مع المسيح في مدرسة الصلاة
المعلّم الوحيد

فصل 2 · قراءة 7 د

المعلّم الوحيد

«وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ، لَمَّا فَرَغَ، قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ: يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»—لوقا 11:1.

لقد كان التلاميذ مع المسيح، ورأوه يصلّي. وتعلّموا أن يفهموا شيئًا من الصلة بين حياته العجيبة أمام الناس وحياته الخفيّة في الصلاة. وتعلّموا أن يؤمنوا به معلّمًا في فنّ الصلاة، فما كان أحد يقدر أن يصلّي مثله. ولذلك جاءوا إليه بهذا الطلب: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». ولو سألناهم بعد سنين لأخبرونا أنّه لم يكن فيما علّمهم إلّا القليل ممّا هو أعجب أو أكثر بركةً من دروسه في الصلاة.

ولا يزال الأمر إلى الآن هكذا: بينما هو يصلّي في موضع، يشعر التلاميذ الذين يرونه منشغلًا بذلك بالحاجة إلى أن يكرّروا الطلب عينه: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». وكلّما نمونا في الحياة المسيحيّة، صار التفكّر في المعلّم الحبيب، والإيمان به في شفاعته التي لا تنقطع، أثمنَ فأثمن، وصار الرجاء في أن نكون على شبه المسيح في شفاعته يجتذبنا اجتذابًا لم نعرفه من قبل. وإذ نراه يصلّي، ونذكر أنّه ليس أحد يقدر أن يصلّي مثله، ولا أحد يقدر أن يعلّم مثله، نشعر أنّ طلبة التلاميذ: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»، هي بعينها ما نحتاج إليه. ومتى فكّرنا كيف أنّ كلّ ما هو عليه وكلّ ما يملكه هو لنا، وكيف أنّه هو نفسه ملكنا، وكيف أنّه هو نفسه حياتنا، أيقنّا أنّه ليس علينا إلّا أن نطلب، وأنّه سيُسرّ بأن يرفعنا إلى شركة أوثق معه، ويعلّمنا أن نصلّي كما يصلّي هو.

هلمّوا يا إخوتي! أفلا نذهب إلى المعلّم المبارك ونسأله أن يقيّد أسماءنا نحن أيضًا من جديد في تلك المدرسة التي يبقيها مفتوحةً على الدوام لمن يشتاقون أن يواصلوا دراستهم في الفنّ الإلهيّ، فنّ الصلاة والشفاعة؟ نعم، لنقل للمعلّم في هذا اليوم عينه، كما قالوا قديمًا: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». وإذ نتأمّل، سنجد كلّ كلمة من الطلبة التي نرفعها مملوءةً معنًى.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». نعم، أن نصلّي. هذا ما نحتاج أن نتعلّمه. فمع أنّ الصلاة في بداياتها بسيطة حتّى إنّ أضعف طفل يقدر أن يصلّي، فهي في الوقت نفسه أسمى عمل وأقدسه يمكن للإنسان أن يرتقي إليه. إنّها شركة مع غير المنظور، القدّوس الأعظم. لقد وُضعت قوى العالم الأبديّ تحت تصرّفها. إنّها جوهر الديانة الحقيقيّة ذاته، وقناة كلّ البركات، وسرّ القوّة والحياة. فلا لأجلنا فقط، بل لأجل الآخرين، ولأجل الكنيسة، ولأجل العالم، أعطى الله الصلاةَ الحقَّ في أن تتمسّك به وبقوّته. فعلى الصلاة تنتظر المواعيدُ تحقيقَها، والملكوتُ مجيئَه، ومجدُ الله استعلانَه الكامل. وما أكسلنا وأقلّ أهليّتنا لهذا العمل المبارك! إنّ روح الله وحده يقدر أن يمكّننا من أن نعمله كما ينبغي. وما أسرع ما ننخدع فنستريح إلى الصورة بينما القوّة غائبة. تربيتنا الأولى، وتعليم الكنيسة، وسلطان العادة، وتحرّك العواطف — ما أسهل أن تقودنا هذه كلّها إلى صلاة لا قوّة روحيّة فيها ولا تجدي إلّا قليلًا. أمّا الصلاة الحقيقيّة، التي تتمسّك بقوّة الله، والتي تقتدر كثيرًا، والتي تُفتح لها أبواب السماء حقًّا على مصاريعها — فمَن لا يصرخ: آه، ليت أحدًا يعلّمني أن أصلّي هكذا!

لقد فتح يسوع مدرسةً يدرّب فيها مفدييه، الذين يرغبون في ذلك رغبةً خاصّة، على أن تكون لهم قوّة في الصلاة. أفلا ندخلها بهذه الطلبة: يا ربّ! هذا بعينه ما نحتاج أن نتعلّمه! آه، علّمنا أن نصلّي.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». نعم، نحن، يا ربّ. لقد قرأنا في كلمتك بأيّة قوّة كان شعبك المؤمن قديمًا يصلّي، وأيّة عجائب عظيمة صُنعت استجابةً لصلواتهم. فإن كان هذا قد جرى في العهد القديم، في زمن التمهيد، فكم بالحريّ تعطي شعبك الآن، في أيّام التمام هذه، هذه العلامة الأكيدة على حضورك في وسطهم! لقد سمعنا المواعيد التي أُعطيت لرسلك عن قوّة الصلاة باسمك، ورأينا كيف اختبروا صدقها بمجد: ونحن نعلم يقينًا أنّها يمكن أن تصدق فينا نحن أيضًا. ولا نزال نسمع حتّى في هذه الأيّام بأيّة دلائل مجيدة على قوّتك لا تزال تعطيها للذين يثقون بك ثقةً كاملة. يا ربّ! هؤلاء جميعًا أناسٌ تحت الآلام مثلنا؛ فعلّمنا نحن أيضًا أن نصلّي هكذا. المواعيد لنا، وقوى العالم السماويّ ومواهبه لنا. آه، علّمنا نحن أن نصلّي حتّى ننال بفيض. إلينا نحن أيضًا ائتمنتَ عملك، وعلى صلاتنا نحن أيضًا يتوقّف مجيء ملكوتك، وبصلاتنا نحن أيضًا تقدر أن تمجّد اسمك؛ «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». نعم، نحن يا ربّ؛ نقدّم أنفسنا تلاميذ؛ ونريد حقًّا أن نتعلّم منك. «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». نعم، إنّنا نشعر الآن بالحاجة إلى أن نُعلَّم الصلاة. ففي البداية لا يبدو عملٌ أبسط منها، وفيما بعد لا عمل أصعب منها؛ فيُنتزع منّا الاعتراف: إنّنا لسنا نعلم ما نصلّي لأجله كما ينبغي. صحيح أنّ لنا كلمة الله بمواعيدها الواضحة الأكيدة، لكنّ الخطيّة أظلمت ذهننا حتّى إنّنا لا نعرف دائمًا كيف نطبّق الكلمة. ففي الأمور الروحيّة لا نطلب دائمًا ما هو ألزم، أو نقصّر في الصلاة بحسب ناموس المقدس. وفي الأمور الزمنيّة نحن أقلّ قدرةً بعدُ على الانتفاع بالحرّيّة العجيبة التي أعطانا إيّاها أبونا لنطلب ما نحتاج إليه. وحتّى حين نعرف ماذا نطلب، ما أكثر ما يلزم بعدُ لتكون الصلاة مقبولة. فلا بدّ أن تكون لمجد الله، في تسليم كامل لمشيئته، وفي يقين الإيمان الكامل، وباسم يسوع، وبمثابرة ترفض، إن لزم الأمر، أن تُردّ خائبة. وهذا كلّه لا بدّ أن يُتعلَّم. ولا يمكن أن يُتعلَّم إلّا في مدرسة الصلاة الكثيرة، لأنّ الممارسة تصنع الإتقان. ففي وسط الشعور المؤلم بالجهل وعدم الاستحقاق، وفي الصراع بين الإيمان والشكّ، يُتعلَّم الفنّ السماويّ، فنّ الصلاة الفعّالة. ذلك لأنّه، حتّى حين لا نتذكّر ذلك، يوجد واحد، رئيس الإيمان والصلاة ومكمّلهما، يسهر على صلاتنا، ويحرص على أن تُكمَّل تربية كلّ الذين يثقون به لأجل ذلك في مدرسة الصلاة. فلتكن فقط النغمة العميقة الخفيّة في كلّ صلاتنا هي روح التعلّم التي تنبع من الشعور بالجهل، ومن الإيمان به معلّمًا كاملًا، ولنا أن نثق بأنّنا سنُعلَّم، وسنتعلّم أن نصلّي بقوّة. نعم، لنا أن نعتمد على ذلك: إنّه يعلّم الصلاة.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». ليس أحد يعلّم مثل يسوع، ولا أحد سوى يسوع؛ لذلك ندعوه: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ». التلميذ يحتاج إلى معلّم يعرف عمله، وله موهبة التعليم، وينزل بصبر ومحبّة إلى حاجات تلميذه. تبارك الله! إنّ يسوع هو هذا كلّه وأكثر بكثير. إنّه يعرف ما هي الصلاة. إنّ يسوع، وهو نفسه يصلّي، هو الذي يعلّم الصلاة. إنّه يعرف ما هي الصلاة. لقد تعلّمها في وسط تجارب حياته على الأرض ودموعها. وفي السماء لا تزال عمله المحبوب: فحياته هناك صلاة. ولا شيء يُبهجه أكثر من أن يجد أولئك الذين يستطيع أن يأخذهم معه إلى حضرة الآب، ويُلبسهم قوّةً ليستنزلوا بالصلاة بركة الله على من حولهم، ويدرّبهم ليكونوا شركاءه في العمل، في الشفاعة التي بها سيُعلَن الملكوت على الأرض. إنّه يعرف كيف يعلّم: تارةً بإلحاح الحاجة المحسوسة، وتارةً بالثقة التي يبعثها الفرح؛ هنا بتعليم الكلمة، وهناك بشهادة مؤمن آخر يعرف ما معنى أن تُستجاب الصلاة. وبروحه القدّوس له مدخل إلى قلبنا، فيعلّمنا أن نصلّي بأن يُرينا الخطيّة التي تعوق الصلاة، أو بأن يعطينا اليقين بأنّنا نُرضي الله. إنّه يعلّم لا بأن يعطينا أفكارًا عمّا نطلب أو كيف نطلب فحسب، بل بأن ينفخ فينا روح الصلاة ذاته، وبأن يحيا فينا بوصفه الشفيع العظيم. ولنا حقًّا، وبأعظم فرح، أن نقول: «مَنْ مِثْلُهُ مُعَلِّمًا؟» لم يعلّم يسوع تلاميذه قطّ كيف يعظون، بل كيف يصلّون فقط. لم يتكلّم كثيرًا عمّا يلزم للوعظ الجيّد، بل تكلّم كثيرًا عن الصلاة الجيّدة. فأن تعرف كيف تكلّم الله أعظم من أن تعرف كيف تكلّم الناس. ليست القوّة لدى الناس، بل القوّة لدى الله هي الأمر الأوّل. إنّ يسوع يحبّ أن يعلّمنا كيف نصلّي.

ما رأيكم يا رفقائي التلاميذ الأحبّاء! أليس هذا بعينه ما نحتاج إليه: أن نسأل المعلّم أن يعطينا طوال شهر سلسلةً من الدروس الخاصّة في فنّ الصلاة؟ وإذ نتأمّل في الكلمات التي نطق بها على الأرض، لنُسلم أنفسنا لتعليمه بثقة كاملة بأنّنا، مع معلّم كهذا، سنتقدّم. ولنأخذ وقتًا لا للتأمّل فقط بل للصلاة أيضًا، لنمكث عند موطئ العرش، ونتدرّب على عمل الشفاعة. ولنفعل ذلك واثقين بأنّه، في وسط تلعثمنا ومخاوفنا، يمضي في عمله على أجمل وجه. سينفخ فينا حياته هو، التي هي كلّها صلاة. وكما يجعلنا شركاء في برّه وفي حياته، سيجعلنا شركاء في شفاعته أيضًا. وبوصفنا أعضاء جسده، كهنوتًا مقدّسًا، سنشترك في عمله الكهنوتيّ، عمل التوسّل والغلبة لدى الله من أجل الناس. نعم، لنقل بأعظم فرح، مع أنّنا جهّال وضعفاء: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»

أيّها الربّ المبارك، يا من أنت حيّ في كلّ حين لتصلّي! إنّك تقدر أن تعلّمني أنا أيضًا أن أصلّي، وأن أحيا أنا أيضًا مصلّيًا على الدوام. وفي هذا تحبّ أن تُشركني في مجدك في السماء: أن أصلّي بلا انقطاع، وأن أقف دائمًا كاهنًا في حضرة إلهي.

أيّها الربّ يسوع! أسألك في هذا اليوم أن تقيّد اسمي بين الذين يعترفون بأنّهم لا يعلمون ما يصلّون لأجله كما ينبغي، وأطلب منك خصوصًا سلسلةً من التعليم في الصلاة. يا ربّ! علّمني أن أمكث معك في المدرسة، وأن أعطيك وقتًا لتدرّبني. ليت شعورًا عميقًا بجهلي، وبامتياز الصلاة وقوّتها العجيبين، وبحاجتي إلى الروح القدس روحًا للصلاة، يقودني إلى أن أطرح عنّي أفكاري فيما أظنّ أنّي أعرفه، ويجعلني أجثو أمامك في روح التعلّم الحقيقيّة ومسكنة الروح.

واملأني، يا ربّ، بالثقة أنّي مع معلّم مثلك سأتعلّم أن أصلّي. وإذ أنا على يقين أنّ لي معلّمًا هو يسوع، الذي يصلّي للآب على الدوام، وبصلاته يدبّر مصائر كنيسته والعالم، فلن أخاف. فكلّ ما أحتاج أن أعرفه من أسرار عالم الصلاة ستكشفه لي. وحين لا يكون لي أن أعرف، ستعلّمني أن أتقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا لله.

أيّها الربّ المبارك! إنّك لن تُخزي تلميذك الذي يثق بك، ولا هو، بنعمتك، يريد أن يُخزيك. آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل