». ثمّ السجود الجديد الروحيّ الذي جاء هو نفسه ليُدخله: «تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ ٱلْآنَ، حِينَ ٱلسَّاجِدُونَ ٱلْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلْآبِ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ». ومن سياق الكلام يتّضح أنّ عبارة «بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ» لا تعني، كما يُظنّ كثيرًا: بغيرة، من القلب، بإخلاص. فقد كان عند السامريّين أسفار موسى الخمسة وشيء من معرفة الله؛ ولا شكّ أنّه كان بينهم أكثر من واحد يطلب الله في الصلاة بأمانة وغيرة. وكان عند اليهود إعلان الله الحقيقيّ الكامل في كلمته، بقدر ما أُعطي حتّى ذلك الحين؛ وكان بينهم رجال أتقياء يدعون الله من كلّ قلوبهم. ومع ذلك لم يكن سجودهم «بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ» بكامل معنى هذه الكلمات. يقول يسوع: «تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ ٱلْآنَ؛» ففيه وحده وبه وحده يصير السجود لله بالروح والحقّ.
ولا يزال المرء يجد بين المسيحيّين هذه الأصناف الثلاثة من الساجدين. فبعضهم في جهلهم لا يكادون يعرفون ما يطلبون: يصلّون بحرارة، ولكنّهم لا ينالون إلّا القليل. وآخرون عندهم معرفة أصحّ، ويحاولون أن يصلّوا بكلّ فكرهم وقلبهم، وكثيرًا ما يصلّون بأشدّ الحرارة، ومع ذلك لا يبلغون الغبطة الكاملة التي للسجود بالروح والحقّ. وإلى هذا الصنف الثالث ينبغي أن نسأل ربّنا يسوع أن يأخذنا؛ ينبغي أن نتعلّم منه كيف نسجد بالروح والحقّ. هذا وحده هو السجود الروحيّ؛ وهذا يجعلنا ساجدين كما يطلب الآب. ففي الصلاة سيتوقّف كلّ شيء على أن نُحسن فهم السجود بالروح والحقّ وممارسته.
«ٱللهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا». أوّل فكرة يوحي بها المعلّم هنا هي أنّه لا بدّ من انسجام بين الله والساجدين له؛ فكما هو الله، هكذا ينبغي أن يكون السجود له. وهذا بحسب مبدأ يسود الكون كلّه: فنحن نتوقّع توافقًا بين الشيء والعضو الذي يُعلن له ذاته أو يُسلمها إليه. فللعين ملاءمة داخليّة للنور، وللأذن ملاءمة للصوت. والإنسان الذي يريد أن يسجد لله حقًّا، وأن يجد الله ويعرفه ويقتنيه ويتمتّع به، لا بدّ أن يكون في انسجام معه، ولا بدّ أن تكون له القابليّة لقبوله. فلأنّ الله روح، ينبغي أن نسجد بالروح. فكما هو الله، هكذا الساجد له.
وما معنى هذا؟ كانت المرأة قد سألت ربّنا: أهي السامرة أم أورشليم الموضع الحقيقيّ للسجود؟ فأجاب بأنّ السجود من الآن فصاعدًا لن يكون محصورًا في موضع معيّن: «يَا ٱمْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لَا فِي هَذَا ٱلْجَبَلِ، وَلَا فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلْآبِ». فكما أنّ الله روح، لا يحدّه مكان ولا زمان، بل هو في كماله غير المحدود هو هو دائمًا وفي كلّ مكان، هكذا يكون السجود له من الآن فصاعدًا غير محصور في مكان أو شكل، بل روحيًّا كما أنّ الله نفسه روحيّ. إنّه درسٌ بالغ الأهمّيّة. فكم تتألّم مسيحيّتنا من كونها محصورة في أوقات وأماكن معيّنة! فالإنسان الذي يسعى إلى أن يصلّي بحرارة في الكنيسة أو في المخدع، يقضي الجزء الأكبر من الأسبوع أو من اليوم بروح مخالفة تمامًا للروح التي صلّى بها. كان سجوده عملَ مكان ثابت أو ساعة معيّنة، لا عملَ كيانه كلّه. الله روح: هو الأزليّ الذي لا يتغيّر؛ وما هو عليه، هو عليه دائمًا وبالحقّ. وكذلك ينبغي أن يكون سجودنا بالروح والحقّ: ينبغي أن يكون السجود له روحَ حياتنا؛ وينبغي أن تكون حياتنا سجودًا بالروح، كما أنّ الله روح.
«ٱللهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا». والفكرة الثانية التي تخطر لنا هي أنّ السجود بالروح لا بدّ أن يأتي من الله نفسه. فالله روح: وهو وحده عنده روح ليعطيه. ولهذا أرسل ابنه، ليؤهّلنا لمثل هذا السجود الروحيّ بأن يعطينا الروح القدس. فعن عمله هو يتكلّم يسوع حين يقول مرّتين: «تَأْتِي سَاعَةٌ»، ثمّ يضيف: «وَهِيَ ٱلْآنَ». لقد جاء ليعمّد بالروح القدس؛ ولم يكن الروح ليفيض قبل أن يتمجّد هو (يوحنا 1:33؛ 7:37-38؛ 16:7). وحين أنهى الخطيّة، ودخل إلى قدس الأقداس بدمه، وقد نال هناك الروح القدس لأجلنا (أعمال الرسل 2:33)، استطاع أن يرسله إلينا روحًا للآب. وحين فدانا المسيح، ونلنا فيه مقام البنين، أرسل الآب روح ابنه إلى قلوبنا صارخًا: «يَا أَبَا ٱلْآبُ». فالسجود بالروح هو السجود للآب في روح المسيح، روح البنوّة.
ولهذا السبب يستعمل يسوع هنا اسم الآب. فنحن لا نجد قطّ أحدًا من قدّيسي العهد القديم يتّخذ لنفسه شخصيًّا اسم الابن أو يدعو الله أباه. فالسجود للآب لا يمكن إلّا للذين أُعطوا روح الابن. والسجود بالروح لا يمكن إلّا للذين أعلن لهم الابنُ الآبَ، ونالوا روح البنوّة. إنّ المسيح وحده هو الذي يفتح الطريق ويعلّم السجود بالروح.
وبالحقّ. وهذا لا يعني بإخلاص فقط. ولا يعني فقط: بما يوافق حقّ كلمة الله. إنّها عبارة ذات معنى عميق إلهيّ. فيسوع هو الذي رأينا مجده «كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا». «لِأَنَّ ٱلنَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا ٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ فَبِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ صَارَا». ويقول يسوع: «أَنَا هُوَ … ٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ». في العهد القديم كان كلّ شيء ظلًّا ووعدًا؛ أمّا يسوع فقد أتى بالحقيقة ويعطيها، جوهرَ ما يُرجى. ففيه صارت بركات الحياة الأبديّة وقواها ملكنا واختبارنا الفعليّ. يسوع مملوء نعمةً وحقًّا؛ والروح القدس هو روح الحقّ؛ وبه تصير النعمة التي في يسوع لنا بالفعل والحقّ، عطيّةً حقيقيّة من الحياة الإلهيّة. وهكذا فالسجود بالروح هو سجود بالحقّ؛ شركة حيّة فعليّة مع الله، وتوافق وانسجام حقيقيّان بين الآب، الذي هو روح، والابن الذي يصلّي بالروح.
إنّ ما قاله يسوع للمرأة السامريّة لم تستطع أن تفهمه في الحال. فقد كان لا بدّ من يوم الخمسين ليُعلن معناه الكامل. ونحن بالكاد مستعدّون، عند دخولنا الأوّل مدرسةَ الصلاة، لأن نستوعب تعليمًا كهذا. سنفهمه فهمًا أفضل فيما بعد. فلنبدأ فقط، ولنأخذ الدرس كما يعطيه. نحن جسديّون ولا نقدر أن نقدّم لله السجود الذي يطلبه. لكنّ يسوع جاء ليعطي الروح: وقد أعطانا إيّاه. فلتكن الحال التي نُقبل بها على الصلاة هي ما علّمتنا إيّاه كلمات المسيح. ليكن فيها الاعتراف العميق بعجزنا عن أن نقدّم لله السجود الذي يُرضيه؛ وروح التعلّم البنويّة التي تنتظره ليعلّمنا؛ والإيمان البسيط الذي يُسلم نفسه لنفخات الروح. وفوق كلّ شيء، لنتمسّك بهذه الحقيقة المباركة — وسنجد أنّ للربّ المزيد ليقوله لنا عنها — وهي أنّ معرفة أبوّة الله، وإعلان أبوّته غير المحدودة في قلوبنا، والإيمان بالمحبّة غير المحدودة التي تعطينا ابنه وروحه لتجعلنا أبناء، هي حقًّا سرّ الصلاة بالروح والحقّ. هذا هو الطريق الحديث الحيّ الذي فتحه المسيح لنا. فأن يكون لنا المسيح الابن، وروح الابن، ساكنَين فينا ومُعلنَين الآب، فهذا ما يجعلنا ساجدين حقيقيّين روحيّين.
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»
أيّها الربّ المبارك! إنّي أسجد للمحبّة التي بها علّمتَ امرأةً رفضت أن تعطيك كأس ماء ما ينبغي أن يكون عليه السجود لله. وأفرح باليقين أنّك لن تعلّم الآن بأقلّ من ذلك تلميذك الذي يأتي إليك بقلب يشتاق أن يصلّي بالروح والحقّ. يا معلّمي القدّوس! علّمني هذا السرّ المبارك.
علّمني أنّ السجود بالروح والحقّ ليس من الإنسان، بل يأتي منك وحدك؛ وأنّه ليس أمرًا يخصّ الأوقات والمواسم فحسب، بل هو فيض حياةٍ فيك. علّمني أن أقترب إلى الله في الصلاة تحت الشعور العميق بجهلي وبأنّه ليس فيّ شيء أقدّمه له، وفي الوقت نفسه بما تهيّئه أنت، يا مخلّصي، لنفخات الروح في تلعثمي الطفوليّ. إنّي أباركك لأنّي فيك ابن، ولي حرّيّة الابن في الدخول؛ ولأنّ لي فيك روح البنوّة والسجود بالحقّ. علّمني، فوق كلّ شيء، أيّها الابن المبارك للآب، كيف أنّ إعلان الآب هو الذي يعطي الثقة في الصلاة؛ ولتكن أبوّة قلب الله غير المحدودة فرحي وقوّتي لحياةٍ من الصلاة والسجود. آمين.
اكتمل الفصل 3
الساجدون الحقيقيون