مع المسيح في مدرسة الصلاة
سرّ صلاة الإيمان

فصل 13 · قراءة 7 د

سرّ صلاة الإيمان

«فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ… وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ… يَكُونُ لَهُ. لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ»—مرقس 11:22-24.

إنّ الوعد باستجابة الصلاة، الذي كان موضوع درسنا بالأمس، هو من أعجب المواعيد في الكتاب المقدّس كله. وكم من قلوب أثار فيها هذا السؤال: كيف لي، يا تُرى، أن أبلغ ذلك الإيمان الذي يعلم أنه ينال كلّ ما يطلب؟

وهذا السؤال بعينه هو ما يريد ربّنا أن يجيب عنه اليوم. فقبل أن يعطي تلاميذه ذلك الوعد العجيب، نطق بكلمة أخرى يبيّن فيها من أين ينبع الإيمان باستجابة الصلاة، ومن أين يستمدّ قوّته على الدوام. ليكن لكم إيمان بالله: هذه الكلمة تسبق الأخرى، أي: ليكن لكم إيمان بالوعد باستجابة الصلاة. فالقدرة على تصديق الوعد تتوقّف كلّ التوقّف، وعليه وحده، على الإيمان بالواعد. والثقة بالشخص تلد الثقة بكلمته. وإنما حيث نحيا مع الله ونعاشره في شركة شخصية ملؤها المحبة، وحيث يكون الله نفسه كلّ شيء لنا، وحيث يكون كياننا كله مفتوحًا على الدوام ومعرّضًا للمؤثّرات القديرة العاملة حيث يُعلَن حضوره المقدّس، هناك فقط تنمو فينا القدرة على الإيمان بأنه يعطينا كلّ ما نطلب.

وستتّضح لنا هذه الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بوعده إذا تأمّلنا ما هو الإيمان في حقيقته. فكثيرًا ما يُشبَّه باليد أو بالفم، اللذين بهما نأخذ ما يُقدَّم لنا ونجعله ملكًا لنا. غير أنّ من المهمّ أن نفهم أنّ الإيمان هو أيضًا الأذن التي بها أسمع ما وُعدت به، والعين التي بها أرى ما يُقدَّم لي. وعلى هذا تتوقّف القدرة على الأخذ. فلا بدّ لي أن أسمع الشخص الذي يعطيني الوعد: فنبرة صوته نفسها تمنحني الشجاعة على الإيمان. ولا بدّ لي أن أراه: ففي نور عينه ووجهه يزول كلّ خوف من جهة حقّي في الأخذ. إنّ قيمة الوعد تتوقّف على الواعد: فعلى معرفتي بمن هو الواعد يتوقّف إيماني بالوعد.

ولهذا السبب يقول يسوع أولًا، قبل أن يعطي ذلك الوعد العجيب عن الصلاة: «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ». أي: لتكن عينك مفتوحة على الله الحيّ، وتفرّس فيه، كأنك ترى من لا يُرى. فبالعين أُسلم نفسي لتأثير ما هو أمامي؛ فأنا ببساطة أدعه يدخل، ويعمل عمله، ويترك طابعه في ذهني. وهكذا فالإيمان بالله هو ببساطة التطلّع إلى الله وإلى ما هو عليه، وأن ندعه يعلن حضوره، ونعطيه وقتًا، ونُسلم الكيان كله ليتشرّب الانطباع الكامل لما هو عليه بوصفه الله، والنفس مفتوحة لتقبل ظلّ محبته المظلّل عليها وتفرح به. نعم، الإيمان هو العين التي يُري الله لها ما هو عليه وما يعمله: فبالإيمان يتدفّق إلى النفس نور حضوره وأعمال قدرته العظيمة. وكما أنّ ما أراه يحيا فيّ، هكذا بالإيمان يحيا الله فيّ أيضًا.

وكذلك الإيمان هو أيضًا الأذن التي بها يُسمَع صوت الله على الدوام، وتدوم الشركة معه. فبالروح القدس يكلّمنا الآب؛ والابن هو الكلمة، أي جوهر ما يقوله الله؛ والروح هو الصوت الحيّ. وهذا ما يحتاج إليه ولد الله ليقوده ويرشده؛ فالصوت الخفيّ الآتي من السماء لا بدّ أن يعلّمه، كما علّم يسوع، ماذا يقول وماذا يفعل. والأذن المفتوحة نحو الله، أي القلب المؤمن المنتظر إيّاه ليسمع ما يقوله، ستسمعه يتكلّم. فلن تكون كلمات الله مجرّد كلمات في كتاب، بل إذ تخرج من فم الله تكون روحًا وحقًّا، حياةً وقوّة. وهي تجعل ما ليس في غير ذلك إلا أفكارًا فعلًا واختبارًا حيًّا. وبهذه الأذن المفتوحة تمكث النفس تحت تأثير حياة الله نفسه وقوّته. وكما أنّ الكلمات التي أسمعها تدخل الذهن وتسكن فيه وتعمل، هكذا بالإيمان يدخل الله القلب ويسكن فيه ويعمل.

فمتى كان الإيمان في كامل عمله عينًا وأذنًا، أي قوّةً في النفس بها نرى الله ونسمعه، استطاع حينئذ أن يمارس كامل قوّته يدًا وفمًا، بهما نتملّك الله وبركته. فالقدرة على القبول تتوقّف كلّيًّا على القدرة على الإدراك الروحي. ولهذا السبب قال يسوع، قبل أن يعطي الوعد بأنّ الله يستجيب صلاة الإيمان: «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ». فالإيمان هو ببساطة التسليم: أُسلم نفسي للانطباع الذي تحدثه فيّ الأخبار التي أسمعها. بالإيمان أُسلم نفسي لله الحيّ. فيملأ مجده ومحبته قلبي، ويتسلّطان على حياتي. والإيمان شركة؛ فأنا أُسلم نفسي لتأثير الصديق الذي يعطيني وعدًا، فأرتبط به بواسطته. وحين ندخل هذه الشركة الحيّة مع الله نفسه، في إيمان يراه ويسمعه على الدوام، يصير من السهل والطبيعي أن نؤمن بوعده من جهة الصلاة. فالإيمان بالوعد ثمر الإيمان بالواعد: وصلاة الإيمان متأصّلة في حياة الإيمان. وعلى هذا النحو يكون الإيمان الذي يصلّي بفاعلية عطيّةً من الله حقًّا. لا بوصفه شيئًا يمنحه أو يسكبه دفعةً واحدة، بل بمعنى أعمق وأصدق بكثير، بوصفه ذلك الاستعداد المبارك أو تلك العادة في النفس التي تتكوّن فينا وتنمو في حياة الشركة معه. وحقًّا إنّ من يعرف أباه جيّدًا، ويحيا معه في شركة وثيقة دائمة، يجد أمرًا بسيطًا أن يؤمن بالوعد بأنه سيعمل مشيئة ولده الذي يحيا في اتّحاد به.

ولأنّ كثيرين جدًّا من أولاد الله لا يفهمون هذه الصلة بين حياة الإيمان وصلاة الإيمان، يبقى اختبارهم لقوّة الصلاة محدودًا إلى هذا الحدّ. فإذا اشتاقوا بحرارة أن ينالوا من الله استجابة، علّقوا قلوبهم كلها بالوعد، وبذلوا أقصى جهدهم ليمسكوا ذلك الوعد بالإيمان. فإذا لم يفلحوا، أوشكوا أن يفقدوا الرجاء؛ فالوعد صادق، لكنّ الإمساك به بالإيمان فوق طاقتهم. فاسمع الدرس الذي يعلّمنا إيّاه يسوع اليوم: ليكن لكم إيمان بالله، بالله الحيّ: ليتطلّع الإيمان إلى الله أكثر ممّا يتطلّع إلى الشيء الموعود به: فمحبته، وقدرته، وحضوره الحيّ، هي التي توقظ الإيمان وتصنعه. فالطبيب يقول لمن يسأله عن وسيلة ينال بها مزيدًا من القوّة في ذراعيه ويديه ليقبض ويمسك، إنّ بنيته كلها لا بدّ أن تُبنى وتتقوّى. وهكذا فعلاج الإيمان الضعيف لا يوجد إلا في إنعاش حياتنا الروحية كلها بالشركة مع الله. تعلّم أن تؤمن بالله، وأن تمسك بالله، وأن تدع الله يمتلك حياتك، فيسهل عليك أن تمسك بالوعد. فمن يعرف الله ويثق به يجد من السهل أن يثق بالوعد أيضًا.

ولاحظ فقط كيف يظهر هذا بوضوح في قدّيسي القديم. فكلّ إظهار خاصّ لقوّة الإيمان كان ثمر إعلان خاصّ من الله. انظر ذلك في إبراهيم: «صَارَ كَلَامُ ٱلرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ… قَائِلًا: لَا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ… ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ… فَآمَنَ بِٱلرَّبِّ». ثم أيضًا فيما بعد: «ظَهَرَ ٱلرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: أَنَا ٱللهُ ٱلْقَدِيرُ… فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَتَكَلَّمَ ٱللهُ مَعَهُ قَائِلًا: أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ». فإعلان الله نفسه هو الذي أعطى الوعد قوّته الحيّة ليدخل القلب ويصنع الإيمان. ولأنّ رجال الإيمان هؤلاء عرفوا الله، لم يكن في وسعهم إلا أن يثقوا بوعده. فوعد الله سيكون لنا على قدر ما يكون الله نفسه لنا. إنّ الإنسان الذي يسلك أمام الرب، ويسقط على وجهه ليصغي فيما الله الحيّ يكلّمه، هو الذي ينال الوعد حقًّا. ومع أنّ مواعيد الله بين أيدينا في الكتاب المقدّس، ولنا الحرّية التامّة أن نأخذها، فإنّ القوّة الروحية تعوزنا، إلا حين يقولها الله نفسه لنا. وهو يكلّم الذين يسلكون معه ويحيون معه. لذلك، ليكن لكم إيمان بالله: ليكن الإيمان كلّه عينًا وأذنًا، أي تسليمًا يدع الله يحدث انطباعه الكامل ويعلن ذاته كاملًا في النفس. واحسب من أعظم بركات الصلاة أن تمارس الإيمان بالله، بوصفه الله الحيّ القدير الذي ينتظر ليكمّل فينا كلّ مسرّة مشيئته، وعمل الإيمان بقوّة. وانظر فيه إله المحبة الذي مسرّته أن يبارك وأن يهب ذاته. ففي مثل هذا السجود الذي هو إيمان بالله تأتي سريعًا القدرة على الإيمان بالوعد أيضًا: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ… فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ». نعم، احرص أن تجعل الله لك بالإيمان؛ فيكون الوعد لك أيضًا.

يا لها من دروس ثمينة يريد يسوع أن يعلّمنا إيّاها اليوم! نحن نطلب عطايا الله: والله يريد أن يعطينا ذاته هو أوّلًا. نحن نفكّر في الصلاة على أنها القوّة التي نستنزل بها العطايا الصالحة من السماء؛ ويسوع يراها الوسيلة التي نرتفع بها نحن إلى الله. نحن نريد أن نقف عند الباب ونصرخ؛ ويسوع يريدنا أن ندخل أوّلًا وندرك أننا أصدقاء وأولاد. فلنقبل هذا التعليم. وليدفعنا كلّ اختبار لصغر إيماننا في الصلاة إلى أن يكون لنا أوّلًا مزيد من الإيمان بالله الحيّ، وأن نمارسه، وأن نُسلم أنفسنا له في هذا الإيمان. فالقلب الممتلئ بالله له قوّة على صلاة الإيمان. والإيمان بالله يلد الإيمان بالوعد، وبالوعد باستجابة الصلاة أيضًا.

لذلك، يا ولد الله، خذ وقتًا، خذ وقتًا، لتنحني أمامه هو، ولتنتظره هو حتى يعلن ذاته. خذ وقتًا، ودع نفسك في رهبة مقدّسة وسجود تمارس إيمانها بغير المحدود وتعبّر عنه، وإذ يهب لك ذاته ويمتلكك، تتوّج صلاةُ الإيمان إيمانَك بالله.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

يا إلهي! إني أومن بك. أومن بك آبًا، غير محدود في محبتك وقدرتك. وابنًا، فاديَّ وحياتي. وروحًا قدسًا، معزّيًا ومرشدًا وقوّة. أيها الإله الواحد المثلّث الأقانيم، إنّ لي إيمانًا بك. وإني أعلم وأوقن أنّ كلّ ما أنت عليه، أنت هو لي، وأنّ كلّ ما وعدت به ستتمّمه.

أيها الرب يسوع! زد هذا الإيمان. علّمني أن آخذ وقتًا، وأن أنتظر وأسجد في الحضرة المقدّسة، حتى يستوعب إيماني كلّ ما في إلهي لي. ليره ينبوع كلّ حياة، عاملًا بقوّة القدير ليتمّم مشيئته في العالم وفيّ. ليره في محبته مشتاقًا أن يلاقي رغباتي ويحقّقها. ليمتلك قلبي وحياتي حتى يسكن الله وحده هناك بالإيمان. أيها الرب يسوع، أعنّي! فبكلّ قلبي أريد أن أومن بالله. ليملأني الإيمان بالله في كلّ لحظة.

يا مخلّصي المبارك! كيف تستطيع كنيستك أن تمجّدك، وكيف تستطيع أن تتمّم عمل الشفاعة ذاك الذي به لا بدّ أن يأتي ملكوتك، ما لم تكن حياتنا كلها إيمانًا بالله؟ أيها الرب المبارك! قل كلمتك: «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ»، في أعماق نفوسنا.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل