مع المسيح في مدرسة الصلاة
الكلمة والصلاة

فصل 23 · قراءة 7 د

الكلمة والصلاة

«إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ»—يوحنا 15:7.

إنّ الصلة الحيويّة بين الكلمة والصلاة هي من أبسط دروس الحياة المسيحيّة وأوّلها. وكما عبّر عنها ذلك الوثنيّ الحديث الإيمان: أنا أصلّي—فأكلّم أبي؛ وأنا أقرأ—فيكلّمني أبي. فقبل الصلاة، كلمة الله هي التي تهيّئني لها إذ تعلن لي ما أمرني الآب أن أطلبه. وفي الصلاة، كلمة الله هي التي تقوّيني إذ تعطي إيماني سنده وحجّته. وبعد الصلاة، كلمة الله هي التي تأتيني بالاستجابة متى صلّيت، لأنّ الروح فيها يعطيني أن أسمع صوت الآب. فالصلاة ليست كلامًا من طرف واحد بل حوار؛ وأهمّ ما فيها صوت الله جوابًا لصوتي. والإصغاء إلى صوت الله هو سرّ اليقين بأنه سيصغي إلى صوتي. «أَمِلْ أُذُنَكَ… وَٱسْمَعْ»؛ «ٱصْغِي إِلَيَّ»؛ «ٱسْمَعْ لِصَوْتِي»؛ هي كلمات يقولها الله للإنسان كما يقولها الإنسان لله. فإصغاؤه هو يتوقّف على إصغائنا نحن؛ والمدخل الذي تجده كلماته عندي سيكون مقياس قوّة كلماتي عنده. وما تكونه كلمات الله لي هو المحكّ لما يكونه هو نفسه لي، ومن ثَمّ لاستقامة شوقي إليه في الصلاة.

هذه الصلة بين كلمته وصلاتنا هي ما يشير إليه يسوع حين يقول: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». وتتّضح الأهمّيّة العميقة لهذا الحقّ إذا لاحظنا العبارة الأخرى التي حلّت هذه العبارة محلّها. فقد قال يسوع أكثر من مرّة: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ». فثباته هو فينا كان تكملة ثباتنا نحن فيه وتاجه. ولكنه ههنا، بدلًا من «أَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ»، يقول: «أنتم فيّ وكلامي فيكم». فثبات كلماته يعادل ثباته هو نفسه.

يا لها من رؤيا تنفتح لنا ههنا للمكان الذي يجب أن يكون لكلمات الله في المسيح في حياتنا الروحيّة، ولا سيّما في صلاتنا. ففي كلمات الإنسان يعلن نفسه. وفي مواعيده يعطي نفسه، ويربط نفسه بمن يقبل وعده. وفي أوامره يُظهر مشيئته، ويسعى أن يجعل نفسه سيّدًا على من يطالبه بالطاعة، ليقوده ويستخدمه كأنه جزء منه. فبكلماتنا تكون للروح شركة مع الروح، وبها تنتقل روح إنسان إلى آخر وتنقل نفسها إليه. وبكلمات الإنسان، إذا سُمعت وقُبلت، وتُمسِّك بها وأُطيعت، يقدر أن يعطي نفسه لآخر. ولكنّ هذا كلّه بمعنى نسبيّ ومحدود جدًّا.

أما حين يتكلّم الله، الكائن غير المحدود، الذي فيه كلّ شيء حياة وقوّة، وروح وحقّ، بأعمق معاني هذه الكلمات،—حين يعبّر الله عن ذاته في كلماته، فإنه يعطي حقًّا ذاته هو، محبّته وحياته، مشيئته وقوّته، للذين يقبلون هذه الكلمات، عطاءً حقيقيًّا يفوق الإدراك. ففي كلّ وعد يضع ذاته في متناولنا لنمسك به ونمتلكه؛ وفي كلّ أمر يضع ذاته في متناولنا لنشاركه مشيئته وقداسته وكماله. ففي كلمة الله يعطينا الله ذاته هو؛ وكلمته ليست إلا الابن الأزليّ، المسيح يسوع. ولذلك كلّ كلمات المسيح هي كلمات الله، مملوءة حياة إلهيّة محيية وقوّة. «اَلْكَلَامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ».

إنّ الذين جعلوا الصمّ البكم موضوع دراستهم يخبروننا كم تتوقّف القدرة على الكلام على القدرة على السمع، وكيف أنّ فقدان السمع عند الأطفال يتبعه فقدان الكلام أيضًا. وهذا صحيح بمعنى أوسع: فكما نسمع نتكلّم. وهو صحيح بأسمى معنى في تعاملنا مع الله. فأن نقدّم صلاة—أن نعبّر عن رغبات معيّنة ونحتجّ بمواعيد معيّنة—أمر سهل، ويمكن أن يُتعلَّم من الناس بالحكمة البشريّة. أما أن نصلّي بالروح، وأن ننطق بكلمات تبلغ الله وتمسّه، وتؤثّر في قوى العالم غير المنظور وتحرّكها،—فمثل هذه الصلاة، ومثل هذا الكلام، يتوقّفان كلّ التوقّف على سماعنا صوت الله. فبقدر ما نصغي إلى الصوت واللغة اللذين يتكلّم بهما الله، ونقبل في كلمات الله أفكاره وفكره وحياته في قلوبنا، نتعلّم أن نتكلّم بالصوت واللغة اللذين يسمعهما الله. إنما أذن المتعلّم، التي تُوقَظ كلّ صباح، هي التي تهيّئ للسان المتعلّمين، ليتكلّم مع الله ومع الناس كما ينبغي (إشعياء 50:4).

إنّ سماع صوت الله هذا شيء أكثر من الدراسة المتأمّلة للكلمة. فقد تكون هناك دراسة للكلمة ومعرفة بها لا يكون فيها إلا القليل من الشركة الحقيقيّة مع الله الحيّ. ولكن هناك أيضًا قراءة للكلمة، في حضرة الآب عينها، وتحت قيادة الروح، تأتينا فيها الكلمة بقوّة حيّة من الله نفسه؛ فتكون لنا صوت الآب عينه، وشركة شخصيّة حقيقيّة معه. إنه صوت الله الحيّ الذي يدخل القلب، ويأتي بالبركة والقوّة، ويوقظ جواب الإيمان الحيّ الذي يبلغ قلب الله من جديد.

وعلى سماع هذا الصوت تتوقّف القدرة على الطاعة وعلى الإيمان كلتيهما. فالأمر الأهمّ ليس أن نعرف ماذا قال الله إنه يجب أن نفعل، بل أن يكون الله نفسه هو الذي يقوله لنا. ليست الشريعة، ولا الكتاب، ولا معرفة ما هو صواب، هي التي تُنشئ الطاعة، بل تأثير الله الشخصيّ وشركته الحيّة. وكذلك ليست معرفة ما وعد به الله، بل حضور الله نفسه بصفته صاحب الوعد، هو الذي يوقظ الإيمان والثقة في الصلاة. ففي حضرة الله الكاملة وحدها يصير العصيان وعدم الإيمان مستحيلين.

«إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». ونحن نرى ما معنى هذا. ففي الكلمات يعطي المخلّص ذاته. فيجب أن تكون الكلمات فينا، مأخوذة إلى إرادتنا وحياتنا، ومتجسّدة من جديد في طبعنا وسلوكنا. ويجب أن تكون ثابتة فينا: فتكون حياتنا كلّها شرحًا متواصلًا للكلمات التي في داخلنا والتي تملؤنا؛ الكلمات تعلن المسيح في الداخل، وحياتنا تعلنه في الخارج. وإنما حين تدخل كلمات المسيح إلى صميم قلبنا، وتصير حياتنا وتؤثّر فيها، تدخل كلماتنا إلى قلبه وتؤثّر فيه. فصلاتي تتوقّف على حياتي؛ وما تكونه كلمات الله لي وفيّ، تكونه كلماتي لله وفي الله. فإن فعلت ما يقوله الله، فعل الله ما أقوله.

ما أحسن ما فهم قدّيسو العهد القديم هذه الصلة بين كلمات الله وكلماتنا، وما أصدق ما كانت الصلاة عندهم الجواب المحبّ لما سمعوا الله يتكلّم به! فإن كانت الكلمة وعدًا، اعتمدوا على أن يفعل الله كما تكلّم. «ٱفْعَلْ كَمَا نَطَقْتَ»؛ «لِأَنَّكَ أَنْتَ يَا سَيِّدِي ٱلرَّبَّ قَدْ تَكَلَّمْتَ»؛ «حَسَبَ قَوْلِكَ»؛ «حَسَبَ كَلَامِكَ»؛ بمثل هذه العبارات أظهروا أنّ ما تكلّم به الله وعدًا كان أصل ما تكلّموا هم به في الصلاة وحياته. وإن كانت الكلمة أمرًا، فعلوا ببساطة كما تكلّم الرب: «فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ». كانت حياتهم شركة مع الله، وتبادلًا للكلمة والفكر. فما تكلّم به الله سمعوه وعملوه؛ وما تكلّموا به سمعه الله وعمله. وفي كلّ كلمة يكلّمنا بها، يعطي المسيح كلّه ذاته ليتمّمها لنا. ولأجل كلّ كلمة لا يطلب أقلّ من أن نعطي الإنسان كلّه لنحفظ تلك الكلمة، ولننال تتميمها.

«إِنْ… ثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ»؛ الشرط بسيط وواضح. ففي كلماته تُعلَن مشيئته. وإذ تثبت الكلمات فيّ، تسود مشيئته عليّ؛ فتصير إرادتي الإناء الفارغ الذي تملؤه مشيئته، والأداة الطيّعة التي تستعملها مشيئته؛ وهو يملأ كياني الداخليّ. وفي ممارسة الطاعة والإيمان تصير إرادتي أقوى على الدوام، وتُدخَل في انسجام داخليّ أعمق معه. فيقدر أن يأتمنها ائتمانًا كاملًا على ألّا تريد إلا ما يريده هو؛ ولا يخشى أن يعطي الوعد: «إِنْ… ثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». ولكلّ من يؤمن به ويعمل بموجبه سيجعله صادقًا حرفيًّا.

يا تلاميذ المسيح! أليس يتّضح لنا أكثر فأكثر أننا، بينما كنّا نلتمس الأعذار لصلواتنا التي لم تُستجب، ولعجزنا في الصلاة، بخضوع موهوم لحكمة الله ومشيئته، كان السبب الحقيقيّ أنّ حياتنا الضعيفة نفسها هي علّة صلواتنا الضعيفة؟ لا شيء يقدر أن يصنع رجالًا أقوياء إلا الكلمة الآتية إلينا من فم الله: بها يجب أن نحيا. إنّ كلمة المسيح، محبوبةً، ومعاشًا فيها، وثابتةً فينا، وصائرةً بالطاعة والعمل جزءًا من كياننا، هي التي تجعلنا واحدًا مع المسيح، وتؤهّلنا روحيًّا لأن نمسّ الله ونمسك به. كلّ ما هو من العالم يمضي؛ وأمّا الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد. آهٍ، لنسلّم القلب والحياة لكلمات المسيح، الكلمات التي يعطي فيها دائمًا ذاته هو، المخلّص الحيّ الشخصيّ، فيصير وعده اختبارنا الغنيّ: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»!

——0———

أيها الربّ المبارك! لقد كشف لي درسك اليوم حماقتي مرّة أخرى. إنّي أرى لماذا لم تكن صلاتي أكثر إيمانًا وغلبة. فقد كنت منشغلًا بكلامي أنا لك أكثر من كلامك أنت لي. ولم أفهم أنّ سرّ الإيمان هو هذا: لا يمكن أن يكون من الإيمان إلا بقدر ما يسكن في النفس من الكلمة الحيّة.

وقد علّمتني كلمتك ذلك بكلّ وضوح: لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي ٱلِٱسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي ٱلتَّكَلُّمِ؛ لَا يُسْرِعْ قَلْبُكَ إِلَى نُطْقِ كَلَامٍ قُدَّامَ ٱللهِ. يا رب، علّمني أنه بكلمتك مأخوذةً إلى حياتي فقط يمكن أن تؤخَذ كلماتي إلى قلبك؛ وأنّ كلمتك، إن كانت قوّة حيّة في داخلي، ستكون قوّة حيّة لديك؛ وما تكلّم به فمك تكمّله يدك.

يا رب! نجّني من الأذن الغلفاء. أعطني أذن المتعلّم المفتوحة، التي تُوقَظ كلّ صباح لتسمع صوت الآب. وكما كنت أنت لا تتكلّم إلا بما سمعت، ليكن كلامي صدى كلامك لي. «فَلَمَّا دَخَلَ مُوسَى إِلَى خَيْمَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ، كَانَ يَسْمَعُ ٱلصَّوْتَ يُكَلِّمُهُ مِنْ عَلَى ٱلْغِطَاءِ». يا رب، ليكن هكذا معي أنا أيضًا. لتكن حياة وسيرة تحملان العلامة الواحدة، أنّ كلماتك ثابتة فيها وظاهرة، هي التهيئة للبركة الكاملة: «تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل