فصل 33 · قراءة 25 د
جورج مولر، وسرّ قوّته في الصلاة
حين يشاء الله أن يعلّم كنيسته من جديد حقًّا لا يُفهم ولا يُمارَس، فإنه في الغالب يفعل ذلك بأن يقيم إنسانًا يكون بالقول والعمل شاهدًا حيًّا لبركته. وهكذا أقام الله في هذا القرن التاسع عشر، بين آخرين، جورج مولر ليكون شاهدًا له على أنه حقًّا سامع الصلاة. ولا أعرف طريقًا تُوضَّح به الحقائق الرئيسية في كلمة الله بشأن الصلاة وتُثبَّت على نحو أنجع من استعراض موجز لحياته ولما يرويه عن اختباراته في الصلاة.
وُلد في بروسيا في 25 سبتمبر 1805، فهو الآن في الثمانين من عمره. وكانت حياته الأولى شرّيرة إلى أقصى حدّ، حتى بعد أن التحق بجامعة هاله طالبًا للاهوت. وفي إحدى الأمسيات، وهو في العشرين من عمره بالضبط، اقتاده صديق إلى اجتماع للصلاة، فتأثّر تأثّرًا عميقًا، وما لبث أن عرف المخلّص. وبعد قليل أخذ يقرأ النشرات المرسلية، ومع مرور الوقت قدّم نفسه لجمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود. فقُبل طالبًا، لكنه سرعان ما وجد أنه لا يستطيع أن يخضع في كل شيء لقواعد الجمعية، إذ كانت تترك حرية ضئيلة جدًّا لقيادة الروح القدس. فانحلّت الصلة بينهما سنة 1830 بالتراضي، وصار راعيًا لجماعة صغيرة في تينماوث. وفي سنة 1832 قيد إلى بريستول، وهناك، وهو راعٍ لكنيسة بيت حسدا، قيد إلى عمل ملجأ الأيتام وأعمال أخرى، وفي سياقها قاده الله على نحو عجيب إلى أن يثق بكلمته وأن يختبر كيف يتمّم الله تلك الكلمة.
وبضعة مقتطفات تتعلّق بحياته الروحية ستمهّد الطريق لما نريد بوجه خاص أن ننقله من اختباراته في شأن الصلاة.
«وفي هذا الصدد أودّ أن أذكر أن الرب، بنعمة عظيمة، أعطاني منذ بداية حياتي الإلهية قدرًا من البساطة والروح الطفولية في الأمور الروحية، حتى إني، مع جهلي الشديد بالكتب المقدسة، ومع أني كنت لا أزال أنغلب من حين إلى آخر حتى لخطايا ظاهرة، استطعت أن أحمل أدقّ الأمور إلى الرب في الصلاة. وقد وجدت أن ‹ٱلتَّقْوَى نَافِعَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، إِذْ لَهَا مَوْعِدُ ٱلْحَيَاةِ ٱلْحَاضِرَةِ وَٱلْعَتِيدَةِ›. ومع أني كنت ضعيفًا جدًّا وجاهلًا، صارت لي الآن، بنعمة الله، رغبة ما في نفع الآخرين، وذاك الذي خدم الشيطان يومًا بكل أمانة صار يسعى الآن إلى ربح النفوس للمسيح.»
وفي تينماوث تعلّم كيف يستعمل كلمة الله، وكيف يتّكل على الروح القدس بصفته المعلّم الذي أعطاه الله ليوضح تلك الكلمة. وهو يكتب:—
«ثم بدأ الله يريني أن كلمة الله وحدها هي مقياسنا للحكم في الأمور الروحية، وأنه لا يمكن تفسيرها إلا بالروح القدس، وأنه في أيامنا، كما في الأزمنة السالفة، هو معلّم شعبه. ولم أكن قبل ذلك الوقت قد فهمت عمل الروح القدس فهمًا اختباريًّا.
«وكان لبدء فهمي لهذه النقطة الأخيرة بالذات أثر عظيم فيّ، إذ مكّنني الرب من أن أضعها على محكّ الاختبار، فنحّيت التفاسير وكل كتاب آخر تقريبًا، واكتفيت بقراءة كلمة الله ودراستها.
«وكانت النتيجة أنني في أول مساء أغلقت فيه على نفسي غرفتي لأتفرّغ للصلاة والتأمل في الكتب المقدسة، تعلّمت في ساعات قليلة أكثر مما تعلّمته في أشهر عدّة قبل ذلك.
«ولكن الفرق الخاص كان أنني نلت في ذلك قوة حقيقية لنفسي. وبدأت الآن أمتحن بمحكّ الكتب المقدسة ما كنت قد تعلّمته ورأيته، فوجدت أن المبادئ التي صمدت للامتحان هي وحدها ذات القيمة الحقيقية.»
وعن الطاعة لكلمة الله يكتب ما يلي، في سياق معموديته:—
«لقد سُرّ الله، في رحمته الفائضة، أن يأتي بذهني إلى حالة صرت فيها مستعدًّا أن أطبّق في حياتي كل ما أجده في الكتب المقدسة. واستطعت أن أقول: ‹إني أريد أن أعمل مشيئته›، ولهذا السبب، على ما أعتقد، عرفت ‹ٱلتَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ ٱللهِ›.—وأودّ أن ألاحظ هنا، على سبيل الاستطراد، أن الآية التي أشرت إليها للتوّ (يوحنا 7:17) كانت لي شرحًا عجيبًا جدًّا لكثير من تعاليم إيماننا الأقدس ووصاياه. مثال ذلك: ‹لَا تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلْأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلْآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلَا تَرُدَّهُ … أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ› (متى 5:39-44). ‹بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً› (لوقا 12:33). ‹لَا تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلَّا بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا› (رومية 13:8). وقد يُقال: ‹لا يمكن بالتأكيد أن تؤخذ هذه النصوص بحرفيتها، وإلا فكيف يستطيع شعب الله أن يجتاز العالم؟› إن حالة الذهن التي توصي بها الآية في يوحنا 7:17 كفيلة بأن تزيل مثل هذه الاعتراضات. فكل من كان مستعدًّا أن يعمل بوصايا الرب هذه بحرفيتها، سيُقاد معي، على ما أعتقد، إلى أن يرى أن أخذها بحرفيتها هو مشيئة الله.—والذين يأخذونها هكذا سيؤتى بهم بلا شك مرارًا إلى صعوبات يشقّ على الجسد احتمالها، لكن من شأن هذه أن تجعلهم يشعرون على الدوام بأنهم غرباء ونزلاء هنا، وأن هذا العالم ليس وطنهم، فتلقي بهم أكثر فأكثر على الله، الذي سيعيننا حتمًا في كل صعوبة قد نُساق إليها بسعينا إلى العمل في طاعة كلمته.»
وهذا التسليم المطلق لكلمة الله قاده إلى آراء وتصرّفات معيّنة في شأن المال، كان لها أثر عظيم في حياته اللاحقة. وكانت جذورها في اقتناعه بأن المال وكالة إلهية، وأنه لذلك يجب أن يُقبض كل مال ويُنفق في شركة مباشرة مع الله نفسه. وقاده هذا إلى اتخاذ القواعد الأربع الكبرى الآتية: 1. ألّا يتقاضى راتبًا ثابتًا، لأن جمعه كثيرًا ما كان ينطوي على ما يتعارض مع التقدمة الطوعية التي ينبغي أن تقوم عليها خدمة الله، ولأن في تقاضيه خطر الاعتماد على موارد الدخل البشرية أكثر من الاعتماد على الله الحي نفسه. 2. ألّا يطلب من أي إنسان عونًا قطّ، مهما عظمت الحاجة، بل أن يرفع حاجاته إلى الله الذي وعد بأن يعتني بعبيده ويسمع صلاتهم. 3. أن يأخذ هذه الوصية (لوقا 12:33) بحرفيتها، «بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً»، فلا يدّخر مالًا أبدًا، بل ينفق كل ما يأتمنه الله عليه على فقراء الله، وعلى عمل ملكوته. 4. وأن يأخذ كذلك رومية 13:8، «لَا تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ»، بحرفيتها، فلا يشتري بالدَّين قطّ، ولا يكون مدينًا بشيء، بل يتّكل على الله ليسدّ الحاجة.
ولم تكن طريقة العيش هذه سهلة في البداية. لكن مولر يشهد أنها كانت مباركة جدًّا، إذ كانت تأتي بالنفس إلى الراحة في الله، وتجذبها إلى اتحاد أوثق به حين تميل إلى الارتداد. «فهذا لا ينفع، بل لا يمكن، أن يعيش المرء في الخطية، وفي الوقت نفسه يستنزل من السماء بالشركة مع الله كل ما يحتاج إليه للحياة الحاضرة».
وبعد استقراره في بريستول بقليل، أُسّست «مؤسسة المعرفة الكتابية في الداخل والخارج» لدعم المدارس النهارية ومدارس الأحد والعمل المرسلي وعمل الكتاب المقدس. ومن هذه المؤسسة تفرّع عمل ملجأ الأيتام الذي اشتهر به السيد مولر أكثر من أي شيء آخر. ففي سنة 1834 تأثّر قلبه بحالة يتيم أُتي به إلى المسيح في إحدى المدارس، لكنه اضطُرّ إلى الذهاب إلى دار للفقراء لا يُعتنى فيها بحاجاته الروحية. وبعد ذلك بقليل وقعت بين يديه سيرة فرانكه، فكتب (20 نوفمبر 1835): «اليوم وُضع على قلبي بقوة ألّا أكتفي بعد الآن بأن أفكّر في إنشاء ملجأ للأيتام، بل أن أشرع فيه فعلًا، وقد أكثرت من الصلاة بشأنه لأتبيّن فكر الرب. ليجعل الله الأمر واضحًا.» ثم كتب في 25 نوفمبر: «صلّيت كثيرًا أمس واليوم أيضًا بشأن ملجأ الأيتام، وأنا أزداد اقتناعًا بأنه من الله. ليرشدني برحمته. والأسباب الثلاثة الرئيسية هي: 1. أن يتمجّد الله، إن سُرّ بأن يمدّني بالوسائل، إذ يُرى أن الاتكال عليه ليس أمرًا باطلًا، فيتقوّى بذلك إيمان أولاده. 2. الخير الروحي للأطفال الذين فقدوا الأب والأم. 3. خيرهم الزمني.»
وبعد بضعة أشهر من الصلاة والانتظار أمام الله، استُؤجر بيت يتّسع لثلاثين طفلًا، ومع الوقت ثلاثة بيوت أخرى، تضمّ جميعها 120 طفلًا. واستمر العمل على هذا النحو عشر سنين، وكانت حاجات الأيتام تُطلب من الله وحده وتُنال منه وحده. وكثيرًا ما كان ذلك زمن عوز شديد وصلاة كثيرة، لكن تزكية الإيمان، وهي أثمن من الذهب، وُجدت للمدح والكرامة والمجد لله. كان الرب يعدّ عبده لأمور أعظم. فبعنايته وبروحه القدوس قيد السيد مولر إلى أن يشتهي، وأن ينتظر الله حتى ينال منه، الوعد الأكيد بمبلغ 15,000 جنيه إسترليني لبيت يسع 300 طفل. وافتُتح هذا البيت الأول سنة 1849. وفي سنة 1858 افتُتح بيتان ثانٍ وثالث لـ950 يتيمًا آخرين، بكلفة 35,000 جنيه. وفي سنتي 1869 و1870 بيتان رابع وخامس لـ850 آخرين، بنفقة 50,000 جنيه، فبلغ مجموع الأيتام 2100.
وفضلًا عن هذا العمل، أعطاه الله لأعمال أخرى — لدعم المدارس والإرساليات، ولنشر الكتاب المقدس والنشرات — ما يكاد يعادل ما أعطاه لبناء بيوت الأيتام وإعالتهم. وبلغ كل ما ناله من الله لينفقه في عمله، في هذه السنين الخمسين، أكثر من مليون جنيه إسترليني. ولنلاحظ بانتباه كم كان قليلًا ما عرفه، حين تخلّى عن راتبه الضئيل البالغ 35 جنيهًا في السنة طاعةً لقيادة كلمة الله والروح القدس، عمّا كان الله يعدّ له أن يعطيه مكافأةً للطاعة والإيمان؛ وكيف كانت الكلمة ستتمّ له على نحو عجيب: «كُنْتَ أَمِينًا فِي ٱلْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ».
وهذه الأمور حدثت مثالًا لنا. والله يدعونا أن نكون متمثّلين بجورج مولر كما هو أيضًا بالمسيح. فإلهه هو إلهنا، والمواعيد ذاتها هي لنا، وخدمة المحبة والإيمان ذاتها التي تعب فيها تدعونا من كل جانب. فلندرس، في صلة بدروسنا في مدرسة الصلاة، الطريق الذي به أعطى الله جورج مولر مثل هذه القوة بوصفه رجل صلاة: فسنجد فيه أروع إيضاح لبعض الدروس التي كنا ندرسها مع المعلّم المبارك في الكلمة. وسينطبع فينا بوجه خاص درسه العظيم الأول: أننا إن أتينا إليه في الطريق الذي رسمه، بطلبات محدّدة، يعرّفنا بها الروح من خلال الكلمة على أنها بحسب مشيئة الله، أمكننا أن نؤمن بكل ثقة أن كل ما نطلبه يكون لنا.
الصلاة وكلمة الله.
لقد رأينا أكثر من مرة أن إصغاء الله إلى صوتنا يتوقّف على إصغائنا نحن إلى صوته. (انظر الدرسين 22 و23.) فلا يكفي أن يكون لنا وعد خاص نتمسّك به حين نقدّم طلبة خاصة، بل يجب أن تكون حياتنا كلها تحت سلطان الكلمة: يجب أن تكون الكلمة ساكنة فينا. وشهادة جورج مولر في هذا الأمر بالغة الإفادة. فهو يخبرنا كيف أن اكتشافه للمكانة الحقيقية لكلمة الله، ولتعليم الروح معها، كان بداية عهد جديد في حياته الروحية. ويكتب عن ذلك:—
«وكان المنطق الكتابي يقتضي أن أقول: إن الله نفسه قد تنازل فصار مؤلّفًا، وأنا جاهل بذلك الكتاب الثمين الذي جعل روحه القدوس يُكتب بواسطة عبيده، وهو يحوي ما ينبغي لي أن أعرفه، والذي تقودني معرفته إلى السعادة الحقيقية؛ فعليّ إذن أن أقرأ هذا الكتاب الأثمن، كتاب الكتب هذا، مرة بعد مرة، بكل جدّية، وبكل صلاة، وبتأمل كثير؛ وأن أواظب على ذلك كل أيام حياتي. فقد كنت أدرك، مع أني لم أقرأه إلا قليلًا، أني لا أكاد أعرف منه شيئًا. ولكن بدلًا من أن أفعل ذلك، وبدلًا من أن يقودني جهلي بكلمة الله إلى دراستها أكثر، جعلتني صعوبة فهمها، وقلة ما وجدته فيها من متعة، أتهاون في قراءتها (لأن القراءة الكثيرة المصحوبة بالصلاة لا تمنح معرفة أكثر فحسب، بل تزيد البهجة التي نجدها في القراءة)؛ وهكذا، مثل كثيرين من المؤمنين، فضّلت عمليًّا، في السنين الأربع الأولى من حياتي الإلهية، مؤلفات أناس غير ملهمين على أقوال الله الحي. وكانت النتيجة أني بقيت طفلًا في المعرفة وفي النعمة معًا. أقول في المعرفة، لأن كل معرفة حقيقية يجب أن تُستمد بالروح من الكلمة. ولأني أهملت الكلمة، بقيت نحو أربع سنين جاهلًا إلى حدّ أني لم أكن أعرف بوضوح حتى النقاط الأساسية في إيماننا المقدس. وقد عاقني هذا النقص في المعرفة، على نحو محزن جدًّا، عن السير بثبات في طرق الله. فحين سُرّ الرب في أغسطس 1829 أن يأتي بي حقًّا إلى الكتب المقدسة، تغيّرت حياتي وسلوكي تغيّرًا كبيرًا. ومع أني منذ ذلك الحين قصّرت كثيرًا عمّا كان يمكن ويجب أن أكونه، فقد مُكّنت بنعمة الله من أن أحيا أقرب إليه بكثير مما كنت من قبل. فإن قرأ هذا أحد من المؤمنين الذين يفضّلون عمليًّا كتبًا أخرى على الكتب المقدسة، ويستمتعون بكتابات البشر أكثر بكثير من كلمة الله، فليتّعظ بخسارتي. وسأعدّ هذا الكتاب قد كان وسيلة لخير كثير، إن سُرّ الرب بواسطته أن يقود بعضًا من شعبه إلى ألّا يهملوا الكتب المقدسة بعد، بل أن يعطوها التفضيل الذي أعطوه حتى الآن لكتابات البشر.
«وقبل أن أترك هذا الموضوع، أضيف فقط: إن كان القارئ لا يفهم من كلمة الله إلا القليل، فعليه أن يقرأها كثيرًا جدًّا؛ لأن الروح يفسّر الكلمة بالكلمة. وإن كان لا يستمتع بقراءة الكلمة إلا قليلًا، فذلك بعينه هو السبب الذي يوجب عليه أن يقرأها كثيرًا؛ لأن كثرة قراءة الكتب المقدسة تولّد البهجة بها، حتى إننا كلما قرأناها ازددنا رغبة في قراءتها.
«وفوق كل شيء، عليه أن يسعى إلى أن يستقرّ في ذهنه أن الله وحده، بروحه، يستطيع أن يعلّمه، وأنه لذلك، إذ إن الله يريد أن يُسأل عن البركات، يليق به أن يطلب بركة الله قبل القراءة وفي أثنائها أيضًا.
«وعليه، علاوة على ذلك، أن يستقرّ في ذهنه أنه مع أن الروح القدس هو أفضل معلّم و معلّم كافٍ، فإن هذا المعلّم لا يعلّم دائمًا في الحال متى رغبنا في ذلك، ولذلك قد نحتاج إلى أن نتوسّل إليه مرة بعد مرة لتفسير بعض النصوص؛ لكنه سيعلّمنا حتمًا في النهاية، إن كنا حقًّا نطلب النور بالصلاة والصبر، ونبتغي مجد الله.»
ونجد في يومياته ذكرًا متكرّرًا لقضائه ساعتين وثلاثًا في الصلاة على الكلمة لتغذية حياته الروحية. وكان ثمر ذلك أنه حين كان يحتاج إلى قوة وتشجيع في الصلاة، لم تكن المواعيد المفردة في نظره حججًا كثيرة من كتاب يستعملها مع الله، بل كلمات حية سمع صوت الآب الحي يكلّمه بها، وصار يستطيع الآن أن يحملها إلى الآب بإيمان حي.
الصلاة ومشيئة الله.
من أعظم الصعوبات التي يواجهها المؤمنون الأحداث أن يعرفوا كيف يتبيّنون هل ما يرغبون فيه هو بحسب مشيئة الله. وأنا أعدّ من أثمن الدروس التي يريد الله أن يعلّمها من خلال اختبار جورج مولر، أنه مستعدّ أن يعلن لنا، في أمور لا تذكر كلمته عنها شيئًا مباشرًا، أنها مشيئته لنا، وأن في وسعنا أن نطلبها. إن تعليم الروح — لا بمعزل عن الكلمة ولا ضدها، بل بوصفه شيئًا فوقها وأبعد منها، مضافًا إليها، ولا نقدر بدونه أن نرى مشيئة الله — هو ميراث كل مؤمن. فبالكلمة، وبالكلمة وحدها، يعلّم الروح، إذ يطبّق المبادئ العامة أو المواعيد على حاجتنا الخاصة. والروح، والروح وحده، هو الذي يستطيع حقًّا أن يجعل الكلمة نورًا لسبيلنا، سواء أكان سبيل الواجب في سلوكنا اليومي، أم سبيل الإيمان في اقترابنا إلى الله. فلنحاول أن نلاحظ بأية بساطة طفولية وقابلية للتعلّم أُعلن اكتشاف مشيئة الله لعبده بمثل هذا اليقين والوضوح.
وعن بناء البيت الأول واليقين الذي كان له بأنه مشيئة الله، يكتب في مايو 1850، بعد افتتاحه بقليل، متحدّثًا عن الصعوبات الكبيرة التي كانت قائمة، وعن قلة ما بدا للطبيعة من احتمال زوالها: «ولكن مع أن المنظر الذي أمامي كان سيسحقني لو نظرت إليه نظرة طبيعية، فإنه لم يُسمح لي قطّ ولو لمرة واحدة أن أشكّ في كيف ستكون النهاية. فكما كنت على يقين منذ البداية أن مشيئة الله هي أن أمضي إلى عمل بناء هذا الملجأ الكبير للأيتام من أجله، كذلك كنت منذ البداية واثقًا أن العمل كله سيكتمل، كما لو كان البيت قد امتلأ فعلًا.»
والطريقة التي تبيّن بها مشيئة الله تظهر بوضوح خاص في روايته عن بناء البيت الثاني؛ وأرجو من القارئ أن يدرس بعناية الدرس الذي تحمله هذه الرواية:—
«5 ديسمبر 1850.—في هذه الظروف لا أستطيع إلا أن أصلّي لكي لا يدع الرب، في رحمته الرقيقة، الشيطانَ يظفر بي. وبنعمة الله يقول قلبي: يا رب، لو كنت متيقّنًا أنها مشيئتك أن أتقدّم في هذا الأمر، لفعلت ذلك بسرور؛ ومن جهة أخرى، لو كنت متيقّنًا أن هذه أفكار باطلة وحمقاء ومتكبّرة، وأنها ليست منك، لأبغضتها بنعمتك، ولنحّيتها جانبًا تمامًا.
«رجائي في الله: هو سيعينني ويعلّمني. ولكن إن حكمت بحسب معاملاته السابقة معي، فلن يكون غريبًا عليّ ولا مدهشًا أن يدعوني إلى العمل في هذا الطريق على نطاق أوسع بعد.
«إن الأفكار الخاصة بتوسيع عمل الأيتام لم تنشأ بسبب وفرة من المال وردت مؤخرًا؛ فقد اضطُررت في الآونة الأخيرة أن أنتظر الله نحو سبعة أسابيع، بينما لم يرد إلا القليل، القليل جدًّا نسبيًّا، أي أن ما كان يخرج كان نحو أربعة أضعاف ما يدخل؛ ولولا أن الرب أرسل إليّ من قبل مبالغ كبيرة، لكنا في ضيق شديد حقًّا.
«يا رب! كيف يستطيع عبدك أن يعرف مشيئتك في هذا الأمر؟ ليتك تتفضّل فتعلّمه!
«11 ديسمبر.—في الأيام الستة الماضية، منذ كتبت ما تقدّم، كنت أنتظر الله يومًا بعد يوم في هذا الأمر. وقد كان في الغالب على قلبي طوال النهار بدرجة أو بأخرى. وحين كنت أستيقظ ليلًا، لم يكن بعيدًا عن أفكاري. ومع ذلك كان هذا كله دون أدنى انفعال. فأنا هادئ ساكن تمامًا من جهته. وستفرح نفسي أن تتقدّم في هذه الخدمة، لو كنت متيقّنًا أن الرب يريد مني ذلك؛ لأنه حينئذ، على الرغم من الصعوبات التي لا تُحصى، سيكون كل شيء على ما يرام؛ وسيتعظّم اسمه.
«ومن جهة أخرى، لو تأكّدت أن الرب يريدني أن أكتفي بميدان خدمتي الحالي، وألّا أصلّي من أجل توسيع العمل، لاستطعت بنعمته أن أخضع لذلك بسرور ومن غير عناء؛ لأنه أتى بي إلى حالة قلبية لا أرغب فيها إلا في إرضائه في هذا الأمر. وفوق ذلك، لم أتحدّث حتى الآن في هذا الشأن حتى مع زوجتي الحبيبة، شريكة أفراحي وأحزاني وأتعابي منذ أكثر من عشرين سنة؛ ولا يُرجّح أن أفعل ذلك قبل مدة من الزمن: لأني أفضّل أن أنتظر الرب في هدوء، دون حديث في هذا الموضوع، لكي أُحفظ بذلك بسهولة أكبر، ببركته، من التأثّر بأمور من الخارج. وخلاصة صلاتي في هذا الأمر أن لا يدعني الرب أخطئ، وأن يعلّمني أن أعمل مشيئته.
«26 ديسمبر.—مضى خمسة عشر يومًا منذ كتبت الفقرة السابقة. وفي كل يوم منذ ذلك الحين واظبت على الصلاة في هذا الأمر، وبقدر وافر من الحرارة، بمعونة الله. ولم تكد تمرّ ساعة في هذه الأيام، وأنا مستيقظ، إلا وكان هذا الأمر أمامي بدرجة أو بأخرى. ولكن كل ذلك دون ظلّ من الانفعال. لا أتحدّث فيه مع أحد. وحتى الآن لم أفعل ذلك حتى مع زوجتي العزيزة. فأنا لا أزال أمتنع عن هذا، وأتعامل مع الله وحده في الأمر، لكيلا يمنعني أي تأثير خارجي أو أي انفعال خارجي من بلوغ اكتشاف واضح لمشيئته. ولي أكمل يقين وأعمقه سلامًا أنه سيريني مشيئته بوضوح. وفي هذا المساء كان لي مرة أخرى وقت خاص ومهيب للصلاة، طالبًا أن أعرف مشيئة الله. ولكن بينما أواصل التوسّل والتضرّع إلى الرب ألّا يدعني أنخدع في هذا الأمر، أستطيع أن أقول إنه لا يكاد يبقى في ذهني أي شكّ فيما ستكون العاقبة، أي أن أتقدّم في هذا الأمر. ولكن بما أن هذه من أخطر الخطوات التي اتخذتها في حياتي، أرى أني لا أستطيع أن أتناول هذا الأمر بحذر وصلاة وتروٍّ أكثر مما ينبغي. لست متعجّلًا فيه. وأستطيع أن أنتظر سنين، بنعمة الله، لو كانت هذه مشيئته، قبل أن أخطو خطوة واحدة نحو هذا الأمر، بل قبل أن أتحدّث فيه مع أحد؛ ومن جهة أخرى، كنت سأشرع في العمل غدًا، لو أمرني الرب بذلك. إن هذا الهدوء الذهني، وهذا الخلوّ من أية مشيئة خاصة بي في الأمر، وهذه الرغبة في إرضاء أبي السماوي وحده فيه، وهذا الطلب لكرامته هو لا لكرامتي فيه؛ أقول إن هذه الحالة القلبية هي لي أكمل يقين بأن قلبي ليس تحت انفعال جسدي، وأني، إن أُعنت على المضيّ على هذا النحو، سأعرف مشيئة الله معرفة كاملة. ولكن، وأنا أكتب هذا، لا يسعني إلا أن أضيف في الوقت نفسه أني أشتهي حقًّا كرامة أن يستخدمني الرب أكثر فأكثر وامتيازها المجيد.
«أرغب في أن يُسمح لي بأن أوفّر التعليم الكتابي لألف يتيم، بدلًا من 300. أرغب في أن أشرح الكتب المقدسة بانتظام لألف يتيم، بدلًا من 300. أرغب في أن يظهر بأكثر وفرة بعد أن الله لا يزال سامع الصلاة ومستجيبها، وأنه الإله الحي الآن كما كان دائمًا وكما سيكون دائمًا، حين يتنازل، استجابةً للصلاة وحدها، فيعطيني بيتًا لسبعمئة يتيم ووسائل لإعالتهم. وهذا الاعتبار الأخير هو أهم ما في ذهني. فكرامة الرب هي النقطة الرئيسية عندي في هذا الأمر كله؛ ولأن الأمر كذلك بالضبط، فلو كان يتمجّد أكثر بعدم التقدّم في هذا العمل، لكنت بنعمته راضيًا تمام الرضا أن أتخلّى عن كل تفكير في بيت آخر للأيتام. إنك يقينًا، في مثل هذه الحالة الذهنية التي نلتها بالروح القدس، يا أبي السماوي، لن تدع ولدك يخطئ، فضلًا عن أن ينخدع. وبمعونة الله سأواصل يومًا بعد يوم انتظاره بالصلاة في هذا الأمر، إلى أن يأمرني بالعمل.
«2 يناير 1851.—قبل أسبوع كتبت الفقرة السابقة. وفي هذا الأسبوع ظللت أُعان يومًا بعد يوم، وأكثر من مرة كل يوم، على طلب إرشاد الرب بشأن بيت آخر للأيتام. وظلّت خلاصة صلاتي أن يحفظني في رحمته العظيمة من الخطأ. وفي الأسبوع الماضي جاء سفر الأمثال في مسار قراءتي للكتاب، فانتعش قلبي في شأن هذا الموضوع بالنصوص الآتية: ‹تَوَكَّلْ عَلَى ٱلرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لَا تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ ٱعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ› (أمثال 3:5-6). وأنا بنعمة الله أعرف الرب في كل طرقي، وفي هذا الأمر بوجه خاص؛ فلي إذن اليقين المعزّي بأنه سيقوّم سبلي في شأن هذا الجزء من خدمتي، أي هل أنشغل به أم لا. ثم: ‹اِسْتِقَامَةُ ٱلْمُسْتَقِيمِينَ تَهْدِيهِمْ› (أمثال 11:3). وأنا بنعمة الله مستقيم في هذا الأمر. فقصدي الصادق أن أجلب المجد لله. لذلك أتوقّع أن أُهدى إلى الصواب. ثم: ‹أَلْقِ عَلَى ٱلرَّبِّ أَعْمَالَكَ فَتُثَبَّتَ أَفْكَارُكَ› (أمثال 16:3). وأنا ألقي على الرب أعمالي، ولذلك أتوقّع أن تُثبَّت أفكاري. وقلبي يقترب أكثر فأكثر من يقين هادئ ساكن راسخ بأن الرب سيتنازل فيستخدمني أكثر بعد في عمل الأيتام. ها عبدك يا رب.»
وحين قرّر لاحقًا أن يبني بيتين إضافيين، هما الرابع والخامس، كتب ثانية:—
«مضى اثنا عشر يومًا منذ كتبت الفقرة الأخيرة. وقد مُكّنت يومًا بعد يوم من انتظار الرب في شأن توسيع عمل الأيتام، وكنت طوال هذه المدة أيضًا في سلام كامل، وهو ثمرة طلب كرامة الرب وحدها في هذا الأمر، والخير الزمني والروحي لإخوتي البشر. وأستطيع بنعمته، ومن غير عناء، أن أنحّي كل تفكير في هذه المسألة كلها، لو تأكّدت فقط أن مشيئة الله أن أفعل ذلك؛ ومن جهة أخرى، كنت سأتقدّم في الحال لو أراد هو ذلك. وقد احتفظت بهذا الأمر لنفسي تمامًا. ومع أنه قد مضى الآن نحو سبعة أسابيع وذهني منشغل به يومًا بعد يوم بدرجة أو بأخرى، وأنا أصلّي من أجله كل يوم، فلا يعلم به إنسان واحد. بل لم أذكره بعد حتى لزوجتي العزيزة، لكيلا أتأثّر، وأنا أنتظر الله في هدوء، بما قد يُقال لي في الموضوع. وقد خُصّص هذا المساء بوجه خاص للصلاة، متوسّلًا إلى الرب مرة أخرى ألّا يدعني أخطئ في هذا الأمر، فضلًا عن أن يخدعني إبليس. وقد سعيت أيضًا إلى أن أمرّر في ذهني كل الأسباب التي تعارض بناء بيت آخر للأيتام، وكل الأسباب التي تؤيّده: والآن، طلبًا للوضوح والتحديد، أدوّنها كتابةً. . . .
«ولكن مهما كان ثقل الأسباب التسعة السابقة عندي، فإنها لم تكن لتحسم قراري لولا سبب آخر. وهو هذا: بعد أن قلّبت الأمر أشهرًا، ونظرت إليه من كل جوانبه وبكل صعوباته، ثم قُدت أخيرًا، بعد صلاة كثيرة، إلى أن أقرّر هذا التوسيع، صار ذهني في سلام. فالولد الذي توسّل إلى أبيه السماوي مرة بعد مرة ألّا يدعه ينخدع، بل ألّا يدعه حتى يخطئ، هو في سلام، في سلام كامل، في شأن هذا القرار؛ وله بذلك اليقين بأن القرار الذي انتهى إليه، بعد صلاة كثيرة على مدى أسابيع وأشهر، هو قيادة الروح القدس؛ ولذلك يعتزم أن يتقدّم، مؤمنًا يقينًا أنه لن يُخزى، لأنه يتّكل على الله. قد تكون صعوباته كثيرة وعظيمة؛ وقد تصعد إلى الله ألوف وربوات من الصلوات قبل أن يُنال الجواب الكامل؛ وقد يُحتاج إلى ممارسة كثيرة للإيمان والصبر؛ ولكن في النهاية سيُرى مرة أخرى أن عبده الذي يتّكل عليه لم يُخزَ.»
الصلاة ومجد الله.
لقد سعينا أكثر من مرة إلى تأكيد هذه الحقيقة: أننا بينما نبحث عادةً عن سبب عدم استجابة صلواتنا في أن ما نطلبه ليس بحسب مشيئة الله، فإن الكتاب يحذّرنا أن نجد العلّة في أنفسنا، في أننا لسنا في الحالة الصحيحة، أو لا نطلب بالروح الصحيح. فقد يكون الأمر متّفقًا تمامًا مع مشيئته، أما الطلب، أي روح الطالب، فلا؛ وحينئذ لا نُستجاب. وكما أن الأصل الأكبر لكل خطية هو الذات وطلب الذات، كذلك لا شيء يعوق الله عن الاستجابة، حتى في رغباتنا الأكثر روحانية، مثل هذا: أن نصلّي من أجل لذّتنا أو مجدنا. فالصلاة، لكي تكون ذات قوة وتغلب، يجب أن تطلب مجد الله؛ ولا يستطيع المصلّي ذلك إلا بقدر ما يحيا لمجد الله.
وفي جورج مولر لدينا واحد من أبرز الأمثلة المدوّنة على روح الله القدوس وهو يقود إنسانًا، عن قصد وبانتظام، في مستهلّ مسيرة من الصلاة، إلى أن يجعل تمجيد الله غايته الأولى والوحيدة. فلنتأمّل جيدًا ما يقوله، ولنتعلّم الدرس الذي يريد الله أن يعلّمنا إياه من خلاله:—
«كانت تُعرض عليّ باستمرار حالات تثبت أن من أخصّ ما يحتاج إليه أولاد الله في أيامنا أن يتقوّى إيمانهم.
«ولذلك اشتقت أن يكون لي شيء أشير إليه أمام إخوتي، دليلًا منظورًا على أن إلهنا وأبانا هو الإله الأمين نفسه كما كان دائمًا؛ مستعدّ كما كان دائمًا أن يبرهن أنه الإله الحي في أيامنا كما في الماضي، لكل الذين يتّكلون عليه.
«واشتاقت روحي أن تكون أداة في تقوية إيمانهم، لا بأن أقدّم لهم أمثلة من كلمة الله فقط على استعداده وقدرته على إعانة كل من يعتمد عليه، بل بأن أُريهم بالبراهين أنه هو هو في أيامنا. كنت أعلم أن كلمة الله ينبغي أن تكون كافية، وقد كانت بالنعمة كافية لي؛ ولكني رأيت مع ذلك أن عليّ أن أمدّ يد العون لإخوتي.
«ولذلك رأيت نفسي ملزمًا أن أكون خادمًا لكنيسة المسيح، في النقطة الخاصة التي نلت فيها رحمة؛ أي في القدرة على أن آخذ الله بكلمته وأعتمد عليها. وكانت الغاية الأولى من العمل، ولا تزال: أن يتعظّم الله بكون الأيتام الذين في رعايتي يُزوَّدون بكل ما يحتاجون إليه، بالصلاة والإيمان وحدهما، دون أن يُطلب من أحد شيء؛ حتى يُرى بذلك أن الله لا يزال أمينًا، ولا يزال يسمع الصلاة.
«وقد صلّيت كثيرًا مرة أخرى في هذه الأيام الأخيرة بشأن بيت الأيتام، وفحصت قلبي مرارًا؛ حتى إذا كانت لي أية رغبة في إنشائه إرضاءً لنفسي، أكتشف ذلك. فبما أني لا أرغب إلا في مجد الرب، سأكون مسرورًا أن أتعلّم بواسطة أخي، إن لم يكن الأمر منه.
«حين بدأت عمل الأيتام سنة 1835، كانت غايتي الرئيسية مجد الله، بأن أقدّم برهانًا عمليًّا على ما يمكن إنجازه بواسطة الصلاة والإيمان وحدهما، لكي أنفع بذلك الكنيسة عمومًا، وأقود عالمًا لا مباليًا إلى أن يرى حقيقة أمور الله، بأن أُريهم في هذا العمل أن الإله الحي لا يزال، كما كان قبل 4000 سنة، هو الإله الحي. وقد أُكرمت غايتي هذه بوفرة. فقد تجدّد جموع من الخطاة بهذه الطريقة، وانتفعت جموع من أولاد الله في كل أنحاء العالم بهذا العمل، كما كنت قد توقّعت. وكلما اتّسع العمل عظمت البركة الممنوحة، في الطريق نفسها التي كنت أترقّب فيها البركة: إذ اجتذب العمل انتباه مئات الألوف؛ وجاء ربوات كثيرة ليروه. وهذا كله يقودني إلى الرغبة في أن أواصل العمل على هذا النحو أكثر فأكثر، لكي أجلب مجدًا أعظم بعد لاسم الرب. أن يُنظر إليه، ويُعظَّم، ويُتعجَّب منه، ويُتّكل عليه، ويُعتمد عليه في كل الأوقات، هذه هي غايتي في هذه الخدمة؛ وعلى الخصوص في هذا التوسيع المزمع. ولكي يُرى كم يستطيع إنسان فقير واحد أن يحقّق بالصلاة، بمجرد الاتكال على الله؛ ولكي يُقاد بذلك أولاد آخرون لله إلى القيام بعمل الله في اعتماد عليه؛ ولكي يُقاد أولاد الله إلى أن يتّكلوا عليه أكثر فأكثر في مواقعهم وظروفهم الفردية، لهذا أنا مقود إلى هذا التوسيع الإضافي.»
الصلاة والاتكال على الله.
هناك نقاط أخرى كنت أودّ أن أبيّن ما نجده بشأنها في رواية السيد مولر، لكن نقطة واحدة أخرى يجب أن تكفي. إنها درس الاتكال الثابت الذي لا يتزعزع على وعد الله بوصفه سرّ الصلاة المثابرة. فإن كنا مرة، في خضوع لتعليم الروح في الكلمة، قد تمسّكنا بوعد الله، وآمنّا أن الآب قد سمعنا، فلا يجوز أن ندع أي تأخير أو أية ظواهر غير مواتية تزعزع إيماننا.
«كان الجواب الكامل عن صلواتي اليومية بعيدًا عن التحقّق؛ ومع ذلك منح الرب تشجيعًا وافرًا على المواظبة على الصلاة. ولكن لنفترض أن ما ورد كان أقل بكثير مما ورد فعلًا، فقد كان عليّ مع ذلك، بعد أن انتهيت إلى قراري على أسس كتابية، وبعد صلاة كثيرة وفحص للذات، أن أمضي دون تردّد في ممارسة الإيمان والصبر من جهة هذه الغاية؛ وهكذا ينبغي لجميع أولاد الله، متى اقتنعوا مرة بأن ما يعرضونه على الله في الصلاة هو بحسب مشيئته، أن يواظبوا على صلاة مؤمنة مترقّبة مثابرة إلى أن تُمنح البركة. وهكذا أنا نفسي الآن أنتظر الله لأجل بركات معيّنة توسّلت إليه من أجلها كل يوم مدة عشر سنين وستة أشهر دون انقطاع يوم واحد. ومع ذلك لم يُعطَ بعد الجواب الكامل في شأن تجديد أشخاص معيّنين، مع أني نلت في الأثناء ألوفًا كثيرة من استجابات الصلاة. وقد صلّيت أيضًا كل يوم دون انقطاع من أجل تجديد أشخاص آخرين نحو عشر سنين، ومن أجل آخرين ست سنين أو سبعًا، ومن أجل آخرين ثلاث سنين أو سنتين؛ ولم يُمنح الجواب بعد في شأن أولئك الأشخاص، بينما استُجيبت في الأثناء ألوف كثيرة من صلواتي، وتجدّدت أيضًا نفوس كنت أصلّي من أجلها. وأنا أشدّد على هذا بوجه خاص لفائدة الذين قد يظنّون أني لا أحتاج إلا أن أطلب من الله فأنال في الحال؛ أو أني أستطيع أن أصلّي من أجل أي شيء فيأتي الجواب حتمًا. لا يستطيع المرء أن يتوقّع نيل استجابات إلا للصلوات التي هي بحسب فكر الله؛ وحتى حينئذ قد يُمتحن الصبر والإيمان سنين كثيرة، كما يُمتحن صبري وإيماني في الأمر الذي أشرت إليه؛ ومع ذلك أنا أواظب كل يوم على الصلاة، وأترقّب الجواب، بل أترقّبه بيقين حتى إني كثيرًا ما شكرت الله على أنه سيعطيه حتمًا، مع أن الإيمان والصبر قد امتُحنا هكذا الآن تسع عشرة سنة. تشجّعوا، أيها المسيحيون الأعزاء، على أن تكرّسوا أنفسكم للصلاة بحرارة جديدة، إن كنتم فقط متيقّنين أنكم تطلبون أمورًا لمجد الله.
«ولكن النقطة الأعجب هي هذه: أن مبلغ 6 جنيهات و6 شلنات و6 بنسات من اسكتلندا أكمل لي، على قدر ما يمكن معرفته الآن، كل الوسائل اللازمة لتجهيز بيوت الأيتام الجديدة وإنشائها. ست سنين وثمانية أشهر وأنا يومًا بعد يوم، وفي العادة مرات عدّة في اليوم، أسأل الرب أن يعطيني الوسائل اللازمة لتوسيع عمل الأيتام هذا، التي بلغت، بحسب حسابات أُجريت في ربيع 1861، نحو خمسين ألف جنيه: وقد نلت الآن هذا المبلغ كله. إني أسبّح الرب وأعظّمه لأنه وضع هذا التوسيع للعمل في قلبي، ولأنه أعطاني الشجاعة والإيمان له؛ وفوق كل شيء لأنه عضد إيماني يومًا بعد يوم دون تردّد. وحين ورد الجزء الأخير من المال، لم أكن أكثر يقينًا من جهة المجموع مما كنت في الوقت الذي لم أكن قد نلت فيه تبرّعًا واحدًا لهذا المبلغ الكبير. فقد كنت في البداية، بعد أن تيقّنت مرة من فكره بانتظار لله صبور فاحص للقلب، متيقّنًا تمامًا أنه سيحقّق ذلك، كما لو كان البيتان، بمئات الأيتام الساكنين فيهما، ماثلين أمامي فعلًا. وأبدي هنا بضع ملاحظات لأجل المؤمنين الأحداث في ما يتعلّق بهذا الموضوع: 1. كونوا متمهّلين في اتخاذ خطوات جديدة في خدمة الرب، أو في أعمالكم، أو في عائلاتكم: زنوا كل شيء جيدًا؛ زنوا الكل في نور الكتب المقدسة وفي مخافة الله. 2. اسعوا إلى ألّا تكون لكم مشيئة خاصة، لكي تتبيّنوا فكر الله في أية خطوة تنوون اتخاذها، حتى تستطيعوا أن تقولوا بصدق إنكم مستعدّون أن تعملوا مشيئة الله، إن تفضّل فقط فأرشدكم. 3. ولكن متى تبيّنتم ما هي مشيئة الله، فاطلبوا عونه، واطلبوه بحرارة، وبمثابرة، وبصبر، وبإيمان، وبترقّب؛ وستنالونه حتمًا في وقته وبطريقته.
«إنه لخطأ أن نفترض أن صعوبتنا في المال فقط: فهناك مئات من الحاجات الأخرى ومن الصعوبات الأخرى. ونادرًا ما يمرّ يوم دون صعوبة ما أو حاجة ما؛ بل كثيرًا ما تكون هناك صعوبات كثيرة وحاجات كثيرة يجب مواجهتها والتغلّب عليها في اليوم نفسه. وكل هذه تُواجَه بالصلاة والإيمان، علاجنا الشامل؛ ولم نُخزَ قطّ. إن الصلاة الصبورة المثابرة المؤمنة، المرفوعة إلى الله باسم الرب يسوع، قد جلبت البركة دائمًا، عاجلًا أو آجلًا. ولست أيأس، بنعمة الله، من نيل أية بركة، بشرط أن أتيقّن أنها لخير حقيقي، ولمجد الله.
اكتمل الفصل 33
جورج مولر، وسرّ قوّته في الصلاة