مع المسيح في مدرسة الصلاة
الصلاة والمحبة

فصل 15 · قراءة 7 د

الصلاة والمحبة

«وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَٱغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ زَلَّاتِكُمْ»—مرقس 11:25.

هذه الكلمات تلي مباشرةً الوعد العظيم عن الصلاة: «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ». وقد رأينا من قبل كيف أنّ الكلمات التي سبقت ذلك الوعد، «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ»، علّمتنا أنّ كلّ شيء في الصلاة يتوقّف على أن تكون علاقتنا بالله سليمة صافية؛ وهذه الكلمات التي تليه تذكّرنا بأنّ علاقتنا بإخوتنا البشر لا بدّ أن تكون سليمة صافية أيضًا. فمحبة الله ومحبة القريب لا تنفصلان: والصلاة الصادرة من قلب ليس مستقيمًا مع الله من جهة، أو مع الناس من جهة أخرى، لا تقدر أن تغلب. فالإيمان والمحبة كلّ منهما لازم للآخر.

ونجد أنّ هذه فكرة كثيرًا ما عبّر عنها ربّنا. ففي الموعظة على الجبل (متى 5:23-24)، إذ كان يتكلّم عن الوصية السادسة، علّم تلاميذه كم هو مستحيل أن يكون السجود للآب مقبولًا إن لم يكن كلّ شيء مستقيمًا مع الأخ: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى ٱلْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لِأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَٱتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ ٱلْمَذْبَحِ، وَٱذْهَبْ أَوَّلًا ٱصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ». وكذلك فيما بعد، حين تكلّم عن الصلاة إلى الله، وبعد أن علّمنا أن نصلّي: «وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا»، أضاف في ختام الصلاة: «وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ، لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلَّاتِكُمْ». وفي ختام مثل العبد الذي لا يرحم يطبّق تعليمه بهذه الكلمات: «فَهَكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لِأَخِيهِ زَلَّاتِهِ». وهكذا هنا أيضًا، بجانب التينة اليابسة، حيث يتكلّم عن قوّة الإيمان العجيبة وعن صلاة الإيمان، يُدخل فجأةً، وعلى غير ارتباط ظاهر، هذه الفكرة: «وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَٱغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ زَلَّاتِكُمْ». وكأنّ الرب قد تعلّم في أثناء حياته في الناصرة وبعدها أنّ عصيان ناموس المحبة للناس هو الخطيّة العظمى حتى عند المصلّين، والسبب الأعظم لضعف صلاتهم. وكأنه أراد أن يقودنا إلى اختباره هو المبارك، أنه ليس ما يعطي حرّية الدخول وقوّة الإيمان كالشعور بأننا قد بذلنا أنفسنا بمحبة وحنان لأجل الذين يحبّهم الله.

الدرس الأوّل الذي نتعلّمه هنا هو روح الغفران. فنحن نصلّي: «ٱغْفِرْ… كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ». والكتاب يقول: «مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ ٱللهُ أَيْضًا فِي ٱلْمَسِيحِ». فغفران الله الكامل المجّانيّ ينبغي أن يكون قاعدة غفراننا نحن للناس. وإلا فإنّ غفراننا المتردّد الفاتر، الذي ليس غفرانًا ألبتّة، سيكون قاعدة الله في معاملته لنا. فكلّ صلاة تستند إلى إيماننا بنعمة الله الغافرة. ولو عاملنا الله بحسب خطايانا، لما سُمعت صلاة واحدة. فالغفران يفتح الباب لكلّ محبة الله وبركته: ولأنّ الله قد غفر كلّ خطايانا، تقدر صلاتنا أن تغلب لتنال كلّ ما نحتاج إليه. والأساس العميق الأكيد لاستجابة الصلاة هو محبة الله الغافرة. فإذا امتلكت القلب، صلّينا بالإيمان. ولكن إذا امتلكت القلب، عشنا أيضًا في المحبة. فروح الغفران التي في الله، المعلنة في محبته لنا، تصير روحًا فينا؛ وإذ تنسكب فينا قوّة محبته الغافرة وتسكن في داخلنا، نغفر كما يغفر هو. فإن وقع علينا أذى أو ظلم عظيم أليم، سعينا قبل كلّ شيء إلى أن تكون لنا روح إلهيّة؛ وإلى أن نُحفَظ من الشعور بالكرامة المجروحة، ومن الرغبة في الدفاع عن حقوقنا، أو من مجازاة المسيء بما يستحقّ. وفي المضايقات الصغيرة التي في الحياة اليومية، نسهر لئلّا نلتمس العذر للطبع الحادّ، والكلمة الجارحة، والحكم المتسرّع، بحجّة أننا لا نقصد سوءًا، أو أننا لا نحتفظ بالغضب طويلًا، أو أنه من المبالغة أن يُنتظَر من الطبيعة البشرية الضعيفة أن نغفر حقًّا كما يغفر الله والمسيح. كلا، بل نأخذ الوصية بحرفها: «كَمَا غَفَرَ لَكُمُ ٱلْمَسِيحُ هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا». فالدم الذي يطهّر الضمير من أعمال ميتة يطهّر من الأنانيّة أيضًا؛ والمحبة التي يعلنها محبة غافرة، تمتلكنا وتفيض من خلالنا إلى الآخرين. ومحبتنا الغافرة للناس هي البرهان على حقيقة محبة الله الغافرة فينا، ومن ثَمّ هي شرط صلاة الإيمان.

وهناك درس ثانٍ أعمّ: إنّ حياتنا اليومية في العالم تُجعَل محكًّا لشركتنا مع الله في الصلاة. فكم من مرّة يبذل المسيحيّ، حين يأتي ليصلّي، أقصى جهده ليصطنع أحوالًا نفسية معيّنة يظنّ أنها تُرضي الله. فهو لا يفهم، أو ينسى، أنّ الحياة لا تتألّف من قطع مفكّكة كثيرة، يُلتقَط منها الآن هذا، ثم ذاك. فالحياة كلّ واحد، والحالة التقيّة في ساعة الصلاة يحكم عليها الله من الحالة العادية في الحياة اليومية التي ليست ساعة الصلاة إلا جزءًا صغيرًا منها. فليس الشعور الذي أستحضره، بل طابع حياتي في أثناء النهار، هو مقياس الله لما أنا عليه حقًّا ولما أشتهيه. فاقترابي إلى الله قطعة واحدة مع معاملتي للناس وللأرض: والإخفاق هنا يجرّ الإخفاق هناك. وليس ذلك حين يكون هناك شعور واضح بأمر خاطئ بيني وبين قريبي فحسب؛ بل إنّ المجرى العاديّ لتفكيري وأحكامي، والأفكار والكلمات الخالية من المحبة التي أدعها تمرّ دون أن أنتبه إليها، يمكن أن تعوق صلاتي. فصلاة الإيمان الفعّالة تخرج من حياة مسلَمة لمشيئة الله ومحبته. فليس بحسب ما أحاول أن أكونه حين أصلّي، بل بحسب ما أنا عليه حين لا أصلّي، يعامل الله صلاتي.

ويمكننا أن نجمع هذه الأفكار في درس ثالث: إنّ الأمر الواحد الذي يتوقّف عليه كلّ شيء في حياتنا مع الناس هو المحبة. فروح الغفران هي روح المحبة. ولأنّ الله محبة فهو يغفر: وإنما حين نكون ساكنين في المحبة نستطيع أن نغفر كما يغفر الله. ففي محبة الإخوة لنا البرهان على محبة الآب، وأساس الثقة أمام الله، واليقين بأنّ صلاتنا ستُسمَع (يوحنا الأولى 4:20، 3:18-21، 23.). «نُحِبَّ… بِٱلْعَمَلِ وَٱلْحَقِّ؛ وَبِهَذَا… نُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ. إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا، فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ ٱللهِ. وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ». فلا الإيمان ولا العمل ينفعان إن لم تكن لنا محبة؛ فالمحبة هي التي توحّد بالله، والمحبة هي التي تبرهن على حقيقة الإيمان. وكما أنّ الكلمة التي تسبق الوعد العظيم عن الصلاة في مرقس 11:24، «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ»، لازمة، هكذا هذه الكلمة التي تليه: «لتكن لكم محبة للناس». فالعلاقات السليمة مع الله الحيّ الذي فوقي، ومع الناس الأحياء الذين حولي، هي شروط الصلاة الفعّالة.

ولهذه المحبة أهمية خاصّة حين نتعب لأجل أمثال هؤلاء ونصلّي لأجلهم. فنحن أحيانًا نكرّس أنفسنا للعمل لأجل المسيح، بدافع الغيرة على قضيّته كما نسمّيها، أو لأجل صحّتنا الروحية نحن، من غير أن نبذل أنفسنا بمحبة شخصية مضحّية لأجل الذين نطلب نفوسهم. فلا عجب أن يكون إيماننا ضعيفًا لا يغلب. أن ننظر إلى كلّ بائس، مهما كان غير محبوب، في نور محبة يسوع الحانية، الراعي الذي يطلب الضالّ؛ وأن نرى يسوع المسيح فيه، ونحتضنه، لأجل يسوع، في قلب يحبّ حقًّا، هذا، هذا هو سرّ صلاة الإيمان والجهد الناجح. فيسوع، إذ يتكلّم عن الغفران، يتكلّم عن المحبة بوصفها أصله. وكما ربط في الموعظة على الجبل تعليمه ومواعيده عن الصلاة بالدعوة إلى أن نكون رحماء كما أنّ الآب الذي في السماوات رحيم (متى 5:7، 9، 22، 38-48)، هكذا نرى الأمر هنا: الحياة المُحِبّة شرط صلاة الإيمان.

وقد قيل: ليس هناك ما يفحص القلب كصلاة الإيمان، أو حتى كالجهد الصادق للصلاة بالإيمان. آه، لا نثلمنّ حدّ ذلك الفحص الذاتيّ بالفكرة القائلة إنّ الله لا يسمع صلاتنا لأسباب لا يعلمها إلا هو. حاشا. «تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا». فلتفحصنا كلمة الله هذه. ولنسأل: هل صلاتنا حقًّا تعبير عن حياة مسلَمة بالتمام لمشيئة الله ولمحبة الإنسان؟ فالمحبة هي التربة الوحيدة التي يستطيع الإيمان أن يضرب فيها جذوره وينمو. وإذ يرفع ذراعيه ويفتح قلبه نحو السماء، ينظر الآب دائمًا ليرى هل هما مفتوحان نحو الأشرار وغير المستحقّين أيضًا. ففي تلك المحبة، لا محبة البلوغ الكامل حقًّا، بل محبة القصد الثابت والطاعة المخلصة، يستطيع الإيمان وحده أن ينال البركة. إنّ الذي يُسلم نفسه لكي يدع محبة الله تسكن فيه، ولكي يحبّ في ممارسة الحياة اليومية كما يحبّ الله، هو الذي تكون له القدرة على أن يؤمن بالمحبة التي تسمع كلّ صلاة له. إنه الخروف الذي في وسط العرش: فالمحبة المتألّمة الطويلة الأناة هي التي تغلب مع الله في الصلاة. طوبى للرحماء لأنهم يُرحَمون؛ والودعاء يرثون الأرض.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الآب المبارك! أنت محبة، ومن يثبت في المحبة، هو وحده يثبت فيك وفي الشركة معك. لقد علّمني الابن المبارك اليوم ثانيةً كم هذا صادق بعمق من جهة شركتي معك في الصلاة. يا إلهي! لتكن محبتك، المنسكبة في قلبي بالروح القدس، ينبوع محبة فيّ لكلّ من حولي، حتى تنبع من حياة في المحبة قوّة صلاة الإيمان. يا أبي! امنحني بالروح القدس أن يكون هذا اختباري: أنّ حياة المحبة لكلّ من حولي هي الباب إلى حياة في محبة إلهي. وأعطني خصوصًا أن أجد في الفرح الذي به أغفر يومًا فيومًا لكلّ من قد يسيء إليّ البرهان على أنّ غفرانك لي قوّة وحياة.

أيها الرب يسوع! يا معلّمي المبارك! علّمني أنت أن أغفر وأن أحبّ. لتجعل قوّة دمك غفران خطاياي حقيقة، حتى يكون الغفران، كما أظهرته أنت لي وكما أُظهره أنا للآخرين، فرح السماء بعينه. أرني كلّ ما في معاملتي لإخوتي البشر قد يعوق شركتي مع الله، حتى تكون حياتي اليومية في بيتي وفي المجتمع هي المدرسة التي تُجمَع فيها القوّة والثقة لصلاة الإيمان. آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل