مع المسيح في مدرسة الصلاة
الإيمان الذي يأخذ

فصل 12 · قراءة 8 د

الإيمان الذي يأخذ

«لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أنكم قد نلتموه، فيكون لكم»—مرقس 11:24

يا له من وعد! إنه واسع جدًا، وإلهي جدًا، حتى إن قلوبنا الصغيرة لا تستطيع أن تسعه، فتسعى بكل وسيلة ممكنة إلى أن تحصره فيما نظنه مأمونًا أو محتملًا، بدل أن تدعه، بقوته المحيية وفاعليته، كما أعطاه هو تمامًا، يدخل إليها ويوسّعها إلى قدر ما تستعد محبته وقدرته حقًا أن تعملاه لنا. فالإيمان أبعد ما يكون عن أن يكون مجرد اقتناع بصدق كلمة الله، أو نتيجة مستخلَصة من مقدمات معيّنة. إنه الأذن التي سمعت الله يقول ما سيعمله، والعين التي رأته يعمله؛ ولذلك، حيث يوجد الإيمان الحقيقي، يستحيل ألّا تأتي الاستجابة. فإن نحن فقط حرصنا على أن نعمل الأمر الواحد الذي يطلبه منا ونحن نصلّي: آمنوا أنكم قد نلتموه، فإنه سيحرص على أن يعمل الأمر الذي وعد به: «فَيَكُونَ لَكُمْ». إن النغمة الأساسية في صلاة سليمان (أخبار الأيام الثاني 6:4): «مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي كَلَّمَ بِفَمِهِ دَاوُدَ أَبِي وَأَكْمَلَ بِيَدَيْهِ»، هي النغمة الأساسية لكل صلاة حقيقية: السجود الفَرِح لإله تضمن يده دائمًا تحقيق ما تكلّم به فمه. فلنصغِ بهذه الروح إلى الوعد الذي يعطيه يسوع؛ فلكل جزء منه رسالته الإلهية.

«كُلُّ مَا». عند هذه الكلمة الأولى تبدأ حكمتنا البشرية للحال تشكّ وتسأل: لا يمكن بالتأكيد أن يكون هذا صحيحًا بحرفه؟ ولكن إن لم يكن كذلك، فلماذا نطق به المعلّم، مستعملًا أقوى تعبير استطاع أن يجده: «كُلُّ مَا»؟ وليس الأمر كأن هذه هي المرة الوحيدة التي تكلّم فيها هكذا؛ أليس هو الذي قال أيضًا: «إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ»؛ «لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ… وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ». فالإيمان هو بالتمام عمل روح الله بكلمته في القلب المُعَدّ للتلميذ المؤمن، حتى إنه يستحيل ألّا يأتي التحقيق؛ فالإيمان هو عربون الاستجابة الآتية وطليعتها. نعم، «كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي ٱلصَّلَاةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ». والعقل البشري يميل إلى أن يتدخل هنا، فيكسر، بقيود معيّنة مثل «إن كان ذلك نافعًا» و«إن كان بحسب مشيئة الله»، قوة قول يبدو خطرًا. آه، لنحذر من أن نعامل كلمات المعلّم هكذا. فوعده صادق بحرفه تمامًا. إنه يريد لكلمته «كُلُّ شَيْءٍ»، التي كثيرًا ما كرّرها، أن تدخل قلوبنا، وتكشف لنا كم هي عظيمة قوة الإيمان، وكيف يدعو الرأس الأعضاء حقًا إلى أن يشاركوه قدرته، وكيف يضع أبونا قدرته بالتمام تحت تصرّف الابن الذي يثق به بالتمام. ففي هذه الكلمة «كُلُّ شَيْءٍ» يجد الإيمان غذاءه وقوته: وكلما أضعفناها أضعفنا الإيمان. إن «كُلُّ مَا» هذه غير مشروطة: والشرط الوحيد هو ما يتضمنه الإيمان نفسه. فقبل أن نستطيع أن نؤمن لا بد أن نكتشف مشيئة الله ونعرفها؛ فالإيمان ممارسة نفس مسلَّمة ومكرَّسة لتأثير الكلمة والروح؛ ولكن متى آمنّا فلن يكون شيء غير ممكن. حاشا لنا أن نحاول إنزال «كُلُّ شَيْءٍ» التي قالها إلى مستوى ما نظنه ممكنًا. فلنأخذ الآن ببساطة «كُلُّ مَا» التي قالها المسيح مقياسًا لإيماننا ورجاءً له: إنها كلمة بذرة، إن أُخذت كما يعطيها هو تمامًا وحُفظت في القلب، فإنها تتفتح وتضرب جذورها، وتملأ حياتنا بملئها، وتأتي بثمر كثير.

«كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ». ففي الصلاة ينبغي أن يُؤتى بهذه الأمور كلها إلى الله، لتُطلب منه وتُنال. والإيمان الذي ينالها هو ثمر الصلاة. فمن جهة، لا بد أن يوجد الإيمان قبل أن توجد الصلاة؛ ومن جهة أخرى، الإيمان هو حصيلة الصلاة ونموّها. ففي حضرة المخلّص الشخصية، وفي الشركة معه، يرتفع الإيمان ليمسك بما بدا في البدء أعلى من المنال. وفي الصلاة نرفع رغبتنا إلى نور مشيئة الله المقدسة، فتُمتحن دوافعنا، ويظهر البرهان هل نطلب حقًا باسم يسوع، ولمجد الله وحده. وفي الصلاة ننتظر قيادة الروح ليرينا هل نطلب الشيء الصحيح وبالروح الصحيحة. وفي الصلاة نصير واعين بقلّة إيماننا، ونُقاد إلى أن نقول للآب إننا نؤمن، ونبرهن على حقيقة إيماننا بالثقة التي بها نثابر. في الصلاة يعلّم يسوع الإيمان ويلهمه. فمن ينتظر ليصلّي، أو تخور عزيمته في الصلاة، لأنه لا يشعر بعدُ بالإيمان اللازم لنيل الاستجابة، لن يتعلّم أبدًا أن يؤمن. أما من يبدأ يصلّي ويطلب فسيجد أن روح الإيمان لا يُعطى في موضع بيقين كما يُعطى عند قدم العرش.

«آمنوا أنكم قد نلتموه». واضح أن ما علينا أن نؤمن به هو أننا ننال الأشياء عينها التي نطلبها. فالمخلّص لا يلمّح إلى أن الآب، لأنه يعلم ما هو الأفضل، قد يعطينا شيئًا آخر. فالجبل عينه الذي يأمره الإيمان بأن ينتقل يُطرح في البحر. هناك صلاة فيها نُعلم طلباتنا في كل شيء بالصلاة والدعاء، ومكافأتها سلام الله العذب الذي يحفظ القلب والفكر. هذه هي صلاة الثقة. وهي تتعلق بأمور لا نستطيع أن نكتشف هل سيعطيها الله. فكأولاد نُعلم رغباتنا في الأمور التي لا تُحصى في الحياة اليومية، ونترك للآب أن يعطي أو لا يعطي كما يرى الأفضل. أما صلاة الإيمان التي يتكلم عنها يسوع فشيء مختلف، شيء أسمى. فحين تُقاد النفس، سواء في مصالح عمل المعلّم الكبرى، أو في شؤون حياتنا اليومية الصغرى، إلى أن ترى أنه لا شيء يكرم الآب كالإيمان الموقن بأنه سيعمل ما قاله، إذ يعطينا كل ما نطلبه، وتقف على الوعد كما يطبّقه الروح على القلب، فإنها تستطيع أن تعلم يقينًا أنها تنال بالضبط ما تطلبه. انظر فقط كم يضع الرب هذا أمامنا بوضوح في العدد 23: «مَنْ… وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ». هذه هي بركة صلاة الإيمان التي يتكلم عنها يسوع.

«آمنوا أنكم قد نلتموه». هذه هي الكلمة ذات الأهمية المركزية، التي كثيرًا جدًا ما يُساء فهم معناها. آمن بأنك قد نلت، الآن، وأنت تصلّي، الشيء الذي تطلبه! قد لا يكون إلا في وقت لاحق أن تحصل عليه في الاختبار الشخصي، وأن ترى ما تؤمن به؛ أما الآن، من غير أن ترى، فعليك أن تؤمن بأنه قد أُعطي لك من الآب الذي في السماء. إن نيل الاستجابة للصلاة أو قبولها هو تمامًا كنيل يسوع أو الغفران أو قبولهما، أمر روحي، عمل إيمان بمعزل عن كل شعور. فحين آتي متضرعًا طالبًا الغفران، أؤمن بأن يسوع الذي في السماء هو لي، وهكذا أناله أو آخذه. وحين آتي متضرعًا طالبًا عطية خاصة، هي بحسب كلمة الله، أؤمن بأن ما أطلبه قد أُعطي لي: أؤمن بأنه لي، وأمسكه بالإيمان، وأشكر الله لأنه صار لي. «إِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا ٱلطَّلَبَاتِ ٱلَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ».

«فَيَكُونَ لَكُمْ». أي أن العطية التي نمسكها أولًا بالإيمان بوصفها ممنوحة لنا في السماء ستصير لنا أيضًا في الاختبار الشخصي. ولكن هل يلزم أن نستمر في الصلاة متى علمنا أنه قد سُمع لنا وأننا نلنا ما طلبناه؟ هناك حالات لا تلزم فيها مثل هذه الصلاة، حيث تكون البركة على وشك أن تنبثق في الحال، إن نحن فقط تمسكنا بثقتنا، وبرهنّا على إيماننا بالتسبيح لأجل ما نلناه، مع أننا لم نحصل عليه بعد في الاختبار. وهناك حالات أخرى يحتاج فيها الإيمان الذي نال إلى أن يُمتحن ويتقوّى أكثر في الصلاة المثابرة. الله وحده يعلم متى يكون كل شيء فينا وحولنا قد نضج تمامًا لظهور البركة التي أُعطيت للإيمان. كان إيليا يعلم يقينًا أن المطر سيأتي، فقد وعد الله به؛ ومع ذلك كان عليه أن يصلّي سبع مرات. ولم تكن تلك الصلاة مظهرًا ولا تمثيلًا، بل حقيقة روحية شديدة في قلب ذاك الذي انطرح هناك يتوسّل، وفي السماء التي فوق حيث كان لها عملها الفعّال. إنما «بالإيمان والأناة نرث المواعيد». الإيمان يقول بأعظم ثقة: قد نلته. والأناة تثابر في الصلاة حتى تُرى على الأرض العطية الممنوحة في السماء. «آمنوا أنكم قد نلتموه، فيكون لكم». فبين قد نلتموه في السماء ويكون لكم على الأرض تقف كلمة آمنوا: فالتسبيح والصلاة بإيمان هما حلقة الوصل.

والآن، اذكروا أمرًا واحدًا أيضًا: إن يسوع هو الذي قال هذا. فإذ نرى السماء مفتوحة لنا هكذا، والآب على العرش يعرض أن يعطينا كل ما نطلبه بالإيمان، تمتلئ قلوبنا خجلًا لأننا لم ننتفع بامتيازنا إلا قليلًا، وتمتلئ خوفًا لئلا يعجز إيماننا الضعيف بعدُ عن أن يمسك بما وُضع هكذا في متناول أيدينا بكل وضوح. وهناك أمر واحد لا بد أن يجعلنا أقوياء ومملوئين رجاءً: إن يسوع هو الذي حمل إلينا هذه الرسالة من الآب. فهو نفسه، حين كان على الأرض، عاش حياة الإيمان والصلاة. وحين أبدى التلاميذ دهشتهم مما فعله بالتينة، قال لهم إن الحياة عينها التي كان يحياها يمكن أن تكون حياتهم؛ وإنهم يستطيعون أن يأمروا لا التينة فحسب، بل الجبل نفسه، فيطيع حتمًا. وهو حياتنا: فكل ما كانه على الأرض هو هو فينا الآن؛ وكل ما يعلّمه يعطيه حقًا. إنه هو نفسه رئيس إيماننا ومكمّله: يعطي روح الإيمان؛ فلا نخف أن مثل هذا الإيمان ليس معدًّا لنا. إنه معدّ لكل ابن للآب؛ وهو في متناول كل واحد يريد فقط أن يكون كالطفل، مسلّمًا نفسه لمشيئة الآب ومحبته، واثقًا بكلمة الآب وقدرته. أيها الأخ المسيحي العزيز! لتمنحنا الشجاعةَ فكرةُ أن هذه الكلمة تأتي بيسوع، الابن، أخينا، وليكن جوابنا: نعم، أيها الرب المبارك، إننا نؤمن بكلمتك، نؤمن بأننا ننال.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الرب المبارك! لقد أتيت من عند الآب لتُرينا كل محبته، وكل كنوز البركة التي تنتظر تلك المحبة أن تمنحها. يا رب! لقد فتحت اليوم أيضًا الأبواب على مصاريعها، وأعطيتنا مواعيد كهذه عن حريتنا في الصلاة، حتى إنه لا بد أن نخجل لأن قلوبنا المسكينة لم تسعها إلا قليلًا. لقد كانت أعظم من أن نؤمن بها.

يا رب! إننا الآن نتطلع إليك لتعلّمنا أن نأخذ كلمتك الثمينة هذه ونحفظها ونستعملها: «كل ما تطلبونه، فآمنوا أنكم قد نلتموه». أيها الرب يسوع المبارك! إنما فيك أنت يجب أن يتأصل إيماننا إن كان له أن يصير قويًا. عملك قد حررنا بالتمام من سلطان الخطية، وفتح الطريق إلى الآب؛ ومحبتك تشتاق دائمًا أن تُدخلنا إلى الشركة الكاملة في مجدك وقدرتك؛ وروحك يجتذبنا دائمًا إلى أعلى، إلى حياة إيمان وثقة كاملين؛ ونحن موقنون بأننا في تعليمك سنتعلّم أن نصلّي صلاة الإيمان. إنك ستدرّبنا على أن نصلّي بحيث نؤمن بأننا ننال، ونؤمن بأنه قد صار لنا حقًا ما نطلبه. يا رب! علّمني أن أعرفك وأثق بك وأحبك، وأن أحيا فيك وأثبت فيك، حتى تصعد صلواتي كلها وتأتي أمام الله فيك، وتنال نفسي فيك اليقين بأنه قد سُمع لي. آمين.

صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل