فصل 24 · قراءة 7 د
الطاعة طريق القوّة في الصلاة
«لَيْسَ أَنْتُمُ ٱخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا ٱخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ ٱلْآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِٱسْمِي»—يوحنا 15:16.
«طَلِبَةُ ٱلْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا»—يعقوب 5:16.
ههنا يتجدّد مرّة أخرى وعد الآب بأن يعطي كلّ ما نطلبه، في سياق يُرينا لمن يُعطى مثل هذا التأثير العجيب في مجلس العليّ. «أَنَا ٱخْتَرْتُكُمْ»، يقول المعلّم، «وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ»؛ ثمّ يضيف: إلى هذه الغاية «لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ ٱلْآبُ»—أنتم الآتين بالثمر—«كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِٱسْمِي». وليس هذا إلا التعبير الأوفى عمّا كان قد قاله في الكلمات: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ». فقد تكلّم عن غاية هذا الثبات بأنها الإتيان «بِثَمَرٍ»، «بِثَمَرٍ أَكْثَرَ»، «بِثَمَرٍ كَثِيرٍ»؛ في هذا يتمجّد الله، وتُرى علامة التلمذة. فلا عجب أن يضيف الآن أنه حيث تُرى حقيقة الثبات في ثمر يفيض ويدوم، يكون هذا هو المؤهّل للصلاة بحيث ننال ما نطلبه. إنّ التكرّس الكامل لتتميم دعوتنا هو شرط الصلاة الفعّالة، وهو المفتاح إلى البركات غير المحدودة التي في مواعيد المسيح العجيبة عن الصلاة.
هناك مسيحيّون يخشون أن يكون مثل هذا القول مناقضًا لعقيدة النعمة المجّانيّة. ولكنه يقينًا لا يناقض النعمة المجّانيّة مفهومةً فهمًا صحيحًا، ولا هذا العدد الكبير من الأقوال الصريحة في كلمة الله المباركة. خذ كلمات القدّيس يوحنا (يوحنا الأولى 3:22): «لنحبّ بالعمل والحقّ؛ وَبِهَذَا… نُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ. وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لِأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ». أو خذ كلمات يعقوب التي كثيرًا ما يُستشهد بها: «طَلِبَةُ ٱلْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا»؛ أي طلبة إنسان يمكن أن يُقال فيه، بحسب تعريف الروح القدس: «مَنْ يَفْعَلُ ٱلْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ». ولاحظ روح الكثير من المزامير، بما فيها من احتكام واثق إلى استقامة المتضرّع وبرّه. ففي المزمور الثامن عشر يقول داود: «يُكَافِئُنِي ٱلرَّبُّ حَسَبَ بِرِّي. حَسَبَ طَهَارَةِ يَدَيَّ يَرُدُّ لِي… وَأَكُونُ كَامِلًا مَعَهُ وَأَتَحَفَّظُ مِنْ إِثْمِي. فَيَرُدُّ ٱلرَّبُّ لِي كَبِرِّي». (مزمور 18:20-26. انظر أيضًا مزمور 7:3-5؛ 15:1، 2؛ 18:3، 6؛ 26:1-6؛ 119:121، 153.) فإذا تأمّلنا بعناية مثل هذه الأقوال في ضوء العهد الجديد، وجدناها في انسجام تامّ مع التعليم الصريح في كلمات المخلّص الوداعيّة: «إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي»؛ «أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ». فالكلمة مقصودة حقًّا بمعناها الحرفيّ: «وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ… لِكَيْ»، إذن، «يُعْطِيَكُمُ ٱلْآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِٱسْمِي».
فلنسعَ إلى الدخول في روح ما يعلّمنا إيّاه المخلّص ههنا. ففي ديانتنا الإنجيليّة خطر النظر أكثر مما ينبغي إلى ما تقدّمه من جانب واحد، بصفته اختبارًا معيّنًا يُنال بالصلاة والإيمان. وهناك جانب آخر تشدّد عليه كلمة الله تشديدًا كبيرًا، هو جانب الطاعة بصفتها الطريق الوحيد إلى البركة. وما نحتاج إليه هو أن ندرك أنّ الشعور الأوّل الذي يجب أن يحرّكنا في علاقتنا بالكائن غير المحدود الذي ندعوه الله، الذي خلقنا وفدانا، هو شعور الخضوع: فالتسليم لسيادته، ولمجده، ولمشيئته، ولمسرّته، يجب أن يكون الفكر الأوّل والأعلى في حياتنا. فليس السؤال كيف ننال رضاه ونتمتّع به، لأنه قد تكون الذات لا تزال في هذا هي الأمر الرئيسيّ. بل ما يطالب به هذا الكائن بحقّ، بحكم طبيعة الأمور نفسها، وما هو مستحقّه استحقاقًا لا حدّ له ولا يُنطق به، هو أن يكون مجده ومسرّته غايتي الوحيدة. إنّ التسليم لمشيئته الكاملة المباركة، وحياة الخدمة والطاعة، هما جمال السماء وبهاؤها. الخدمة والطاعة: هذان هما الفكران اللذان كانا أعلى ما في ذهن الابن حين سكن على الأرض. الخدمة والطاعة: هذان يجب أن يصيرا عندنا أوّل ما نشتهيه ونقصده، أكثر من الراحة أو النور، أو الفرح أو القوّة: ففيهما نجد الطريق إلى كلّ الغبطة الأسمى التي تنتظرنا.
لاحظ فقط أيّ مكان بارز يعطيها المعلّم، لا في الأصحاح الخامس عشر فقط، في صلتها بالثبات، بل في الأصحاح الرابع عشر أيضًا، حيث يتكلّم عن سكنى الله الثالوث. ففي العدد 15 نجدها: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَٱحْفَظُوا وَصَايَايَ، فيُعطى لكم الروح من الآب». ثمّ العدد 21: «اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ ٱلَّذِي يُحِبُّنِي»؛ ويكون له محبّة أبي الخاصّة مستقرّة عليه، وإظهاري الخاصّ لذاتي. ثمّ أيضًا العدد 23، أحد أسمى كلّ المواعيد العظمى والثمينة: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلَامِي… وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا». أيمكن أن تقول الكلمات بوضوح أكثر إنّ الطاعة هي الطريق إلى سكنى الروح، وإلى إعلانه الابن في داخلنا، وإلى تهيئته إيّانا من جديد لنكون مسكنًا، بيتًا للآب؟ إنّ سكنى الله الثالوث هي ميراث الذين يطيعون. فالطاعة والإيمان ليسا إلا وجهين لفعل واحد،—التسليم لله ولمشيئته. وكما أنّ الإيمان يقوّي للطاعة، فهو بدوره يتقوّى بها: بالأعمال يُكمَل الإيمان. ويُخشى أن تكون جهودنا للإيمان قد ذهبت في كثير من الأحيان سدى لأننا لم نتّخذ الموقف الوحيد الذي يكون فيه الإيمان الكبير مشروعًا أو ممكنًا،—موقف التسليم الكامل لكرامة الله ومشيئته. إنما الإنسان المكرَّس بالتمام لله ولمشيئته هو الذي سيجد القوّة تأتيه ليطالب بكلّ ما وعد إلهه أن يكونه له.
إنّ تطبيق هذا في مدرسة الصلاة بسيط جدًّا، ولكنه مهيب جدًّا. «أَنَا ٱخْتَرْتُكُمْ»، يقول المعلّم، «وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ»، ثمرًا كثيرًا (العددان 5، 8)، «وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ»، أي أن تكون حياتكم حياة ثمر دائم وإثمار دائم، «لِكَيْ» هكذا، إذ أنتم أغصان مثمرة ثابتة فيّ، «يُعْطِيَكُمُ ٱلْآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِٱسْمِي». آهٍ، كم مرّة سعينا إلى أن نقدر أن نصلّي الصلاة الفعّالة طالبين نعمة كثيرة لنأتي بالثمر، وتعجّبنا من أنّ الاستجابة لم تأتِ. ذلك لأننا كنّا نقلب ترتيب المعلّم. فقد أردنا أن تكون لنا التعزية والفرح والقوّة أوّلًا، لكي نعمل العمل بسهولة ودون أيّ شعور بالصعوبة أو بإنكار الذات. وهو أرادنا أن نعمل ما قاله بالإيمان، في طاعة الإيمان، دون أن نسأل هل نشعر بالضعف أو بالقوّة، وهل العمل صعب أو سهل: فكان طريق الإتيان بالثمر سيقودنا إلى مكان الصلاة الغالبة وقوّتها. فالطاعة هي الطريق الوحيد الذي يقود إلى مجد الله. لا الطاعة بدلًا من الإيمان، ولا الطاعة لتسدّ نقائص الإيمان؛ كلّا، بل طاعة الإيمان هي التي تفتح الطريق إلى كلّ البركات التي لإلهنا لنا. فمعموديّة الروح (يوحنا 14:16)، وإظهار الابن (يوحنا 14:21)، وسكنى الآب (يوحنا 14:23)، والثبات في محبّة المسيح (يوحنا 15:10)، وامتياز صداقته المقدّسة (يوحنا 15:14)، وقوّة الصلاة الغالبة في كلّ شيء (يوحنا 15:16)،—كلّها تنتظر المطيعين.
فلنأخذ الدروس إلى قلوبنا. الآن نعرف السبب العظيم لكوننا لم تكن لنا القوّة في الإيمان لنصلّي صلاة غالبة. فحياتنا لم تكن كما ينبغي أن تكون: فالطاعة البسيطة الصريحة، والإثمار الدائم، لم يكونا سمتها الرئيسيّة. ونحن نستحسن بكلّ قلوبنا الترتيب الإلهيّ: إنّ الناس الذين سيعطيهم الله مثل هذا التأثير في تدبير العالم، حتى يفعل بطلبتهم ما لم يكن ليحدث لولاها، الناس الذين تكون إرادتهم هي التي ترسم الطريق الذي تعمل فيه مشيئة الله، يجب أن يكونوا أناسًا قد تعلّموا هم أنفسهم الطاعة، ويجب أن يكون ولاؤهم وخضوعهم للسلطان فوق كلّ شبهة. إنّ نفسنا كلّها تستحسن الناموس: الطاعة والإتيان بالثمر هما الطريق إلى الصلاة الغالبة. وبخجل نعترف كم قليلًا حملت حياتنا حتى الآن هذا الطابع.
فلنسلّم أنفسنا لنقبل التعيين الذي يعطينا إيّاه المخلّص. لنتأمّل في علاقته بنا بصفته السيّد. ولا نعد نسعى مع كلّ يوم جديد إلى التفكير أوّلًا في التعزية أو الفرح أو البركة. بل ليكن الفكر الأوّل: أنا ملك للسيّد. ففي كلّ لحظة وكلّ حركة يجب أن أعمل بصفتي ملكه، وجزءًا منه، وواحدًا لا يطلب إلا أن يعرف مشيئته ويعملها. خادم، بل عبد ليسوع المسيح،—ليكن هذا هو الروح الذي يحرّكني. وإن كان يقول: «لَا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا… لَكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ»، فلنقبل مكان الأحبّاء: «أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ».
إنّ الأمر الوحيد الذي يوصينا به بصفتنا أغصانه هو أن نأتي بالثمر. فلنحيَ لنكون بركة للآخرين، ولنشهد للحياة والمحبّة اللتين في يسوع. لنعطِ حياتنا كلّها، بالإيمان والطاعة، لما اختارنا يسوع له وأقامنا لأجله—الإتيان بالثمر. وإذ نفكّر في اختياره إيّانا لهذا، ونقبل تعييننا بصفته آتيًا من ذاك الذي يعطي دائمًا كلّ ما يطلبه، سنتقوّى في الثقة بأنّ حياة الإتيان بالثمر، الفائض والدائم، في متناولنا. وسنفهم لماذا يمكن أن يكون هذا الإتيان بالثمر وحده الطريق إلى مكان الصلاة الغالبة في كلّ شيء. إنما الإنسان الذي يبرهن، في طاعته لمسيح الله، على أنه يعمل ما يريده ربّه، هو الذي سيعمل له الآب كلّ ما يريد: «وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لِأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ».
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
أيها المعلّم المبارك! علّمني أن أدرك إدراكًا تامًّا ما لا أدركه إلا جزئيًّا: أننا إنما بمشيئة الله، مقبولةً ومعمولًا بها في طاعة وصاياه، ننال القوّة لنمسك بمشيئته في مواعيده ولنمتلكها امتلاكًا تامًّا في صلواتنا. وعلّمني أنه في طريق الإتيان بالثمر يمكن أن يكمل نموّ الغصن الأعمق في الكرمة، ونبلغ الوحدة الكاملة معك أنت التي فيها نطلب ما نريد.
يا رب! أعلن لنا، نطلب إليك، كيف أنه مع كلّ أجناد السماء، ومعك أنت الابن على الأرض، ومع كلّ رجال الإيمان الذين مجّدوك على الأرض، تكون الطاعة لله أسمى امتيازاتنا، لأنها تفتح لنا الطريق إلى الوحدة معه في ما هو أسمى مجده—مشيئته الكاملة كلّ الكمال. وأعلن لنا، نطلب إليك، كيف أنه بحفظ وصاياك والإتيان بالثمر بحسب مشيئتك، تنمو طبيعتنا الروحيّة إلى قامة الإنسان الكامل، ولها القوّة أن تطلب وتنال كلّ ما نريد.
أيها الربّ يسوع! أعلن لنا ذاتك، وحقيقة قصدك وقدرتك على أن تجعل مواعيدك العجيبة هذه الاختبار اليوميّ لكلّ الذين يسلّمون أنفسهم بالتمام لك ولكلماتك. آمين.
اكتمل الفصل 24
الطاعة طريق القوّة في الصلاة