فصل 32 · قراءة 7 د
حياة صلاة
«ٱفْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ. ٱشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ»—تسالونيكي الأولى 5:16-18.
لقد ضرب ربنا مثل الأرملة وقاضي الظلم ليعلّمنا أنه ينبغي أن يُصلّى كل حين ولا يُملّ. وإذ كانت الأرملة قد ثابرت في طلب أمر واحد محدّد، يبدو أنّ للمثل صلة بالصلاة المثابرة لأجل بركة واحدة معيّنة، حين يتأنّى الله أو يبدو أنه يرفض. أما الكلمات في الرسائل التي تتكلّم عن المواظبة على الصلاة، والمواظبة عليها والسهر فيها، والصلاة كل وقت في الروح، فيبدو أنها تشير بالأكثر إلى أن تكون الحياة كلها حياة صلاة. فإذ تمتلئ النفس بالشوق إلى ظهور مجد الله لنا وفينا، وبنا ومن حولنا، وبالثقة بأنه يسمع صلوات أولاده، ترتفع حياة النفس الباطنة على الدوام إلى فوق في اتكال وإيمان، في اشتياق ورجاء واثق.
وفي ختام تأمّلاتنا لن يصعب علينا أن نقول ما يلزم لنحيا حياة صلاة كهذه. فأول أمر، بلا ريب، هو تقديم الحياة بالتمام ذبيحةً لملكوت الله ومجده. فالذي يسعى إلى أن يصلّي بلا انقطاع لأنه يريد أن يكون تقيًّا جدًّا وصالحًا، لن يبلغ ذلك أبدًا. إنّ نسيان الذات وتسليم أنفسنا لنحيا لأجل الله وكرامته هو الذي يوسّع القلب، ويعلّمنا أن ننظر إلى كل شيء في نور الله ومشيئته، ويجعلنا ندرك بالفطرة في كل ما حولنا الحاجة إلى عون الله وبركته، وفرصةً لكي يتمجّد. ولأنّ كل شيء يُوزن ويُمتحن بالأمر الواحد الذي يملأ القلب، أي مجد الله، ولأنّ النفس قد تعلّمت أنّ ما هو من الله وحده يمكن حقًّا أن يكون له ولمجده، تصير الحياة كلها تطلّعًا إلى فوق، وصراخًا من أعماق القلب، لكي يُظهر الله قوته ومحبته فيُعلن هكذا مجده. ويستيقظ المؤمن على الوعي بأنه واحد من الحرّاس على أسوار صهيون، واحد من ذاكري الرب، الذين يمسّ نداؤهم حقًّا الملكَ الذي في السماء ويحرّكه ليفعل ما لم يكن ليُفعل لولاه. ويفهم كم كانت حقيقية وصية بولس: «مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلَاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي ٱلرُّوحِ… لِأَجْلِ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ، وَلِأَجْلِي»، و«وَاظِبُوا عَلَى ٱلصَّلَاةِ… مُصَلِّينَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا». فأن ينسى المرء نفسه، ويحيا لأجل الله وملكوته بين الناس، هو الطريق إلى تعلّم الصلاة بلا انقطاع.
ويجب أن تقترن هذه الحياة المكرّسة لله بالثقة العميقة بأنّ صلاتنا فعّالة. لقد رأينا كيف أنّ ربنا المبارك لم يُلحّ في دروسه عن الصلاة على شيء قدر إلحاحه على الإيمان بالآب إلهًا يفعل ما نطلبه بكل تأكيد. «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا»، أي اعتمد بثقة على الاستجابة: هذا هو عنده بداية تعليمه ونهايته (قارن متى 7:8 ويوحنا 16:24). وبقدر ما يتسلّط علينا هذا اليقين، ويصير أمرًا مستقرًّا أنّ صلواتنا تُحدث أثرًا حقًّا وأنّ الله يفعل ما نطلبه، لا نجرؤ أن نهمل استعمال هذه القوة العجيبة: فتتّجه النفس بكليّتها إلى الله، وتصير حياتنا صلاة. ونرى أنّ الرب يحتاج إلى الوقت ويأخذه، لأننا نحن وكل ما حولنا خلائق الزمن، خاضعون لناموس النمو؛ ولكن إذ نعلم أنه لا يمكن البتّة أن تضيع صلاة إيمان واحدة، وأنه قد تكون أحيانًا حاجة إلى ادّخار الصلاة وتكديسها، وأنّ الصلاة المثابرة لا تُقاوَم، تصير الصلاة العيشَ الهادئ المثابر لحياة اشتياقنا وإيماننا في حضرة إلهنا. آه، لا ندعنّ تفكيرنا بعدُ يحدّ مواعيد الله الحي هذه، الحرّة الأكيدة، ويضعفها، سالبًا إياها قوتها، وسالبًا أنفسنا الثقة العجيبة التي قُصد بها أن تُلهمنا إياها. ليس في الله، ولا في مشيئته المكتومة، ولا في حدود مواعيده، بل فينا، في أنفسنا، يكمن العائق: فنحن لسنا كما ينبغي أن نكون لننال الموعد. لنفتح قلوبنا كلها لكلمات وعد الله بكل بساطتها وحقّها: فهي ستفتّشنا وتذلّلنا، وسترفعنا وتفرّحنا وتقوّينا. وللإيمان الذي يعلم أنه ينال ما يطلبه، ليست الصلاة عملًا أو حملًا، بل فرحًا وانتصارًا؛ إنها تصير ضرورة وطبيعة ثانية.
وهذا الاتحاد بين الشوق القوي والثقة الراسخة ليس شيئًا آخر سوى حياة الروح القدس فينا. فالروح القدس يسكن فينا، ويختبئ في أعماق كياننا، ويحرّك الشوق إلى غير المنظور وإلى الإلهي، إلى الله نفسه. فتارةً بأنّات لا يُنطق بها، وتارةً بيقين واضح واعٍ؛ تارةً بطلبات محدّدة خاصة لأجل إعلان أعمق للمسيح لنا، وتارةً بتوسّلات لأجل نفس، أو عمل، أو الكنيسة، أو العالم، يبقى الروح القدس دائمًا ووحده هو الذي يجذب القلب ليعطش إلى الله، ويشتاق إلى أن يُعرف ويتمجّد. وحيث يحيا ولد الله حقًّا ويسلك بالروح، وحيث لا يرضى بأن يبقى جسديًّا، بل يسعى إلى أن يكون روحيًّا، أداةً لائقة في كل شيء للروح الإلهي ليعلن حياة المسيح والمسيحَ نفسه، هناك لا بدّ أن تُعلن حياة الشفاعة غير المنقطعة التي للابن المبارك نفسها وتتكرّر في اختبارنا. فلأنّ روح المسيح هو الذي يصلّي فينا، لا بدّ أن تُسمع صلاتنا؛ ولأننا نحن الذين نصلّي في الروح، هناك حاجة إلى الوقت والصبر والتجديد المستمر للصلاة، إلى أن يُغلب كل عائق، ويكتمل الانسجام بين روح الله وروحنا.
ولكنّ الأمر الأهم الذي نحتاج إليه لحياة كهذه من الصلاة بلا انقطاع هو أن نعلم أنّ يسوع يعلّمنا أن نصلّي. لقد ابتدأنا نفهم قليلًا ما هو تعليمه هو. ليس إيصال أفكار أو آراء جديدة، ولا كشف الإخفاق أو الخطأ، ولا إثارة الشوق والإيمان، مهما بلغت أهمية هذا كله، بل أخذنا إلى شركة حياة صلاته هو أمام الآب: هذا هو ما به يعلّم يسوع حقًّا. لقد كان منظر يسوع وهو يصلّي هو الذي جعل التلاميذ يشتاقون ويطلبون أن يتعلّموا الصلاة. والإيمان بيسوع المصلّي أبدًا، الذي له وحده القدرة على الصلاة، هو الذي يعلّمنا الصلاة حقًّا. ونحن نعلم لماذا: فالذي يصلّي هو رأسنا وحياتنا. كل ما له هو لنا، ويُعطى لنا متى أعطيناه أنفسنا بالكلية. بدمه يُدخلنا إلى حضرة الله المباشرة. فالقدس الداخلي هو بيتنا، فيه نسكن. والذي يحيا قريبًا هكذا من الله، ويعلم أنه قد قُرّب ليبارك البعيدين، لا يسعه إلا أن يصلّي. فالمسيح يجعلنا شركاء معه في قوة صلاته وحياة صلاته. ونفهم حينئذ أنّ غايتنا الحقيقية يجب ألّا تكون أن نعمل كثيرًا ونصلّي بما يكفي لحفظ العمل سليمًا، بل أن نصلّي كثيرًا ثم نعمل بما يكفي لكي تجد القوة والبركة اللتان ننالهما في الصلاة طريقهما عبرنا إلى الناس. فالمسيح، الحيّ أبدًا ليصلّي، هو الذي يخلّص ويملك. إنه يهب لنا حياة صلاته، ويحفظها فينا إن وثقنا به. إنه الضامن لصلاتنا بلا انقطاع. نعم، يعلّم المسيح الصلاة بأن يُرينا كيف يصلّي هو، وبأن يصلّي فينا، وبأن يقودنا إلى أن نصلّي فيه ومثله. المسيح هو الكل، الحياة والقوة أيضًا لحياة صلاة لا تنقطع.
إنّ رؤية هذا، رؤية المسيح المصلّي أبدًا بوصفه حياتنا، هي التي تمكّننا من أن نصلّي بلا انقطاع. فلأنّ كهنوته هو بحسب قوة حياة لا تزول، حياة القيامة التي لا تذبل ولا تفنى، ولأنّ حياته هي حياتنا، يمكن أن تصير الصلاة بلا انقطاع لنا لا أقلّ من فرح حياة السماء. لذلك يقول الرسول: «ٱفْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ. ٱشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ». فإذ هي محمولة بين الفرح غير المنقطع والحمد غير المنقطع، تكون الصلاة غير المنقطعة إظهارًا لقوة الحياة الأبدية، حيث يسوع يصلّي دائمًا. والاتحاد بين الكرمة والغصن هو بالحقيقة اتحاد صلاة. وأسمى تشبّه بالمسيح، وأبرك اشتراك في مجد حياته السماوية، هو أن نأخذ نصيبًا في عمله، عمل الشفاعة: فهو ونحن نحيا أبدًا لنصلّي. وفي اختبار اتحادنا به، تصير الصلاة بلا انقطاع أمرًا ممكنًا، بل حقيقة، أقدس جزء وأبركه من شركتنا المقدسة المباركة مع الله. إنّ مسكننا داخل الحجاب، في حضرة الآب. فما يقوله الآب نعمله نحن، وما يقوله الابن يعمله الآب. إنّ الصلاة بلا انقطاع هي الإظهار الأرضي للسماء وقد نزلت إلينا، وعربون الحياة التي لا يستريح فيها أهلها نهارًا وليلًا في ترنيمة العبادة والسجود.
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
يا أبي، بكل قلبي أسبّحك على هذه الحياة العجيبة: الصلاة التي لا تنقطع، والشركة التي لا تنقطع، والاستجابات التي لا تنقطع، والاختبار الذي لا ينقطع لوحدتي مع ذاك الذي يحيا أبدًا ليصلّي. يا إلهي! احفظني دائمًا ساكنًا وسالكًا هكذا في حضرة مجدك، حتى تكون الصلاة التعبير التلقائي عن حياتي معك.
أيها المخلّص المبارك! بكل قلبي أسبّحك لأنك جئت من السماء لتشاركني في حاجاتي وصرخاتي، لكي أشاركك أنا في شفاعتك الغالبة على كل شيء. وأشكرك لأنك أخذتني إلى مدرسة الصلاة، لتعلّمني سعادة حياة هي كلها صلاة وقوّتها. وأشكرك أكثر من كل شيء لأنك أخذتني إلى شركة حياتك، حياة الشفاعة، لكي تُوزَّع بركاتك بي أنا أيضًا على من حولي.
أيها الروح القدس! بخشوع عميق أشكرك على عملك فيّ. فبك أُرفع إلى نصيب في الشركة التي بين الابن والآب، وأدخل هكذا إلى شركة حياة الثالوث القدوس ومحبته. يا روح الله! أكمل عملك فيّ؛ وأدخلني إلى اتحاد كامل بالمسيح شفيعي. ولتجعل سكناك الدائم فيّ حياتي حياة شفاعة دائمة. ولتصر حياتي هكذا حياة هي على الدوام لمجد الآب ولبركة من حولي. آمين.
اكتمل الفصل 32
حياة صلاة