فصل 14 · قراءة 9 د
علاج عدم الإيمان
«ثُمَّ تَقَدَّمَ ٱلتَّلَامِيذُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى ٱنْفِرَادٍ وَقَالُوا: لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ… وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ. وَأَمَّا هَذَا ٱلْجِنْسُ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِٱلصَّلَاةِ وَٱلصَّوْمِ»—متى 17:19-21.
لمّا رأى التلاميذ يسوع يُخرج الروح النجس من المصروع الذي «لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَشْفُوهُ»، سألوا المعلّم عن سبب إخفاقهم. فقد كان قد أعطاهم «قُوَّةً وَسُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ ٱلشَّيَاطِينِ وَشِفَاءِ أَمْرَاضٍ». وكثيرًا ما مارسوا ذلك السلطان، وأخبروا بفرح كيف أنّ الشياطين تخضع لهم. ومع ذلك فقد أخفقوا الآن إخفاقًا تامًّا، بينما كان هو على الجبل. أمّا أنه لم يكن في مشيئة الله ولا في طبيعة الحال ما يجعل الخلاص مستحيلًا، فقد ثبت: إذ خرج الروح النجس بأمر المسيح. ومن قولهم: «لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ؟» يتّضح أنهم أرادوا ذلك وسعوا إليه؛ ولعلّهم استخدموا اسم المعلّم، وأمروا الروح النجس أن يخرج. لكنّ جهودهم ذهبت سدى، وخُزوا أمام الجمع. «لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ؟»
وكان جواب المسيح مباشرًا صريحًا: «لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ». فلم يكن سبب نجاحه وإخفاقهم أنّ له قوّة خاصّة لا سبيل لهم إليها. كلا؛ فالسبب لم يكن بعيدًا عن الإدراك. فقد علّمهم مرارًا أنّ هناك قوّة واحدة، هي قوّة الإيمان، لا بدّ أن يخضع لها كلّ شيء، في مملكة الظلمة كما في ملكوت الله؛ ففي العالم الروحي ليس للإخفاق إلا سبب واحد، هو نقص الإيمان. فالإيمان هو الشرط الوحيد الذي به تستطيع كلّ قوّة إلهية أن تدخل الإنسان وتعمل بواسطته. إنه قابليّة الإنسان لغير المنظور: أي إرادة الإنسان مُسلَمة لمشيئة الله ومتشكّلة بها. فالقوّة التي أخذوها لإخراج الشياطين لم تكن في حوزتهم عطيّةً دائمة أو ملكًا ثابتًا؛ بل كانت القوّة في المسيح، تُقبَل وتُحفَظ وتُستعمَل بالإيمان وحده، بالإيمان الحيّ به هو. فلو كانوا ممتلئين إيمانًا به ربًّا وغالبًا في عالم الأرواح، ولو كانوا ممتلئين إيمانًا به بوصفه قد أعطاهم السلطان أن يُخرجوا الشياطين باسمه، لكان هذا الإيمان قد أعطاهم الغلبة. «لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ»: هذا كان، وسيبقى على مرّ الأزمان، تفسير المعلّم للعجز والإخفاق في كنيسته وتوبيخه عليهما.
لكنّ نقص الإيمان هذا لا بدّ أن يكون له سبب أيضًا. وحقّ للتلاميذ أن يسألوا: «ولماذا لم نقدر نحن أن نؤمن؟ إنّ إيماننا قد أخرج الشياطين قبل هذا: فلماذا أخفقنا الآن في الإيمان؟» والمعلّم يخبرهم قبل أن يسألوا: «هَذَا ٱلْجِنْسُ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِٱلصَّلَاةِ وَٱلصَّوْمِ». فكما أنّ الإيمان هو أبسط ممارسات الحياة الروحية، هكذا هو أسماها، إذ فيه تُسلم روحنا ذاتها لروح الله في قابليّة كاملة، فتتقوّى هكذا إلى أسمى نشاطها. وهذا الإيمان يتوقّف كلّيًّا على حالة الحياة الروحية؛ فحين تكون هذه قويّة في كامل صحّتها، وحين يكون لروح الله كامل السلطان في حياتنا، حينئذ فقط تكون قوّة الإيمان على صنع أعماله العظيمة. ولذلك يضيف يسوع: «وَأَمَّا هَذَا ٱلْجِنْسُ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِٱلصَّلَاةِ وَٱلصَّوْمِ». فالإيمان الذي يقدر أن يغلب مقاومة عنيدة كالتي رأيتموها الآن في هذا الروح النجس، كما يقول لهم يسوع، ليس ممكنًا إلا لأناس يحيون في شركة وثيقة جدًّا مع الله، وفي انفصال خاصّ جدًّا عن العالم، أي في الصلاة والصوم. وهكذا يعلّمنا درسين عن الصلاة بالغَي الأهمية. أوّلهما أنّ الإيمان يحتاج إلى حياة صلاة لينمو فيها ويبقى قويًّا. والثاني أنّ الصلاة تحتاج إلى الصوم لكي تبلغ نموّها الكامل التامّ.
الإيمان يحتاج إلى حياة صلاة لكي ينمو نموّه الكامل. ففي أجزاء الحياة الروحية المختلفة كلها اتّحاد وثيق، وفعل وردّ فعل لا ينقطعان، حتى إنّ كلًّا منها قد يكون سببًا ونتيجة معًا. وهكذا الأمر مع الإيمان. فلا يمكن أن تكون صلاة حقيقية بغير إيمان؛ إذ لا بدّ من قدر من الإيمان يسبق الصلاة. ومع ذلك فالصلاة هي أيضًا الطريق إلى مزيد من الإيمان؛ ولا يمكن بلوغ درجات أعلى من الإيمان إلا بصلاة كثيرة. وهذا هو الدرس الذي يعلّمه يسوع هنا. فليس هناك ما يحتاج إلى النموّ مثل إيماننا. وقد قيل عن إحدى الكنائس: «إِيمَانَكُمْ يَنْمُو كَثِيرًا». ولمّا نطق يسوع بالكلمات: «بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا»، أعلن ناموس الملكوت الذي يخبرنا أنّ ليس للجميع درجات متساوية من الإيمان، وأنّ الشخص الواحد ليس له دائمًا الدرجة نفسها، وأنّ مقدار الإيمان لا بدّ أن يحدّد دائمًا مقدار القوّة والبركة. فإن أردنا أن نعرف أين وكيف ينمو إيماننا، أشار بنا المعلّم إلى عرش الله. ففي الصلاة، في ممارسة الإيمان الذي لي، في الشركة مع الله الحيّ، يستطيع الإيمان أن يزداد. فالإيمان لا يحيا إلا بأن يتغذّى بما هو إلهيّ، بالله نفسه.
ففي السجود لله وعبادته، وفي انتظاره والانتظار له، وفي سكون النفس العميق الذي يُسلم ذاته لكي يعلن الله نفسه، تنمو القدرة على معرفة الله والثقة به. وحين نأخذ كلمته من الكتاب المبارك ونأتي بها إليه هو، طالبين إليه أن يقولها لنا بصوته الحيّ المحبّ، تأتي القدرة الكاملة على أن نؤمن بالكلمة ونقبلها بوصفها كلمة الله نفسه لنا. ففي الصلاة، في الاتصال الحيّ بالله بإيمان حيّ، يتقوّى فينا الإيمان، أي القدرة على الثقة بالله، وعلى قبول كلّ ما يقوله في تلك الثقة، وقبول كلّ إمكانية قدّمها لإيماننا. إنّ كثيرين من المسيحيين لا يستطيعون أن يفهموا ما المقصود بالصلاة الكثيرة التي يسمعون عنها أحيانًا: فهم لا يستطيعون أن يتصوّروا قضاء ساعات مع الله، ولا يشعرون بالحاجة إليه. لكنّ ما يقوله المعلّم قد أكّده اختبار شعبه: فأصحاب الإيمان القويّ هم أصحاب الصلاة الكثيرة.
وهذا يعيدنا ثانيةً إلى الدرس الذي تعلّمناه حين قال يسوع أوّلًا: «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ»، قبل أن يقول لنا أن نؤمن بأننا ننال ما نطلب. فالله، الله الحيّ، هو الذي ينبغي أن يضرب إيماننا فيه جذوره عميقة ومتّسعة؛ وحينئذ يقوى على نقل الجبال وإخراج الشياطين. «لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ… وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ». آه! لو أننا نُسلم أنفسنا للعمل الذي لله لنا في العالم، فنصطدم بالجبال والشياطين التي ينبغي أن تُطرَح وتُخرَج، لأدركنا سريعًا حاجتنا إلى إيمان كثير، وإلى صلاة كثيرة بوصفها التربة التي فيها وحدها يمكن أن يُستنبَت الإيمان. إنّ المسيح يسوع هو حياتنا، وحياة إيماننا أيضًا. فحياته فينا هي التي تجعلنا أقوياء، وتجعلنا بسطاء في الإيمان. وفي الموت عن الذات الذي تتضمّنه الصلاة الكثيرة، وفي الاتّحاد الأوثق بيسوع، تأتي روح الإيمان بقوّة. الإيمان يحتاج إلى الصلاة لكي ينمو نموّه الكامل.
والصلاة تحتاج إلى الصوم لكي تنمو نموّها الكامل: هذا هو الدرس الثاني. فالصلاة هي اليد الواحدة التي بها نمسك بغير المنظور؛ والصوم هو اليد الأخرى التي بها نُفلت المنظور ونطرحه عنّا. وليس في شيء يرتبط الإنسان ارتباطًا أوثق بعالم الحواسّ منه في حاجته إلى الطعام وتلذّذه به. فبالثمر الجيّد للأكل جُرّب الإنسان وسقط في الفردوس. وبالخبز الذي يُصنَع من الحجارة جُرّب يسوع في البرّية حين جاع، وبالصوم انتصر. لقد افتُدي الجسد ليكون هيكلًا للروح القدس؛ وفي الجسد كما في الروح، بل على وجه خاصّ جدًّا، كما يقول الكتاب، في الأكل والشرب، ينبغي أن نمجّد الله. ويُخشى أن يكون كثيرون من المسيحيين لم يصر لهم بعدُ هذا الأكل لمجد الله حقيقةً روحية. وأوّل فكرة توحي بها كلمات يسوع عن الصوم والصلاة هي أنه في حياة الاعتدال والتعفّف وإنكار الذات فقط يكون للإنسان القلب أو القوّة ليصلّي كثيرًا.
ثم هناك أيضًا معناها الحرفيّ. فالحزن والهمّ لا يقدران أن يأكلا، والفرح يحتفل بأعياده بالأكل والشرب. وقد تأتي أوقات من الشوق الشديد، يُحَسّ فيها إحساسًا قويًّا كيف أنّ الجسد بشهواته، وإن كانت مشروعة، لا يزال يعوق الروح في حربها مع قوّات الظلمة، فتُحَسّ الحاجة إلى قمعه. فنحن مخلوقات حسّية: وذهننا يُعان بما يأتيه متجسّدًا في صورة ملموسة؛ والصوم يعين على التعبير عن العزم على أن نكون مستعدّين لأن نضحّي بأيّ شيء، بل أن نضحّي بأنفسنا، لكي ننال ما نطلبه لملكوت الله، وعلى تعميق هذا العزم وتثبيته. والذي قبل صوم الابن وذبيحته يعرف كيف يقدّر النفس المستعدّة هكذا أن تترك كلّ شيء لأجل المسيح وملكوته، وكيف يقبلها ويكافئها بقوّة روحية.
ثم يلي ذلك تطبيق أوسع أيضًا. فالصلاة هي امتداد النفس نحو الله وغير المنظور؛ والصوم هو التخلّي عن كلّ ما هو من المنظور والزمنيّ. فبينما يتوهّم المسيحيون العاديّون أنّ كلّ ما ليس محرّمًا صراحةً وخاطئًا فهو مباح لهم، ويسعون إلى الاحتفاظ بأكثر ما يمكن من هذا العالم، بأملاكه وآدابه وملذّاته، فإنّ النفس المكرّسة حقًّا هي كالجنديّ الذي لا يحمل إلا ما يحتاج إليه للحرب. فإذ يطرح كلّ ثقل، والخطيّة المحيطة به بسهولة أيضًا، ويخشى أن يرتبك بأعمال الحياة، يسعى إلى أن يحيا حياة النذير، كمن هو مفرَز على وجه خاصّ للرب ولخدمته. وبغير هذا الانفصال الطوعيّ، حتى عمّا هو مباح، لن يبلغ أحد القوّة في الصلاة: فهذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم.
يا تلاميذ يسوع! يا من سألتم المعلّم أن يعلّمكم الصلاة، تعالوا الآن واقبلوا دروسه. إنه يخبركم أنّ الصلاة هي الطريق إلى الإيمان، الإيمان القويّ الذي يقدر أن يُخرج الشياطين. ويقول لكم: «لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ… وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ»؛ فليشجّعكم هذا الوعد المجيد على أن تصلّوا كثيرًا. أليست الجائزة تستحقّ الثمن؟ أفلا نترك كلّ شيء لنتبع يسوع في الطريق الذي يفتحه لنا هنا؛ أفلا نصوم، إن دعت الحاجة؟ أفلا نفعل كلّ شيء لكي لا يعوقنا الجسد ولا العالم من حولنا عن عمل حياتنا العظيم، أي الشركة مع إلهنا في الصلاة، لكي نصير رجال إيمان يستطيع أن يستخدمهم في عمله لخلاص العالم؟
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
أيها الرب يسوع! كم تضطرّ على الدوام أن توبّخنا على عدم إيماننا! وكم لا بدّ أن يبدو لك غريبًا هذا العجز الرهيب عن الثقة بأبينا وبمواعيده! يا رب! ليغص توبيخك، بقولك الفاحص: «لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ»، إلى أعماق قلوبنا، وليكشف لنا كم من الخطيّة والألم من حولنا نحن الملومون عليه. ثم علّمنا، أيها الرب المبارك، أنّ هناك مكانًا يمكن فيه تعلّم الإيمان واقتناؤه، ألا وهو الصلاة والصوم اللذان يُدخلان إلى شركة حيّة ثابتة معك ومع الآب.
أيها المخلّص! أنت نفسك رئيس إيماننا ومكمّله؛ فعلّمنا ما معنى أن ندعك تحيا فينا بروحك القدوس. يا رب! لقد كانت جهودنا وصلواتنا طلبًا لنعمة الإيمان عديمة الجدوى إلى هذا الحدّ. ونحن نعرف لماذا كان ذلك: لقد طلبنا أن تُعطى لنا منك قوّة في ذواتنا. أيها القدوس يسوع! علّمنا أخيرًا سرّ حياتك فينا، وكيف أنك، بروحك، تتكفّل بأن تحيا فينا حياة الإيمان، وأن تحرص على ألّا يفنى إيماننا. آه، أرنا أنّ إيماننا لن يكون إلا جزءًا من حياة الصلاة العجيبة تلك التي تعطيها للذين ينتظرون تدريبهم لخدمة الشفاعة، لا بالكلام والفكر فقط، بل بالمسحة المقدّسة التي تعطيها، بفيض روح حياتك أنت. وعلّمنا كيف ننمو، بالصوم والصلاة، إلى الإيمان الذي لا يكون شيء غير ممكن لديه. آمين.
ملاحظة
في الوقت الذي كان فيه بلومهارت يجتاز صراعه الرهيب مع الأرواح الشرّيرة في الذين كانوا ممسوسين بها، ساعيًا إلى إخراجها بالصلاة، كثيرًا ما تساءل عمّا يعوق الاستجابة. وفي أحد الأيام وجّه صديق، كان قد حدّثه عن ضيقه، انتباهه إلى كلمات ربّنا عن الصوم. فعزم بلومهارت على أن يكرّس نفسه للصوم، وأحيانًا لأكثر من ثلاثين ساعة. ومن التأمّل والاختبار تكوّنت لديه القناعة بأنّ للصوم أهمية أكبر ممّا يُظَنّ عادةً. فهو يقول: «بما أنّ الصوم هو أمام الله برهان عمليّ على أنّ الأمر الذي نطلبه هو عندنا أمر ذو شأن حقيقيّ ملحّ، وبما أنه يقوّي إلى درجة عالية حرارة الصلاة وقوّتها، ويصير التعبير العمليّ الدائم عن صلاة بغير كلمات، فقد أمكنني أن أؤمن بأنه لن يكون بغير فاعلية، ولا سيّما أنّ كلمات المعلّم كانت تشير إلى حالة كهذه الحالة. فجرّبته من غير أن أخبر أحدًا، وحقًّا لقد خفّ الصراع اللاحق بسببه تخفيفًا غير عاديّ. وصرت أستطيع أن أتكلّم بهدوء وحزم أكبر بكثير. ولم أعد أحتاج أن أبقى مدّة طويلة حاضرًا مع المريض؛ وشعرت أنني أستطيع أن أؤثّر من غير أن أكون حاضرًا».
اكتمل الفصل 14
علاج عدم الإيمان