فصل 19 · قراءة 6 د
الصلاة في انسجام مع غاية الإنسان
«فَقَالَ لَهُمْ: لِمَنْ هَذِهِ ٱلصُّورَةُ وَٱلْكِتَابَةُ؟»—متى 22:20.
«وَقَالَ ٱللهُ: نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا»—تكوين 1:26.
«لِمَنْ هَذِهِ ٱلصُّورَةُ»؟ بهذا السؤال أحبط يسوع أعداءه حين ظنّوا أنهم سيصطادونه، وحسم مسألة الواجب فيما يتعلّق بالجزية. والسؤال والمبدأ الذي ينطوي عليه ينطبقان على كلّ شيء. ولا ينطبقان في موضع أصدق مما ينطبقان على الإنسان نفسه. فالصورة التي يحملها تقرّر غايته. فهو إذ يحمل صورة الله فهو لله: والصلاة إلى الله هي ما خُلق لأجله. فالصلاة جزء من الشبه العجيب الذي يحمله لأصله الإلهيّ؛ فهي الصورة والشبه الأرضيّان لسرّ شركة المحبة العميق الذي فيه للمثلّث الأقانيم الواحد غبطته.
وكلّما تأمّلنا في ما هي الصلاة، وفي القوّة العجيبة التي لها عند الله، شعرنا بأننا مضطرّون أكثر إلى أن نسأل: مَن هو الإنسان وما هو، حتى يُخصَّص له مكان كهذا في مشورات الله؟ لقد حطّته الخطية إلى حدّ أننا لا نستطيع، مما هو عليه الآن، أن نكوّن تصوّرًا لما قُصد له أن يكون. فلا بدّ أن نرجع إلى سجلّ الله نفسه عن خلق الإنسان لنكتشف هناك ما كان قصد الله، وما كانت الطاقات التي وُهبها الإنسان لإتمام ذلك القصد.
إنّ غاية الإنسان تظهر بوضوح من كلام الله عند الخلق. فقد كانت أن يملأ الأرض، وأن يُخضعها، وأن يتسلّط عليها وعلى كلّ ما فيها. وهذه التعبيرات الثلاثة كلّها تُرينا أنّ الإنسان قُصد له أن يتولّى الحكم هنا على الأرض بوصفه نائبًا عن الله. فبوصفه نائب الله كان عليه أن يملأ مكان الله: فإذ هو نفسه خاضع لله، كان عليه أن يُبقي كلّ ما عداه خاضعًا له. وكانت مشيئة الله أن يتمّ كلّ ما يُعمَل على الأرض بواسطته: فكان تاريخ الأرض سيكون في يديه بالتمام.
ومتّفقًا مع غاية كهذه كان المركز الذي سيشغله، والقوّة التي تحت تصرّفه. فحين يرسل ملك أرضيّ نائبًا عنه إلى إقليم بعيد، يكون من المفهوم أنه يُشير في السياسة التي ينبغي أن تُتّبع، وأنّ مشورته يُعمَل بها؛ وأنّ له الحرّية في أن يطلب الجنود وسائر الوسائل اللازمة لتنفيذ تلك السياسة أو لصون كرامة المملكة. فإن لم تُستحسَن سياسته، يُستدعى ليُفسح المجال لغيره ممن يفهم رغبات مليكه فهمًا أفضل؛ أمّا ما دام موضع ثقة، فمشورته تُنفَّذ. وبوصفه نائبًا عن الله كان على الإنسان أن يحكم؛ وكان كلّ شيء سيُعمَل تحت إرادته وحكمه؛ وبناءً على مشورته وبطلبه كانت السماء ستسكب بركتها على الأرض. وكانت صلاته ستكون القناة العجيبة، وإن كانت بسيطة وطبيعيّة كلّ الطبيعة، التي تُحفَظ بها الصلة بين الملك الذي في السماء وبين خادمه الأمين الإنسان، بوصفه سيّد هذا العالم. فقد سُلّمت مصائر العالم إلى سلطان رغبات الإنسان وإرادته وصلاته.
ومع الخطية طرأ على هذا كلّه تغيير رهيب — فسقوط الإنسان أوقع الخليقة كلّها تحت اللعنة. ومع الفداء لاحت بداية ردّ مجيد. فما إن ابتدأ الله في إبراهيم يكوّن لنفسه شعبًا يخرج منه ملوك، بل الملك العظيم، حتى نرى ما لصلاة خادم الله الأمين من قوّة على تقرير مصائر الذين يتّصلون به. ففي إبراهيم نرى كيف أنّ الصلاة ليست فقط، ولا أساسًا، وسيلة لنيل البركة لأنفسنا، بل هي ممارسة لامتيازه الملكيّ في التأثير في مصائر الناس وفي مشيئة الله التي تحكمها. ولا نجد إبراهيم مرّة واحدة يصلّي لأجل نفسه. فصلاته لأجل سدوم ولوط، ولأجل أبيمالك، ولأجل إسماعيل، تبرهن على ما لإنسان هو خليل الله من قوّة على صنع تاريخ الذين حوله.
كانت هذه غاية الإنسان منذ البدء. والكتاب لا يخبرنا بهذا فقط، بل يعلّمنا أيضًا كيف أمكن لله أن يأتمن الإنسان على دعوة سامية كهذه. فذلك لأنه خلقه على صورته وشبهه. فلم يُعهَد إليه بالحكم الخارجيّ بغير الأهليّة الداخليّة: فحمله صورة الله في التسلّط، وفي كونه سيّدًا على الكلّ، كان له أصله في الشبه الداخليّ، في طبيعته. فقد كان بين الله والإنسان توافق وانسجام داخليّان، وشبه بالله في بدايته، أعطى الإنسان أهليّة حقيقيّة لأن يكون الوسيط بين الله وعالمه، إذ كان عليه أن يكون نبيًّا وكاهنًا وملكًا، يفسّر مشيئة الله، ويمثّل حاجات الطبيعة، ويتقبّل جود الله ويوزّعه. وبحمله صورة الله أمكنه أن يحمل حكم الله؛ فقد كان حقًّا شبيهًا بالله إلى هذا الحدّ، وقادرًا إلى هذا الحدّ على الدخول في مقاصد الله وتنفيذ خططه، حتى إنّ الله استطاع أن يأتمنه على الامتياز العجيب بأن يسأل وينال ما قد يحتاج إليه العالم. ومع أنّ الخطية قد أحبطت خطط الله إلى حين، فالصلاة لا تزال على ما كانت ستكون عليه لو لم يسقط الإنسان قطّ: البرهان على شبه الإنسان بالله، والمركبة التي تحمل صلته بغير المحدود غير المنظور، والقوّة المأذون لها أن تمسك اليد التي تمسك مصائر الكون. فالصلاة ليست مجرّد صرخة المتوسّل طالبًا الرحمة؛ بل هي أسمى ما يُطلق فيه الإنسان إرادته، وهو عارف بأنه من أصل إلهيّ، مخلوق لأن يكون، وقادر على أن يكون، في حرّية ملكيّة، منفّذًا لمشورات الأزليّ.
ما هدمته الخطية ردّته النعمة. وما خسره آدم الأول استردّه الثاني. ففي المسيح يستعيد الإنسان مركزه الأصليّ، والكنيسة، إذ تثبت في المسيح، ترث الوعد: «تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». ولا يشير هذا الوعد البتّة، في المقام الأول، إلى النعمة أو البركة التي نحتاج إليها لأنفسنا. بل هو يتعلّق بمركزنا بوصفنا الأغصان المثمرة للكرمة السماويّة، الذين، مثله، لا يعيشون إلا لعمل الآب ومجده. إنه للذين يثبتون فيه، الذين تركوا الذات ليتّخذوا مسكنهم فيه، مع حياته حياة الطاعة وبذل الذات، الذين أضاعوا حياتهم فوجدوها فيه، والذين هم الآن مكرّسون بالتمام لمصالح الآب وملكوته. هؤلاء هم الذين يفهمون كيف ردّتهم خليقتهم الجديدة إلى غايتهم الأصليّة، وردّت إليهم صورة الله وشبهه، ومعهما القدرة على التسلّط. فلهؤلاء حقًّا القدرة، كلّ في دائرته، على أن ينالوا قوّات السماء ويوزّعوها هنا على الأرض. وبجرأة مقدّسة يستطيعون أن يُعلنوا ما يريدون: فهم يعيشون كهنةً في حضرة الله؛ وبوصفهم ملوكًا تبتدئ قوّات الدهر الآتي تصير تحت تصرّفهم. فهم يدخلون إلى إتمام الوعد: «تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ».
يا كنيسة الله الحيّ! إنّ دعوتك أسمى وأقدس مما تعرفين. فبأعضائك، بوصفهم ملوكًا وكهنة لله، يريد الله أن يحكم العالم؛ فصلواتهم تمنح بركة السماء وتحجبها. ففي مختاريه الذين لا يكتفون بأن يخلصوا هم أنفسهم، بل يُسلمون أنفسهم بالتمام لكي يتمّم الآب بهم، كما بالابن، كلّ مشورته المجيدة — في مختاريه هؤلاء الذين يصرخون إليه نهارًا وليلًا، يريد الله أن يبرهن كم كانت غاية الإنسان الأصليّة عجيبة. فبوصف الإنسان حامل صورة الله على الأرض، أُعطيت الأرض حقًّا في يده. ولمّا سقط، سقط الكلّ معه: فكلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض معًا. أمّا الآن فقد فُدي؛ وقد ابتدأ ردّ الكرامة الأصليّة. فقصد الله حقًّا وصدقًا أن يتوقّف إتمام قصده الأزليّ ومجيء ملكوته على أولئك من شعبه الذين، إذ يثبتون في المسيح، مستعدّون أن يتّخذوا مركزهم فيه، هو رأسهم، الكاهن الملك العظيم، وأن يكونوا في صلواتهم جريئين بما يكفي ليقولوا ما يريدون أن يفعله إلههم. فبوصف الإنسان المفديّ حامل صورة الله ونائبه على الأرض، عليه أن يقرّر بصلواته تاريخ هذه الأرض. لقد خُلق الإنسان، وها هو الآن قد فُدي من جديد، ليصلّي، وليتسلّط بصلاته.
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
يا رب! من هو الإنسان حتى تذكره؟ وابن آدم حتى تفتقده؟ إذ نقصته قليلًا عن الملائكة، وبمجد وبهاء كلّلته. سلّطته على أعمال يديك: جعلت كلّ شيء تحت قدميه. أيها الرب سيدنا، ما أمجد اسمك في كل الأرض!
أيها الرب الإله! إلى أيّ درك أهبطت الخطية الإنسان! وكم أظلمت ذهنه إظلامًا رهيبًا، حتى إنه لا يعرف حتى غايته الإلهيّة، أن يكون خادمك ونائبك. واأسفاه! حتى شعبك، حين تنفتح عيونهم، قليلًا ما يكونون مستعدّين لقبول دعوتهم، والسعي إلى أن تكون لهم قوّة عند الله، حتى تكون لهم قوّة عند الناس أيضًا ليباركوهم.
أيها الرب يسوع! فيك كلّل الآب الإنسان من جديد بالمجد والكرامة، وفتح لنا الطريق لنكون ما يريدنا أن نكون. آه يا رب، ارحم شعبك، وافتقد ميراثك! اعمل بقوّة في كنيستك، وعلّم تلاميذك المؤمنين أن يخرجوا في كهنوتهم الملوكيّ، وفي قوّة الصلاة التي أعطيتها مواعيد عجيبة كهذه، ليخدموا ملكوتك، ويتسلّطوا على الأمم، ويجعلوا اسم الله ممجّدًا في الأرض. آمين.
اكتمل الفصل 19
الصلاة في انسجام مع غاية الإنسان