فصل 20 · قراءة 7 د
القوّة للصلاة وللعمل
«اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَٱلْأَعْمَالُ ٱلَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لِأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِٱسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ»—يوحنا 14:12-13.
كما افتتح المخلّص خدمته العلنيّة مع تلاميذه بالموعظة على الجبل، هكذا يختمها بخطاب الوداع الذي حفظه لنا يوحنا. وفي كليهما يتكلّم عن الصلاة غير مرّة. ولكن مع فرق. ففي الموعظة على الجبل يخاطب تلاميذ لم يدخلوا مدرسته إلا منذ قليل، ولا يكادون يعرفون أنّ الله أبوهم، وتتعلّق صلاتهم في الغالب بحاجاتهم الشخصيّة. أمّا في خطابه الختاميّ فيتكلّم إلى تلاميذ قد بلغ زمن تدريبهم نهايته، وهم مستعدّون، بوصفهم رسله، أن يأخذوا مكانه وعمله. في الأول الدرس الرئيسيّ هو: كونوا كالأولاد، وصلّوا بإيمان، وثقوا بالآب أنه سيعطيكم كلّ العطايا الصالحة. أمّا هنا فيشير إلى أمر أسمى: فهم الآن أحبّاؤه الذين أعلمهم بكلّ ما سمعه من الآب؛ ورسله الذين دخلوا في خططه، والذين ستُسلَّم إلى أيديهم العناية بعمله وملكوته على الأرض. فعليهم الآن أن يخرجوا ويعملوا أعماله، بل أعظم منها، في قوّة ارتفاعه القريب: وستكون الصلاة الآن القناة التي تُنال بها تلك القوّة لأجل عملهم. فمع صعود المسيح إلى الآب يبتدئ عهد جديد لعملهم ولصلاتهم كليهما.
انظر كيف تظهر هذه الصلة بوضوح في نصّنا. فبوصفهم جسده هنا على الأرض، وبوصفهم الذين هم واحد معه في السماء، عليهم الآن أن يعملوا أعمالًا أعظم مما عمله هو؛ فنجاحهم وانتصاراتهم ستكون أعظم من نجاحه وانتصاراته. وهو يذكر لذلك سببين. الأول، أنه كان ماضيًا إلى الآب لينال كلّ سلطان؛ والآخر، أنهم صار في وسعهم الآن أن يسألوا كلّ شيء باسمه ويتوقّعوه. «لِأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. وَ— لاحظوا هذه الواو —وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ… فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ». فمضيّه إلى الآب كان سيأتي إذًا بالبركة المزدوجة: أنهم سيسألون وينالون كلّ شيء باسمه، ونتيجةً لذلك سيعملون الأعمال الأعظم. فهذا الذكر الأول للصلاة في كلمات مخلّصنا الوداعيّة يعلّمنا إذًا درسين من أهمّ الدروس. فمن يريد أن يعمل أعمال يسوع لا بدّ أن يصلّي باسمه. ومن يريد أن يصلّي باسمه لا بدّ أن يعمل باسمه.
من يريد أن يعمل لا بدّ أن يصلّي: ففي الصلاة تُنال القوّة للعمل. ومن يريد بالإيمان أن يعمل الأعمال التي عملها يسوع، لا بدّ أن يصلّي باسمه. فما دام يسوع هنا على الأرض، كان هو نفسه يعمل الأعمال العظمى: فالشياطين التي لم يقدر التلاميذ أن يُخرجوها كانت تهرب بكلمته. ولمّا مضى إلى الآب، لم يعد هنا في الجسد ليعمل عملًا مباشرًا. فصار التلاميذ الآن جسده: وكلّ عمله من العرش في السماء هنا على الأرض كان لا بدّ أن يُعمَل بهم، وكان يمكن أن يُعمَل بهم. وربّما ظنّ أحد أنه، إذ كان هو نفسه يغادر المشهد، ولا يستطيع أن يعمل إلا بواسطة وكلاء، ستكون الأعمال أقلّ وأضعف. لكنه يؤكّد لنا العكس: «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَٱلْأَعْمَالُ ٱلَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا». فموته القريب كان سيكون كسرًا حقيقيًّا لسلطان الخطية وإنهاءً له؛ ومع القيامة كانت قوّات الحياة الأبديّة ستستولي حقًّا على جسد الإنسان وتنال السيادة على الحياة البشريّة؛ ومع صعوده كان سينال القدرة على أن يمنح خاصّته الروح القدس منحًا كاملًا؛ وكان الاتحاد، الوحدة بينه وهو على العرش وبينهم وهم على الأرض، سيكون كاملًا كمالًا عميقًا إلهيًّا إلى حدّ أنه قصد هذا بوصفه الحقّ الحرفيّ: «وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لِأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي». وقد برهنت النتيجة كم كان ذلك صحيحًا. فبينما لم يجمع يسوع، في خلال ثلاث سنوات من العمل الشخصيّ على الأرض، إلا ما يزيد قليلًا على خمس مئة تلميذ، وكان معظمهم ضعفاء إلى حدّ أنهم لم يكونوا يجلبون لقضيّته إلا القليل من الكرامة، فقد أُعطي لرجال مثل بطرس وبولس أن يعملوا جهارًا أمورًا أعظم مما عمله هو. فمن العرش استطاع أن يعمل بهم ما لم يكن يستطيع هو نفسه أن يعمله بعدُ في اتّضاعه.
ولكن ثمّة شرط واحد: «مَنْ يُؤْمِنُ بِي… وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لِأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِٱسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ». فمضيّه إلى الآب كان سيعطيه قوّة جديدة على استجابة الصلاة. فلعمل الأعمال الأعظم كان يلزم أمران: مضيّه إلى الآب لينال كلّ قوّة، وصلاتنا باسمه لننال منه بدورنا كلّ قوّة. فإذ يسأل هو الآب، ينال قوّة التدبير الجديد لأجل الأعمال الأعظم ويمنحنا إيّاها؛ وإذ نؤمن نحن ونسأل باسمه، تأتي القوّة وتستولي علينا لنعمل الأعمال الأعظم.
واأسفاه! ما أكثر العمل الذي يجري في عمل الله، ولا يُرى فيه إلا القليل أو لا شيء البتّة من القوّة على عمل شيء يشبه أعمال المسيح، فضلًا عن الأعمال الأعظم. ولا يمكن أن يكون لذلك إلا سبب واحد: فالإيمان به، والصلاة المؤمنة باسمه، هذا هو الناقص نقصًا شديدًا. آه، ليت كلّ عامل وقائد في الكنيسة أو المدرسة، في عمل الإحسان في الداخل أو في الإرساليّات الخارجيّة، يتعلّم هذا الدرس: إنّ الصلاة باسم يسوع هي الطريق إلى المشاركة في القوّة العظيمة التي نالها يسوع من الآب لأجل شعبه، وإنه في هذه القوّة وحدها يقدر من يؤمن أن يعمل الأعمال الأعظم. فعلى كلّ شكوى من ضعف أو عدم أهليّة، من صعوبات أو قلّة نجاح، يعطي يسوع هذا الجواب الواحد: «مَنْ يُؤْمِنُ بِي… وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لِأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِٱسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ» فلا بدّ أن نفهم أنّ الأمر الأول والرئيسيّ لكلّ من يريد أن يعمل عمل يسوع هو أن يؤمن، فيرتبط هكذا به، هو القدير، ثم أن يصلّي صلاة الإيمان باسمه. فبدون هذا يكون عملنا بشريًّا جسديًّا فحسب؛ قد يكون له بعض النفع في كبح الخطية أو في إعداد الطريق للبركة، لكنّ القوّة الحقيقيّة ناقصة. فالعمل الفعّال يحتاج أولًا إلى الصلاة الفعّالة.
والآن الدرس الثاني: من يريد أن يصلّي لا بدّ أن يعمل. فلأجل القوّة على العمل للصلاة مواعيد عظيمة كهذه: وفي العمل تُكتسب القوّة لصلاة الإيمان الفعّالة. ففي كلمات ربّنا المبارك الوداعيّة هذه نجد أنه يكرّر ما لا يقلّ عن ست مرّات (يوحنا 14:13-14؛ 15:7، 16؛ 16:23-24) تلك المواعيد غير المحدودة بالصلاة التي طالما أثارت فينا تساؤلات قلقة عن معناها الحقيقيّ: «مَهْمَا»، «شَيْئًا»، «مَا تُرِيدُونَ»، «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا». كم من مؤمن قرأها بفرح ورجاء، وسعى بجدّ عميق من نفسه أن يحتجّ بها أمام الله لأجل حاجته هو. ثم خرج خائب الرجاء. وكان السبب بسيطًا: لقد انتزع الوعد من سياقه. فالرب أعطى الوعد العجيب بحرّية استعمال اسمه عند الآب مقرونًا بـعمل أعماله. فالتلميذ الذي يكرّس نفسه بالتمام ليحيا لعمل يسوع وملكوته، لمشيئته ومجده، هو الذي تأتيه القوّة على أن يتملّك الوعد. أمّا من يودّ أن يقبض على الوعد حين يريد شيئًا خاصًّا جدًّا لنفسه، فسيخيب، لأنه يريد أن يجعل يسوع خادمًا لراحته هو. ولكنّ من يسعى أن يصلّي صلاة الإيمان الفعّالة لأنه يحتاج إليها لأجل عمل المعلّم، فله يُعطى أن يتعلّمها؛ لأنه جعل نفسه خادمًا لمصالح ربّه. فالصلاة لا تعلّم العمل وتقوّي عليه فحسب: بل العمل أيضًا يعلّم الصلاة ويقوّي عليها.
وهذا في انسجام كامل مع ما يصدق في العالم الطبيعيّ والروحيّ كليهما. فمن له سيُعطى؛ أو: الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير. فلنكرّس أنفسنا للمعلّم لأجل عمله بالقدر اليسير من النعمة الذي نلناه: فيصير العمل لنا مدرسة حقيقيّة للصلاة. فحين كان على موسى أن يتولّى المسؤوليّة كاملةً عن شعب متمرّد، شعر بالحاجة، بل وبالشجاعة أيضًا، إلى أن يكلّم الله بجرأة وأن يطلب منه أمورًا عظيمة (خروج 33:12، 15، 18). وإذ تكرّس نفسك لله بالتمام لأجل عمله، ستشعر أنّ لا شيء أقلّ من هذه المواعيد العظيمة هو ما تحتاج إليه، وأنّ لا شيء أقلّ منها هو ما يحقّ لك أن تتوقّعه بكلّ ثقة.
أيها المؤمن بيسوع! إنك مدعوّ، إنك معيَّن، لتعمل أعمال يسوع، بل أعمالًا أعظم، لأنه مضى إلى الآب لينال القوّة على أن يعملها فيك وبك.
مهما سألتم باسمي فذلك أفعله. كرّس نفسك، وعِش، لتعمل أعمال المسيح، فتتعلّم أن تصلّي بحيث تنال استجابات عجيبة للصلاة. كرّس نفسك، وعِش، لتصلّي، فتتعلّم أن تعمل الأعمال التي عملها، بل أعمالًا أعظم. فبتلاميذ ممتلئين إيمانًا به، وجريئين في الصلاة ليطلبوا أمورًا عظيمة، يستطيع المسيح أن يغلب العالم.
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
يا ربّي! لقد سمعت منك اليوم أيضًا كلمات تفوق إدراكي. ومع ذلك لا أقدر أن أفعل شيئًا إلا أن آخذها بإيمان بسيط كإيمان الأولاد وأحتفظ بها بوصفها عطيّتك لي أنا أيضًا. لقد قلت إنه، بفضل مضيّك إلى الآب، من يؤمن بك يعمل الأعمال التي عملتها، بل أعمالًا أعظم. يا رب! إني أسجد لك بوصفك الممجَّد، وأنتظر إتمام وعدك. لتكن حياتي كلّها إيمانًا بك لا ينقطع. طهّر قلبي وقدّسه، واجعله رقيق الإحساس بك وبمحبّتك إلى حدّ أن يصير الإيمان بك هو الحياة عينها التي يتنفّسها.
وقد قلت إنه، بفضل مضيّك إلى الآب، مهما سألنا فأنت تفعله. فمن عرش قوّتك تريد أن تجعل شعبك يشاركون في القوّة المعطاة لك، وأن تعمل بهم بوصفهم أعضاء جسدك، استجابةً لصلواتهم المؤمنة باسمك. فالقوّة في الصلاة معك، والقوّة في العمل مع الناس، هي ما وعدت به شعبك ووعدتني به أنا أيضًا.
أيها الرب المبارك! اغفر لنا جميعًا أننا آمنّا بك وبوعدك قليلًا جدًّا، واختبرنا أمانتك في إتمامه قليلًا جدًّا. آه، اغفر لنا أننا أكرمنا اسمك الغالب كلّ شيء قليلًا جدًّا في السماء أو على الأرض.
يا رب! علّمني أن أصلّي حتى أبرهن أنّ اسمك غالب حقًّا عند الله والناس والشياطين. نعم، علّمني أن أعمل هكذا وأن أصلّي هكذا حتى تستطيع أن تمجّد نفسك فيّ بوصفك القدير، وأن تعمل عملك العظيم بي أنا أيضًا. آمين.
اكتمل الفصل 20
القوّة للصلاة وللعمل