مع المسيح في مدرسة الصلاة
الصلاة النموذجيّة

فصل 5 · قراءة 7 د

الصلاة النموذجيّة

«فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ»—متى 6:9.

كلّ معلّم يعرف قوّة المثال. فهو لا يقول للولد ماذا يعمل وكيف يعمله فحسب، بل يريه كيف يمكن أن يُعمَل ذلك بالفعل. ومعلّمنا السماويّ، تنازلًا منه إلى ضعفنا، قد أعطانا الكلمات عينها التي نحملها معنا ونحن نقترب إلى أبينا. فلنا فيها صيغة صلاة تتنفّس فيها نضارة الحياة الأبدية وملؤها. هي من البساطة بحيث يقدر الولد الصغير أن يتمتم بها، ومن الغنى الإلهيّ بحيث تشمل كلّ ما يقدر الله أن يعطيه. صيغة صلاة تصير أنموذجًا لكلّ صلاة أخرى ومصدر إلهام لها، ومع ذلك تردّنا دائمًا إليها هي نفسها بوصفها أعمق ما تنطق به نفوسنا أمام إلهنا.

«أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ!» ولكي أقدّر كلمة السجود هذه حقّ قدرها، عليّ أن أذكر أنّ أحدًا من القدّيسين في الكتاب المقدس لم يجرؤ قطّ أن يخاطب الله بوصفه أباه. فهذا الدعاء يضعنا للحال في قلب ذلك الإعلان العجيب الذي جاء الابن ليعلنه عن أبيه بوصفه أبانا نحن أيضًا. وهو يشمل سرّ الفداء — المسيح يخلّصنا من اللعنة لكي نصير أولاد الله. وسرّ الولادة الثانية — الروح يعطينا في الميلاد الجديد الحياة الجديدة. وسرّ الإيمان — فقبل أن يتمّ الفداء أو يُفهَم، تُوضع الكلمة على شفاه التلاميذ لتعدّهم للاختبار المبارك الذي لم يأتِ بعد. هذه الكلمات هي مفتاح الصلاة كلها، بل مفتاح كلّ صلاة. ودرسها يحتاج إلى وقت، بل إلى عمر كامل؛ أما فهمها فهمًا تامًّا فيحتاج إلى الأبدية. إنّ معرفة محبة الله الأبويّة هي الدرس الأول والأبسط، ولكنها أيضًا الدرس الأخير والأعلى في مدرسة الصلاة. ففي العلاقة الشخصيّة بالإله الحيّ، وفي شركة المحبة الشخصيّة الواعية معه هو، تبتدئ الصلاة. وفي معرفة أبوّة الله، كما يعلنها الروح القدس، تجد قوّة الصلاة أصلها ونموّها. وفي حنان الآب غير المحدود ورأفته وطول أناته، وفي استعداده المحبّ لأن يسمع ويعين، تجد حياة الصلاة فرحها. آه، لنأخذ من الوقت ما يكفي حتى يجعل الروح هذه الكلمات لنا روحًا وحقًّا، مالئةً القلب والحياة: «أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ». وحينئذ نكون حقًّا داخل الحجاب، في الموضع السرّيّ، موضعِ القوّة، حيث تغلب الصلاة دائمًا.

«لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ» ههنا أمر يستوقفنا للحال. فبينما نحمل في العادة حاجاتنا نحن أولًا إلى الله في الصلاة، ثم نفكّر بعدها فيما هو لله وفيما يخصّ مصالحه، إذا بالمعلّم يعكس الترتيب. فأولًا: اسمك، ملكوتك، مشيئتك؛ ثم: أعطنا، اغفر لنا، لا تدخلنا، نجّنا. وهذا الدرس أعظم أهمية مما نظنّ. ففي السجود الحقيقيّ لا بدّ أن يكون الآب هو الأول، وأن يكون هو الكلّ. وكلما أسرعت في أن أتعلّم نسيان نفسي في الرغبة في أن يتمجّد هو، كانت البركة التي تجلبها الصلاة لي أنا أغنى. فما خسر أحد قطّ بما ضحّى به لأجل الآب.

ولا بدّ أن يؤثّر هذا في صلواتنا كلها. فالصلاة نوعان: صلاة شخصية وصلاة شفاعة. والثانية تشغل في العادة الجزء الأصغر من وقتنا وطاقتنا. وهذا ما لا يجوز أن يكون. فالمسيح إنما فتح مدرسة الصلاة خصوصًا ليدرّب شفعاء لذلك العمل العظيم: أن يُنزلوا، بإيمانهم وصلاتهم، بركات عمله ومحبته على العالم من حولهم. ولا يمكن أن يكون في الصلاة نموّ عميق ما لم نجعل هذا غايتنا. فالولد الصغير قد لا يطلب من أبيه إلا ما يحتاج إليه لنفسه؛ ومع ذلك يتعلّم سريعًا أن يقول: أعطِ أختي أيضًا. أما الابن البالغ، الذي لا يحيا إلا لمصالح أبيه ويتولّى أعماله، فيطلب طلبًا أوسع، وينال كلّ ما يطلب. ويسوع يريد أن يدرّبنا على الحياة المباركة، حياة التكرّس والخدمة، التي تكون فيها مصالحنا كلها خاضعة لاسم الآب وملكوته ومشيئته. آه، لنحيَ لهذا، ولنجعل كلّ سجدة نقول فيها: أبانا! يتبعها في النفَس عينه: اسمك، ملكوتك، مشيئتك؛ — فإلى هذا نرفع عيوننا ونشتاق.

«لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ» أيّ اسم؟ هذا الاسم الجديد: اسم الآب. فكلمة قدّوس هي الكلمة المحوريّة في العهد القديم، واسم الآب هو الكلمة المحوريّة في العهد الجديد. وفي اسم المحبة هذا ستُعلَن الآن كلّ قداسة الله ومجده. وكيف يتقدّس الاسم؟ بالله نفسه: «فَأُقَدِّسُ ٱسْمِي ٱلْعَظِيمَ…ٱلَّذِي نَجَّسْتُمُوهُ». فلتكن صلاتنا أن يعلن الله نفسه — فينا نحن، وفي كلّ أولاد الله، وأمام العالم — قداسةَ اسم الآب، وقدرته الإلهيّة، ومجده المستتر. وروح الآب هو الروح القدس: ولا يتقدّس الاسم في صلواتنا وحياتنا إلا حين نسلّم أنفسنا لكي ننقاد به هو، فيكون الاسم مقدَّسًا. لنتعلّم هذه الصلاة: «أَبَانَا… لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ».

«لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ» الآب ملك وله ملكوت. وليس لابن الملك ووارثه طموح أعلى من مجد ملكوت أبيه. وفي زمن الحرب أو الخطر يصير هذا شغفه؛ فلا يقدر أن يفكّر في شيء سواه. وأولاد الآب ههنا في أرض العدوّ، حيث الملكوت الذي في السماء لم يظهر بعد ظهورًا تامًّا. فأيّ شيء أطبع من أنهم، متى تعلّموا أن يقدّسوا اسم الآب، يشتاقون ويصرخون بحماسة عميقة: «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ». فمجيء الملكوت هو الحدث العظيم الواحد الذي يتوقّف عليه إعلان مجد الآب، وغبطة أولاده، وخلاص العالم. وعلى صلواتنا نحن أيضًا ينتظر مجيء الملكوت. أفلا نشترك في صرخة المفديّين، صرخة الشوق العميق: «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ»؟ لنتعلّمها في مدرسة يسوع.

«لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى ٱلْأَرْضِ». كثيرًا ما تُطبَّق هذه الطلبة على احتمال مشيئة الله وحده. ففي السماء مشيئة الله تُعمَل، والمعلّم يعلّم الولد أن يطلب أن تُعمَل المشيئة على الأرض كما في السماء تمامًا: بروح الخضوع الساجد والطاعة المستعدّة. ولأنّ مشيئة الله هي مجد السماء، فإنّ عملها هو غبطة السماء. وبمقدار ما تُعمَل المشيئة يأتي ملكوت السماوات إلى القلب. وحيثما قبل الإيمانُ محبةَ الآب، تقبل الطاعةُ مشيئةَ الآب. فالتسليم لحياة طاعة كطاعة السماء، والصلاة لأجلها، هما روح صلاة البنين.

«خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْمَ». فمتى سلّم الولد نفسه أولًا للآب في الاهتمام باسمه وملكوته ومشيئته، صارت له الحرّية التامّة أن يطلب خبزه اليوميّ. فالسيّد يهتمّ بطعام عبده، والقائد بطعام جنوده، والأب بطعام ولده. أفلا يهتمّ الآب الذي في السماوات بالولد الذي بذل نفسه في الصلاة لمصالح أبيه؟ بل نستطيع أن نقول في ثقة تامّة: يا أبتاه، أنا أحيا لكرامتك ولعملك؛ وأعلم أنك تعتني بي. إنّ التكرّس لله ولمشيئته يعطي حرّية عجيبة في الصلاة لأجل الأمور الزمنيّة: فالحياة الأرضية كلها مسلّمة لعناية الآب المحبّة.

«وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا» كما أنّ الخبز هو الحاجة الأولى للجسد، كذلك الغفران للنفس. والعناية بالواحد أكيدة كالعناية بالآخر. نحن أولاد، ولكننا خطاة أيضًا؛ وحقّنا في الدخول إلى حضرة الآب ندين به للدم الكريم وللغفران الذي ربحه لنا. فلنحذر أن تصير الصلاة لأجل الغفران مجرّد رسميّات: فلا يُغفَر حقًّا إلا ما اعتُرف به حقًّا. ولنقبل بالإيمان الغفران كما وُعدنا به: فهو حقيقة روحيّة، ومعاملة فعليّة بين الله وبيننا، وهو المدخل إلى كلّ محبة الآب وكلّ امتيازات الأولاد. ومثل هذا الغفران، اختبارًا حيًّا، مستحيل بغير روح تغفر للآخرين: فكما أنّ كلمة مغفور له تعبّر عن علاقة ولد الله نحو السماء، كذلك كلمة غافر تعبّر عن علاقته نحو الأرض. وفي كلّ صلاة إلى الآب يجب أن أستطيع القول إني لا أعرف أحدًا لا أحبّه من كلّ قلبي.

«وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ ٱلشِّرِّيرِ» خبزنا اليوميّ، وغفران خطايانا، ثم حفظنا من كلّ خطيّة ومن سلطان الشرّير: في هذه الطلبات الثلاث تنحصر كلّ حاجتنا الشخصيّة. والصلاة لأجل الخبز والغفران لا بدّ أن يصحبها التسليم لأن نحيا في كلّ شيء في طاعة مقدّسة لمشيئة الآب، والصلاة المؤمنة لأن نُحفَظ في كلّ شيء بقوّة الروح الساكن فينا من سلطان الشرّير.

يا أولاد الله! هكذا يريد يسوع أن نصلّي إلى الآب الذي في السماوات. آه، ليكن لاسمه وملكوته ومشيئته المكان الأول في محبتنا؛ وتكون محبته التي تعول وتغفر وتحفظ نصيبنا الأكيد. وهكذا تقودنا الصلاة صعودًا إلى حياة البنوّة الحقيقيّة: الآب كلّ شيء للولد، والآب كلّ شيء لأجل الولد. وسنفهم كيف أنّ الآب والولد، ولك ولنا، هي كلها واحد، وكيف أنّ القلب الذي يبتدئ صلاته بـ«لك» المكرَّسة لله ستكون له القدرة أن ينطق بالإيمان بـ«لنا» أيضًا. وصلاة كهذه ستكون حقًّا شركة المحبة وتبادلها، تردّنا دائمًا في ثقة وسجود إلى الذي ليس هو البداية فقط بل النهاية أيضًا: «لِأَنَّ لَكَ ٱلْمُلْكَ، وَٱلْقُوَّةَ، وَٱلْمَجْدَ، إِلَى ٱلْأَبَدِ. آمِينَ». يا ابن الآب، علّمنا أن نصلّي: «أَبَانَا».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الابن الوحيد، علّمنا، نتضرّع إليك، أن نصلّي: «أَبَانَا». نشكرك يا رب على هذه الكلمات الحيّة المباركة التي أعطيتنا إيّاها. نشكرك لأجل الملايين الذين تعلّموا بها أن يعرفوا الآب ويسجدوا له، ولأجل ما كانوه لنا. يا رب! كأننا نحتاج إلى أيام وأسابيع في مدرستك مع كلّ طلبة على حدة؛ ما أعمقها وما أملأها! ولكننا ننظر إليك لتقودنا إلى معناها أعمق: افعل ذلك، نطلب إليك، من أجل اسمك؛ فاسمك هو ابن الآب.

يا رب! لقد قلت مرّة: «وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلْآبَ إِلَّا ٱلِٱبْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلِٱبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ». وقلت أيضًا: «وَعَرَّفْتُهُمُ ٱسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ ٱلْحُبُّ ٱلَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ». أيها الرب يسوع! أعلن لنا الآب. ليكن اسمه، ومحبته الأبويّة غير المحدودة، المحبة التي أحبّك بها، بحسب صلاتك، فينا نحن. حينئذ نقول كما ينبغي: «أَبَانَا!» حينئذ ندرك تعليمك، ويكون أول ما يتنفّسه قلبنا من تلقاء نفسه: «أبانا، اسمك، ملكوتك، مشيئتك». ونحمل إليه حاجاتنا وخطايانا وتجاربنا واثقين بأنّ محبة أبٍ كهذا تعتني بالكلّ.

أيها الرب المبارك! نحن تلاميذك، ونحن نثق بك؛ فعلّمنا أن نصلّي: «أَبَانَا». آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل