مع المسيح في مدرسة الصلاة
يجب أن تكون الصلاة محدّدة

فصل 11 · قراءة 7 د

يجب أن تكون الصلاة محدّدة

«فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟»—مرقس 10:51؛ لوقا 18:41.

كان الأعمى يصرخ بصوت عالٍ، وأكثر كثيرًا: «يَا ٱبْنَ دَاوُدَ، ٱرْحَمْنِي!». وقد بلغ الصراخ أذن الرب؛ وكان يعلم ما يريده، وكان مستعدًا أن يمنحه إياه. لكنه قبل أن يفعل ذلك يسأله: «مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟». إنه يريد أن يسمع من فمه هو، لا الطلبة العامة للرحمة فحسب، بل التعبير الواضح عمّا كانت رغبته. وما لم ينطق بها لا يُشفى.

ولا يزال اليوم كثيرون من المتضرعين يوجّه إليهم الرب السؤال نفسه، ولا يستطيعون أن ينالوا العون الذي يطلبونه ما لم يُجيبوا عنه. فلا يجوز أن تكون صلواتنا احتكامًا مبهمًا إلى رحمته، أو صراخًا غير محدّد طلبًا للبركة، بل تعبيرًا واضحًا عن حاجة محدّدة. لا لأن قلبه المحب لا يفهم صراخنا، أو لأنه غير مستعد أن يسمع، بل لأنه يريد ذلك لأجلنا نحن. فالصلاة المحدّدة على هذا النحو تعلّمنا أن نعرف حاجاتنا معرفة أفضل. إنها تتطلب وقتًا وتفكيرًا وفحصًا للذات لنكتشف ما هي حقًا أعظم حاجاتنا. وهي تفحصنا وتضعنا على المحكّ: هل رغباتنا صادقة وحقيقية، من النوع الذي نحن مستعدون أن نثابر فيه؟ وتقودنا إلى أن نحكم هل رغباتنا بحسب كلمة الله، وهل نؤمن حقًا بأننا سننال ما نطلب. وتساعدنا على أن ننتظر الاستجابة الخاصة، وأن نلاحظها حين تأتي.

ومع ذلك ما أكثر ما تكون صلاتنا مبهمة بلا هدف! فبعضهم يصرخ طالبًا الرحمة، لكنه لا يتكلّف عناء أن يعرف ما يجب أن تعمله الرحمة له. وآخرون ربما يطلبون أن يُنقَذوا من الخطية، لكنهم لا يبدأون بأن يأتوا بخطية ما، مسمّاة باسمها، ليطالبوا بالإنقاذ منها. وآخرون أيضًا يصلّون لأجل بركة الله على من حولهم، ولأجل انسكاب روح الله على بلادهم أو على العالم، ومع ذلك ليس لهم حقل خاص ينتظرون فيه الاستجابة ويتوقعون أن يروها. ولهؤلاء جميعًا يقول الرب: وما الذي تريدونه حقًا الآن وتتوقعون أن أعمله؟ لكل مسيحي قوى محدودة، وكما لا بد أن يكون له حقل خدمة خاص يعمل فيه، كذلك أيضًا في صلواته. لكل مؤمن دائرته الخاصة: أسرته وأصدقاؤه وجيرانه. فلو أخذ واحدًا أو أكثر من هؤلاء بأسمائهم، لوجد أن هذا يُدخله حقًا مدرسة تدريب الإيمان، ويقوده إلى تعامل شخصي محدّد مع إلهه. وحين نكون قد طالبنا بالإيمان باستجابات في مثل هذه الأمور المحدّدة ونلناها، عندئذ تصير صلواتنا الأعم صلوات إيمان فعّالة.

نعلم جميعًا بأية دهشة سمع العالم المتمدّن كله كيف ردّ البوير في الترانسفال جنودًا مدرَّبين على أعقابهم في ماجوبا. وإلامَ كانوا مدينين بنجاحهم؟ في جيوش أوروبا يطلق الجندي النار على العدو المحتشد في جموع كثيفة، ولا يفكر قط في أن يقصد هدفًا لكل رصاصة. أما البويري فقد تعلّم في صيد الطرائد درسًا آخر: كانت عينه المتمرّسة تعرف كيف ترسل كل رصاصة في مهمتها الخاصة، لتقصد رجلها وتصيبه. ومثل هذا التصويب لا بد أن يكسب المعركة في العالم الروحي أيضًا. فما دمنا في الصلاة نسكب قلوبنا فحسب في كثرة من الطلبات، من غير أن نأخذ الوقت لنرى هل كل طلبة مرسلة بقصد نيل الاستجابة وتوقّعها، فلن يصيب الهدف منها إلا القليل. أما لو سألنا، إذ ننحني أمام الرب في سكون النفس، أسئلة كهذه: ما هي حقًا رغبتي الآن؟ هل أرغب فيها بالإيمان، متوقعًا أن أنال؟ هل أنا الآن مستعد أن أضعها في حضن الآب وأتركها هناك؟ هل هو أمر مقرَّر بين الله وبيني أنني سأنال الاستجابة؟ لتعلّمنا أن نصلّي بحيث يرى الله، ونعلم نحن، ما نتوقعه حقًا.

ولهذا السبب، بين أسباب أخرى، يحذّرنا الرب من تكرار الكلام باطلًا كالأمم الذين يظنون أنهم بكثرة كلامهم يُستجاب لهم. كثيرًا ما نسمع صلوات فيها حرارة وغيرة عظيمتان، تُسكب فيها طلبات كثيرة، لكن المخلّص كان سيجيب عنها بلا شك: «مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟». لو كنت في بلد غريب لأجل مصالح تجارة يملكها أبي، لكتبت حتمًا نوعين مختلفين من الرسائل. فهناك رسائل عائلية تعبّر عن كل ما تدفع إليه المودّة من حديث؛ وهناك رسائل عمل تتضمن طلبات لما أحتاج إليه. وقد تكون هناك رسائل تجمع بين الأمرين. والأجوبة ستكون على قدر الرسائل. فلا أتوقع جوابًا خاصًا عن كل جملة في الرسائل التي تحمل أخبار العائلة. أما عن كل طلب أرسله فإنني واثق من جواب يخبرني هل أُرسلت السلعة المطلوبة. وفي تعاملنا مع الله لا يجوز أن يغيب عنصر العمل هذا. فمع تعبيرنا عن الحاجة والخطية، وعن المحبة والإيمان والتكرّس، لا بد أن يكون هناك بيان محدّد لما نطلبه ونتوقع أن نناله؛ ففي الاستجابة يحب الآب أن يعطينا علامة رضاه وقبوله.

لكن كلمة المعلّم تعلّمنا أكثر من ذلك. فهو لا يقول: ماذا تتمنّى؟ بل: ماذا تريد؟ كثيرًا ما يتمنّى المرء شيئًا من غير أن يريده. فأنا أتمنّى أن أقتني سلعة ما، لكني أجد الثمن باهظًا، فأعزم على ألّا آخذها؛ أنا أتمنّاها، لكني لا أريد أن أقتنيها. الكسلان يشتهي أن يكون غنيًا، لكنه لا يريد ذلك. وكثيرون يتمنّون أن يخلصوا، لكنهم يهلكون لأنهم لا يريدون ذلك. فالإرادة تسود القلب والحياة كلهما؛ فإن كنت أريد حقًا أن أقتني شيئًا في متناول يدي، فلا أستريح حتى أقتنيه. وهكذا حين يقول لنا يسوع: «مَاذَا تُرِيدُ؟» فإنه يسأل هل عزمنا حقًا أن ننال ما نطلبه بأي ثمن، مهما عظمت التضحية. هل تريده حقًا إلى حدّ أنك، وإن أبطأ به طويلًا، لا تسكت حتى يسمع لك؟ وا أسفاه! كم من الصلوات ليست إلا أماني تُرفع وقتًا قصيرًا ثم تُنسى، أو تُرفع سنة بعد سنة كأنها أداء واجب، بينما نقنع بالصلاة من غير الاستجابة.

ولكن قد يسأل سائل: أليس الأفضل أن نعرّف الله بأمانينا، ثم نترك له أن يقرر ما هو الأفضل، من غير أن نسعى إلى فرض إرادتنا؟ كلا البتّة. فهذا بعينه هو جوهر صلاة الإيمان التي سعى يسوع إلى تدريب تلاميذه عليها: أنها لا تكتفي بأن تعرّف برغبتها ثم تترك القرار لله. فتلك تكون صلاة الخضوع، في الحالات التي لا نستطيع فيها أن نعرف مشيئة الله. أما صلاة الإيمان، فإذ تجد مشيئة الله في وعد ما من الكلمة، تتوسّل لأجل ذلك حتى يتحقق. ففي متى (9:28) نقرأ أن يسوع قال للأعميين: «أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هَذَا؟». وهنا، في مرقس، يقول: «مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟». وفي الحالتين قال إن الإيمان قد خلّصهم. وهكذا قال للمرأة الفينيقية السورية أيضًا: «عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». ليس الإيمان إلا عزم الإرادة المستند إلى كلمة الله، القائل: لا بد أن أناله. أن تؤمن حقًا هو أن تريد بثبات.

ولكن أليست مثل هذه الإرادة متعارضة مع اعتمادنا على الله وخضوعنا له؟ كلا البتّة؛ بل هي بالأحرى الخضوع الحقيقي الذي يكرم الله. فالابن لا ينال من الآب الحرية والقدرة على أن يريد ما يشاء إلا حين يكون قد تنازل عن إرادته في تسليم كامل للآب. ولكن متى قبل المؤمن مرة مشيئة الله، كما أُعلنت بالكلمة والروح، مشيئةً له هو أيضًا، فإن مشيئة الله حينئذ أن يستعمل ابنه هذه الإرادة المتجددة في خدمته. فالإرادة هي أسمى قوة في النفس؛ والنعمة تريد فوق كل شيء أن تقدّس هذه الإرادة، وهي من أبرز ملامح صورة الله، وأن تردّها إلى ممارسة كاملة حرة. وكما أن الابن الذي لا يحيا إلا لمصالح أبيه، ولا يطلب مشيئته هو بل مشيئة أبيه، يأتمنه أبوه على تجارته، كذلك يقول الله لابنه بكل صدق: «مَاذَا تُرِيدُ؟» كثيرًا ما يكون الكسل الروحي هو الذي يدّعي، تحت ستار الاتضاع، أنه لا إرادة له، لأنه يخشى عناء البحث عن مشيئة الله، أو، متى وجدها، جهاد المطالبة بها بالإيمان. فالاتضاع الحقيقي يرافق دائمًا الإيمان القوي، الذي لا يطلب إلا أن يعرف ما هو بحسب مشيئة الله، ثم يطالب بجسارة بتحقيق الوعد: «تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الرب يسوع! علّمني أن أصلّي بكل قلبي وقوتي، حتى لا يكون عندك ولا عندي أي شك فيما طلبت. ليتني أعرف ما أرغب فيه معرفة تجعلني، كما أن طلباتي مدوَّنة في السماء، أستطيع أن أدوّنها على الأرض أيضًا، وأسجّل كل استجابة حين تأتي. وليكن إيماني بما وعدت به كلمتك واضحًا إلى حد أن يعمل الروح فيّ حقًا الحرية لأن أريد أن يتحقق. يا رب! جدّد إرادتي وقوّها وقدّسها بالتمام لعمل الصلاة الفعّالة.

أيها المخلّص المبارك! أتوسّل إليك أن تكشف لي التنازل العجيب الذي تُظهره لنا، إذ تطلب منا هكذا أن نقول ماذا نريد أن تفعل، وتعد بأن تفعل كل ما نريد. يا ابن الله! لا أستطيع أن أفهم هذا؛ لا أستطيع إلا أن أؤمن بأنك قد افتديتنا حقًا بالتمام لنفسك، وأنك تسعى إلى أن تجعل الإرادة، بوصفها أنبل ما فينا، أكفأ خادم لك. يا رب! إني أسلّم إليك إرادتي بلا أي تحفّظ، لتكون القوة التي يسود بها روحك على كياني كله. ليمتلكها، وليقُدها إلى حق مواعيدك، وليجعلها قوية في الصلاة حتى أسمع صوتك دائمًا قائلًا: «عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل