مع المسيح في مدرسة الصلاة
الصلاة في انسجام مع كيان الله

فصل 18 · قراءة 8 د

الصلاة في انسجام مع كيان الله

«أَيُّهَا ٱلْآبُ، أَشْكُرُكَ لِأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي»—يوحنا 11:41-42.

«أَنْتَ ٱبْنِي، أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. ٱسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ»—مزمور 2:7-8.

نجد في العهد الجديد تمييزًا بين الإيمان والمعرفة. «لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِٱلرُّوحِ كَلَامُ حِكْمَةٍ، وَلِآخَرَ كَلَامُ عِلْمٍ بِحَسَبِ ٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ، وَلِآخَرَ إِيمَانٌ بِٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ». فقد يكون عند الطفل أو عند المسيحيّ البسيط إيمان كثير مع معرفة قليلة. فالبساطة التي كبساطة الأطفال تقبل الحقّ بلا صعوبة، وكثيرًا ما لا تبالي بأن تقدّم لنفسها أو لغيرها سببًا لإيمانها سوى هذا: الله قد قال. ولكنّ مشيئة الله أن نحبّه ونخدمه لا من كلّ القلب فحسب، بل من كلّ الفكر أيضًا؛ وأن ننمو إلى بصيرة في الحكمة الإلهيّة وفي جمال كلّ طرقه وأقواله وأعماله. فبهذا وحده يقدر المؤمن أن يقترب إلى مجد نعمة الله اقترابًا كاملًا وأن يسجد له سجودًا صحيحًا؛ وبهذا وحده يقدر قلبنا أن يدرك بفهم كنوز الحكمة والعلم التي في الفداء، وأن يتهيّأ للدخول الكامل في أسمى نغمة من الترنيمة التي ترتفع أمام العرش: «يَا لَعُمْقِ غِنَى ٱللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ!»

وهذه الحقيقة تنطبق انطباقًا كاملًا على حياة الصلاة عندنا. فبينما الصلاة والإيمان بسيطان إلى حدّ أنّ المؤمن المولود حديثًا يقدر أن يصلّي بقوّة، يجد العلم المسيحيّ الحقيقيّ في عقيدة الصلاة بعضًا من أعمق مسائله. إلى أيّ حدّ قوّة الصلاة حقيقة واقعة؟ وإن كانت كذلك، فكيف يستطيع الله أن يمنح الصلاة مثل هذه القوّة العظيمة؟ وكيف يمكن التوفيق بين عمل الصلاة وبين مشيئة الله وقضائه؟ وكيف يمكن التوفيق بين سيادة الله وإرادتنا، بين حرّية الله وحرّيتنا؟ — هذه الأسئلة وأمثالها موضوعات لائقة للتأمّل والبحث المسيحيّين. وكلّما اقتربنا من هذه الأسرار بجدّ أعظم ووقار أعمق، خررنا أكثر في دهشة ساجدة لنسبّح ذاك الذي أعطى الإنسان في الصلاة مثل هذه القوّة.

ومن الصعوبات الخفيّة المتعلّقة بالصلاة — وهي صعوبة كثيرًا ما تعوق الصلاة فعلًا وإن لم يُفصَح عنها — صعوبة مستمدّة من كمال الله، في استقلاله المطلق عن كلّ ما هو خارج عنه. أليس هو الكائن غير المحدود، الذي يدين بما هو عليه لذاته وحدها، والذي يحدّد ذاته بذاته، والذي حدّدت مشيئته الحكيمة القدّوسة كلّ ما سيكون؟ فكيف يمكن للصلاة أن تؤثّر فيه، أو كيف يمكن أن تحرّكه الصلاة إلى أن يفعل ما لم يكن ليُفعل لولاها؟ أليس الوعد باستجابة الصلاة مجرّد تنازل منه لضعفنا؟ وهل ما يُقال عن قوّة الصلاة — قوّتها التي تقتدر كثيرًا — أكثر من مجاراة لطريقة تفكيرنا، إذ لا يمكن أن يكون اللاهوت متوقّفًا في أعماله على أيّ فعل يأتيه من الخارج؟ أوليست بركة الصلاة مجرّد التأثير الذي تُحدثه فينا نحن؟

وإذ نطلب جوابًا عن هذه الأسئلة، نجد المفتاح في كيان الله نفسه، في سرّ الثالوث القدّوس. فلو كان الله أقنومًا واحدًا فقط، منغلقًا على ذاته، لما أمكن أن يخطر ببال قربٌ منه أو تأثير فيه. ولكن في الله ثلاثة أقانيم. ففي الله لنا الآب والابن، اللذان لهما في الروح القدس رباط وحدتهما وشركتهما الحيّ. وحين ولدت المحبة الأزليّة الابن، وأعطى الآبُ الابنَ، بوصفه الأقنوم الثاني، مكانًا بجانبه معادلًا له ومشيرًا له، انفتح طريق للصلاة ولتأثيرها في صميم الحياة الداخليّة للاهوت نفسه. فكما على الأرض، هكذا في السماء، العلاقة كلّها بين الآب والابن هي علاقة عطاء وأخذ. وإن كان هذا الأخذ ينبغي أن يكون طوعيًّا وصادرًا عن الذات كالعطاء، فلا بدّ أن يكون من جهة الابن سؤال وقبول. وفي الشركة المقدّسة بين الأقانيم الإلهيّة، كان سؤال الابن هذا واحدًا من الأعمال العظيمة في حياة الله المثلّث البركة. ومن هنا نجد في المزمور الثاني: «أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. ٱسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ». لقد أعطى الآبُ الابنَ المكان والقدرة على أن يؤثّر فيه. ولم يكن سؤال الابن مجرّد مظهر أو ظلّ، بل حركة من حركات الحياة تلك التي فيها التقت محبة الآب ومحبة الابن وأكمل كلّ منهما الآخر. لقد قضى الآب ألّا يكون وحده في مشوراته: فكان هناك ابن يتوقّف على سؤاله وقبوله إتمامُها. وهكذا كان في كيان الله وحياته نفسها سؤال كان على الصلاة على الأرض أن تكون انعكاسه وفيضه. وليس بمعزل عن هذا قال يسوع: «وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي». فكما أنّ بنوّة يسوع على الأرض لا يجوز أن تُفصَل عن بنوّته في السماء، هكذا صلاته على الأرض، فهي امتداد سؤاله في السماء ونظيره. وصلاة الإنسان يسوع المسيح هي الحلقة التي تصل بين سؤال الابن الوحيد الأزليّ الذي في حضن الآب وبين صلاة البشر على الأرض. فالصلاة لها منشؤها ومصدرها الأعمق في كيان الله نفسه. ففي حضن اللاهوت لا يُعمَل شيء قطّ بغير صلاة — بغير سؤال الابن وعطاء الآب.

وقد يساعدنا هذا بعض الشيء على أن نفهم كيف يمكن لصلاة الإنسان، الآتية بالابن، أن يكون لها أثر عند الله. فقضاء الله ليس قرارات يتّخذها بمعزل عن الابن، أو عن طلبته، أو عن الطلبة التي ستُرفع بواسطته. كلّا البتّة. فالرب يسوع هو البكر، رأس كلّ شيء ووارثه: الكلّ به وله قد خُلق، وفيه يقوم الكلّ. وفي مشورات الآب كان للابن دائمًا، بوصفه نائبًا عن الخليقة كلّها، صوت؛ وفي قضاء القصد الأزليّ كان هناك دائمًا متّسع لحرّية الابن بوصفه الوسيط والشفيع، ومن ثمّ لطلبات جميع الذين يقتربون إلى الآب في الابن.

وإن خطر ببالنا أنّ حرّية الابن هذه وقدرته على أن يؤثّر في الآب تتعارض مع عدم تغيّر القضاء الإلهيّ، فلا ننسينّ أنه ليس عند الله، كما عند الإنسان، ماضٍ هو مقيّد به تقييدًا لا رجعة فيه. فالله لا يحيا في الزمن بماضيه ومستقبله؛ وفروق الزمن لا تتعلّق بساكن الأبد. والأبد آنٌ حاضر على الدوام، الماضي فيه لا يمضي أبدًا، والمستقبل فيه حاضر دائمًا. ولكي يلاقي الكتابُ ضعفَنا البشريّ، لا بدّ له أن يتكلّم عن قضاء ماضٍ وعن مستقبل آتٍ. أمّا في الحقيقة، فإنّ عدم تغيّر مشورة الله هو على الدوام في انسجام كامل مع حرّيته في أن يصنع كلّ ما يشاء. ولم تُدرَج صلوات الابن وشعبه في القضاء الأزليّ على نحو يجعل أثرها ظاهريًّا فقط؛ بل على نحو يبقى فيه قلب الآب مفتوحًا حرًّا ليصغي إلى كلّ صلاة ترتفع بالابن، وعلى نحو يسمح فيه الله حقًّا لنفسه بأن تحمله الصلاة على أن يفعل ما لم يكن ليفعله لولاها.

إنّ هذا الانسجام الكامل وهذا الاتحاد بين السيادة الإلهيّة والحرّية البشريّة هو لنا سرّ لا يُسبَر غوره، لأنّ الله، بوصفه الأزليّ، يسمو فوق كلّ أفكارنا. ولكن ليكن عزاءنا وقوّتنا أن نتيقّن أنّ قوّة الصلاة لها منشؤها ويقينها في الشركة الأزليّة بين الآب والابن، وأنّ صلاتنا، باتحادنا بالابن، تُرفع إلى الحياة الداخليّة للثالوث المبارك ويمكن أن يكون لها فيها تأثيرها. فليس قضاء الله إطارًا حديديًّا يحاول الإنسان عبثًا أن يصارعه بحرّيته. لا. فالله نفسه هو المحبة الحيّة، التي دخلت في ابنه، إذ صار إنسانًا، في أرقّ علاقة مع كلّ ما هو بشريّ، والتي ترفع بالروح القدس كلّ ما هو بشريّ إلى حياة المحبة الإلهيّة، وتُبقي نفسها حرّة لتعطي كلّ صلاة بشريّة مكانها في تدبيره للعالم.

ففي نور الفجر الذي تبعثه أفكار كهذه لا تعود عقيدة الثالوث المبارك تأمّلًا نظريًّا مجرّدًا، بل تصير الإعلان الحيّ للطريق الذي أمكن به أن يُرفع الإنسان إلى شركة الله، وأن تصير صلاته عاملًا حقيقيًّا في حكم الله لهذه الأرض. ونستطيع، كأنّما من بعيد، أن نلمح لمحات من النور الذي يشرق من العالم الأبديّ على كلمات كهذه: «بِهِ لَنَا… قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى ٱلْآبِ».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الإله السرمديّ! المثلّث الأقانيم الواحد، القدّوس القدّوس القدّوس! إني بوقار عميق أريد أن أسجد، بوجه مستور، أمام السرّ المقدّس لكيانك الإلهيّ. وإن سُرّ بك، أيها الإله الكليّ المجد، أن تكشف شيئًا من ذلك السرّ، فإني أنحني بخوف ورعدة، لئلّا أخطئ إليك وأنا أتأمّل في مجدك.

أيها الآب! أشكرك لأنك تحمل هذا الاسم لا بوصفك أبًا لأولادك هنا على الأرض فقط، بل بوصفك قائمًا منذ الأزل آبًا مع ابنك الوحيد. أشكرك لأنك بوصفك الآب تقدر أن تسمع صلاتنا، لأنك منذ الأزل أعطيت سؤالَ ابنك مكانًا في مشوراتك. أشكرك لأننا رأينا فيه على الأرض ما كانت عليه الشركة المباركة التي كانت له معك في السماء؛ وكيف كان منذ الأزل، في كلّ مشوراتك وقضائك، متّسع لصلاته ولأجوبتها. وأشكرك فوق كلّ شيء لأنه، بطبيعته البشريّة الحقيقيّة على عرشك في العلاء، وبروحك القدّوس في طبيعتنا البشريّة هنا أسفل، قد انفتح طريق به يمكن لكلّ صرخة حاجة بشريّة أن تُرفع إلى حياة الله ومحبّته وتمسّهما، وأن تنال جوابًا كلّ ما تسأل.

أيها المبارك يسوع! يا من به، بوصفه الابن، انفتح طريق الصلاة، ويا من تعطينا يقين الجواب، نتوسّل إليك: علّم شعبك أن يصلّي. آه، لتكن هذه علامة بنوّتنا كلّ يوم: أننا، مثلك، نعلم أنّ الآب يسمع لنا في كلّ حين. آمين.

ملاحظة.

«‹الله يسمع الصلاة›. هذه النظرة إلى الصلاة، وهي أبسط النظرات، هي النظرة التي يأخذ بها الكتاب المقدّس في كلّ موضع. فهو لا يطيل الوقوف عند الأثر الراجع للصلاة على قلبنا وحياتنا، وإن كان يُظهر بوفرة الصلة بين الصلاة بوصفها فعلًا والصلاة بوصفها حالًا. بل هو بالأحرى يحدّد بوضوح عظيم الأغراض الموضوعيّة أو الحقيقيّة للصلاة: أن ننال من الله بركة وعطايا ونجاة. ‹ٱسْأَلُوا تُعْطَوْا›، يقول يسوع.

«ومهما كان صحيحًا وقيّمًا التأمّل القائل إنّ الله، إذ سبق فرأى كلّ شيء وسبق فعيّنه، قد سبق أيضًا فرأى صلواتنا وسبق فعيّنها حلقاتٍ في سلسلة الحوادث، سلسلة السبب والنتيجة، بوصفها قوّة حقيقيّة، فإننا نشعر مقتنعين بأنّ هذا ليس النور الذي يستطيع فيه الذهن أن يجد سلامًا في هذا الموضوع العظيم، ولا نظنّ أنّ هنا القوّة الجاذبة التي تجتذبنا إلى الصلاة. بل نشعر بالأحرى أنّ تأمّلًا كهذا يصرف الانتباه عن الغاية التي يأتي منها دافع الصلاة وحياتها وقوّتها. فالله الحيّ، المعاصر لنا لا الأزليّ فحسب، الحيّ الرحيم القدّوس، الله الذي يُعلن نفسه للنفس، الله القائل: ‹ٱطْلُبُوا وَجْهِي›؛ هذا هو المغناطيس الذي يجتذبنا، وهذا وحده يقدر أن يفتح القلب والشفتين…

«ففي يسوع المسيح ابن الله نجد الحلّ الكامل للصعوبة. لقد صلّى على الأرض، لا بوصفه إنسانًا فحسب، بل بوصفه ابن الله المتجسّد. وصلاته على الأرض ليست إلا إظهارًا لصلاته منذ الأزل، حين أُقيم في المشورة الإلهيّة ليكون المسيح… لقد عُيّن الابن وارثًا لكلّ شيء. فمنذ الأزل كان ابن الله هو الطريق، هو الوسيط. لقد كان، إن جاز لنا أن نستعمل لغتنا الناقصة، منذ الأزل يكلّم الآب لأجل العالم».—صافير، الحياة المستترة، الفصل 6. وانظر أيضًا الصلاة الربّانيّة، ص 12.

صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل