مع المسيح في مدرسة الصلاة
مقدّمة

فصل 1 · قراءة 4 د

مقدّمة

من بين جميع المواعيد المقترنة بالوصية: «اُثْبُتُوا فِيَّ»، ليس فيها وعدٌ أسمى، ولا وعدٌ يستخرج منّا أسرعَ من غيره هذا الاعتراف: «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا»، من هذا الوعد: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ … تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ» فالقوّة لدى الله هي أسمى ما تبلغه حياة الثبات الكامل.

ومن بين جميع سمات الحياة التي على شبه المسيح، ليس فيها ما هو أسمى وأمجد من أن نصير على شبهه في العمل الذي يشغله الآن بلا انقطاع في حضرة الآب، أي شفاعته الغالبة في كلّ شيء. وكلّما ثبتنا فيه أكثر، ونمونا إلى صورته، عملت حياته الكهنوتيّة فينا بقوّة، وصارت حياتنا ما هي حياته: حياةً تتوسّل على الدوام من أجل الناس وتغلب.

«وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً». ففي الملك وفي الكاهن كليهما، الأمر الأوّل هو القوّة والتأثير والبركة. في الملك هي القوّة النازلة إلى أسفل، وفي الكاهن هي القوّة الصاعدة إلى فوق، الغالبة لدى الله. وفي كاهننا الملك المبارك، يسوع المسيح، تقوم القوّة الملوكيّة على القوّة الكهنوتيّة: «يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى ٱلتَّمَامِ … إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ». ولا يختلف الأمر فينا نحن، كهنته وملوكه: ففي الشفاعة ينبغي للكنيسة أن تجد أعظم قوّتها وتستعملها، وفيها ينبغي لكلّ عضو في الكنيسة أن يُثبت أنّه من نسل إسرائيل، الذي جاهد كرئيسٍ مع الله والناس وقدر.

لقد كُتب هذا الكتاب تحت انطباع عميق بأنّ مكانة الصلاة وقوّتها في الحياة المسيحيّة لا تزالان قليلتَي الفهم. وإنّي لعلى يقين أنّنا ما دمنا ننظر إلى الصلاة أوّلًا بوصفها وسيلةً لحفظ حياتنا المسيحيّة الخاصّة، فلن نعرف معرفةً كاملة ما قُصد لها أن تكون. أمّا حين نتعلّم أن نعدّها أسمى جزء من العمل المؤتمنين عليه، وأصلَ كلّ عمل آخر وقوّتَه، فسنرى أنّه ليس شيءٌ نحن أحوج إلى أن ندرسه ونمارسه من فنّ الصلاة كما ينبغي. فإن كنتُ قد وُفّقت ولو قليلًا في إبراز تعليم ربّنا المتدرّج في شأن الصلاة، والصلة الواضحة بين المواعيد العجيبة التي قيلت في الليلة الأخيرة (يوحنا 14–16) وبين الأعمال التي علينا أن نعملها باسمه، والأعمالِ الأعظم، والإتيانِ بثمر كثير، فسنقرّ جميعًا بأنّنا لا نستطيع أن نتوقّع أن تُظهر قوّة المسيح نفسها لأجل الكنيسة إلّا حين تُسلم الكنيسة نفسها لهذا العمل المقدّس، عمل الشفاعة. وصلاتي أن يستخدم الله هذا الكتاب الصغير ليوضح لبعض أولاده ذلك المقام العجيب من القوّة والتأثير الذي ينتظرهم أن يشغلوه، والذي ينتظره أيضًا عالمٌ مُتعَب.

وفي صلة بهذا، ثمّة حقيقة أخرى تجلّت لي بوضوح عجيب وأنا أدرس تعليم يسوع عن الصلاة، وهي: أنّ الآب ينتظر أن يسمع كلّ صلاة إيمان، وأن يعطينا كلّ ما نريد، وكلّ ما نطلبه باسم يسوع. لقد اعتدنا أن نحدّ من محبّة إلهنا العجيبة ومواعيده الواسعة حتّى صرنا لا نقدر أن نقرأ أبسط أقوال ربّنا وأوضحها من دون العبارات المقيِّدة التي نحوطها بها ونفسّرها. وإن كان ثمّة أمر واحد أظنّ أنّ الكنيسة تحتاج أن تتعلّمه، فهو أنّ الله يقصد أن يكون للصلاة جواب، وأنّه لم يخطر على بال إنسان ما سيعمله الله لابنه الذي يسلّم نفسه للإيمان بأنّ صلاته ستُسمع. الله يسمع الصلاة؛ هذه حقيقة يُقرّ بها الجميع، لكنّ قليلين جدًّا يفهمون معناها أو يختبرون قوّتها. فإن حرّك ما كتبتُه قارئي إلى أن يذهب إلى كلمات المعلّم، ويأخذ مواعيده العجيبة ببساطة وبحرفها كما هي، فقد بلغتُ غايتي.

ثمّ أمرٌ واحد بعدُ. لقد وجد الآلاف في هذه السنين الأخيرة بركةً لا يُنطق بها في أن تعلّموا كيف أنّ المسيح هو حياتنا تمامًا، وكيف أنّه يتكفّل بأن يكون فينا ويعمل فينا كلّ ما نحتاج إليه. ولا أدري هل تعلّمنا بعدُ أن نطبّق هذه الحقيقة على حياة الصلاة عندنا. كثيرون يشكون من أنّه ليست لهم القوّة على أن يصلّوا بإيمان، وأن يصلّوا الصلاة الفعّالة التي تقتدر كثيرًا. والرسالة التي أودّ أن أحملها إليهم هي أنّ يسوع المبارك ينتظر، بل يتوق، أن يعلّمهم هذا. المسيح هو حياتنا: في السماء هو حيّ في كلّ حين ليصلّي؛ وحياته فينا حياةٌ تصلّي على الدوام، إن نحن فقط وثقنا به لأجل ذلك. فالمسيح يعلّمنا أن نصلّي لا بالمثال والتعليم والوصيّة والمواعيد فحسب، بل بأن يُرينا ذاته، الشفيعَ الحيّ إلى الأبد، حياةً لنا. وحين نؤمن بهذا، ونذهب ونثبت فيه لأجل حياة الصلاة أيضًا، تزول مخاوفنا من العجز عن الصلاة كما ينبغي، ونثق بربّنا بفرح وظفر أن يعلّمنا أن نصلّي، وأن يكون هو نفسه حياة صلاتنا وقوّتها.

ليفتح الله أعيننا لنرى ما هي خدمة الشفاعة المقدّسة التي أُفرزنا لها بوصفنا كهنوته الملوكيّ. وليعطنا قلبًا رحبًا قويًّا يؤمن بعظم التأثير الذي تقدر صلواتنا أن تُحدثه. ولتزُل كلّ مخافة من جهة قدرتنا على إتمام دعوتنا، إذ نرى يسوع حيًّا في كلّ حين ليصلّي، وحيًّا فينا ليصلّي، وضامنًا لحياة الصلاة فينا.

أندرو موراي

ويلينغتون، 28 أكتوبر 1885

صفحة 1 / 1 · 4 دقيقة متبقية في الفصل