فصل 10 · قراءة 11 د

الخضوع

وثمّ عنصر آخر جوهريّ لا غنى عنه في الصلاة، وهو الخضوع. فإنّ كلّ صلاة حقيقيّة لا بدّ أن تُرفع في خضوع تامّ كامل لله. فبعد أن نكون قد أنهينا طلباتنا كلّها إليه وعرّفناه بها، ينبغي أن يكون لساننا قائلًا: «لتكن مشيئتك». وإنّي لأوثر ألف مرّة أن تكون مشيئة الله هي التي تتمّ لا مشيئتي أنا. فإنّي لا أستطيع أن أنظر إلى المستقبل كما ينظر الله إليه؛ ولذلك كان من الخير لي كثيرًا جدًّا أن أدعه هو يختار لي بدلًا من أن أختار أنا لنفسي. وأنا أعرف فكره في الأمور الروحيّة. فمشيئته هي أن أتقدّس؛ ولذلك أستطيع بكلّ ثقة أن أصلّي إلى الله لأجل ذلك، وأن أنتظر جوابًا على صلواتي. وأمّا حين يتعلّق الأمر بالأمور الزمنيّة فالحال غير الحال؛ فقد لا يكون ما أطلبه هو قصد الله من جهتي.

وكما أحسن أحدهم فقال: «تحقّق أنّ الصلاة لا تعني أن أُنزل أنا الله إلى مستوى أفكاري ومقاصدي أنا، وأن أثني حكمه وتدبيره بحسب تصوّراتي الحمقاء السخيفة، بل والخاطئة أحيانًا. إنّما الصلاة تعني أن أُرفع أنا إلى الشعور معه، وإلى الاتّحاد به والقصد الواحد معه؛ وأن أدخل أنا في مشورته، وأن أنفّذ قصده تنفيذًا تامًّا كاملًا. وإنّي لأخاف أحيانًا أنّنا نفكّر في الصلاة على النقيض من ذلك كلّه تمامًا، كأنّنا نحن بها نستميل أبانا الذي في السماء أو نؤثّر فيه ليفعل كلّ ما يخطر لنا نحن على بالنا، وكلّ ما يتمّم أغراضنا الحمقاء القصيرة النظر. وإنّي لمقتنع كلّ الاقتناع بهذا الأمر: أنّ الله يعرف ما هو خير لي وخير للعالم أكثر جدًّا ممّا يمكن أن أعرفه أنا؛ وحتّى لو كان في وسعي أنا أن أقول: ‹لتكن مشيئتي أنا›، لآثرتُ مع ذلك أن أقول له: ‹لتكن مشيئتك أنت›».

ويُروى عن امرأة من النساء أنّها لمّا مرضت سُئلت أتريد أن تحيا أم أن تموت، فأجابت قائلةً: «ما يشاؤه الله هو». فقال لها قائل: «ولكن لو أنّ الله ترك الأمر إليك أنت، فأيّهما كنتِ تختارين لنفسك؟» فأجابت: «حقًّا، إنّي كنتُ أردّ الأمر إليه هو ثانيةً». وهكذا ينال الإنسان مراده من الله متى كانت إرادته هو خاضعةً لله.

ويقول السيّد سبرجن في هذا الموضوع: «إنّ الإنسان المؤمن يلجأ إلى الله في كلّ الأوقات، ليحفظ شركته مع الفكر الإلهيّ. فالصلاة ليست مناجاةً للنفس، بل هي محاورة؛ وليست تأمّلًا في الباطن، بل هي رفع العينين إلى الجبال التي من حيث يأتي عوننا. ولا شكّ أنّ في إفراغ ما في النفس لصديق متعاطف راحةً، والإيمان يجد من ذلك الشيء الكثير؛ ولكنّ في الصلاة ما هو أكثر من هذا. فمتى بلغ النشاط المطيع آخر مدى حبله، ولم يُبلغ الأمر المحتاج إليه بعدُ، فحينئذ يُوثق بيد الله أن تتجاوز بنا حدودنا، كما كان يُتّكل عليها من قبل أن تسير معنا. وليس للإيمان رغبة في أن تكون له مشيئته هو، متى كانت تلك المشيئة غير موافقة لفكر الله؛ إذ إنّ رغبةً كهذه إنّما هي في أصلها دافع عدم إيمان لا يتّكل على حكم الله بوصفه خير مرشد لنا. فالإيمان يعلم أنّ مشيئة الله هي الخير الأعلى على الإطلاق، وأنّ كلّ ما هو نافع لنا سيُمنح لنا استجابةً لطلباتنا».

ويخبرنا التاريخ أنّ التسكولانيّين، وهم شعب من شعوب إيطاليا، لمّا أساءوا إلى الرومان، الذين كانت قوّتهم تفوق قوّتهم بما لا يُقاس ولا يُحدّ، خرج عليهم كاميلّوس على رأس جيش كبير زاحفًا ليخضعهم لسلطانه. فلمّا أدركوا عجزهم التامّ عن مقاومة عدوّ كهذا، سلكوا الطريقة التالية ليستعطفوه ويسكّنوا غضبه: فقد صرفوا عنهم كلّ فكر في المقاومة، وفتحوا أبواب مدينتهم على مصاريعها، وأقبل كلّ رجل منهم على شغله الخاصّ به، عازمين على الخضوع حيث علموا أنّه لا جدوى ولا طائل من النزاع. فلمّا دخل كاميلّوس مدينتهم أخذته الدهشة من حكمة تصرّفهم وصراحته، فخاطبهم بهذه الكلمات: «إنّكم وحدكم من بين الناس جميعًا قد اهتديتم إلى الطريقة الحقيقيّة لتسكين غضب الرومان؛ فقد صار خضوعكم أحسن دفاع لكم. وعلى هذه الشروط، ما عادت قلوبنا تطاوعنا أن نؤذيكم، كما أنّكم على شروط أخرى ما كنتم تجدون قوّةً تقاوموننا بها». فأجاب كبير قضاتهم قائلًا: «لقد ندمنا على حماقتنا السالفة ندمًا صادقًا، حتّى إنّنا لثقتنا بأنّ ذلك يُرضي عدوًّا كريمًا لا نخاف أن نعترف بذنبنا».

ولمّا كان من العسير علينا أن نأتي بقلوبنا إلى هذا الخضوع التامّ للمشيئة الإلهيّة، فحسن بنا أن نتبنّى صلاة فينيلون: «يا الله، خذ قلبي، فإنّي لا أقدر أن أعطيه؛ ومتى صار لك فاحفظه، فإنّي لا أقدر أن أحفظه لك؛ وخلّصني على رغم أنفي».

وقد أخطأ في هذه النقطة خطأً عظيمًا بعض خيرة من رآهم العالم من الرجال. فقد كان موسى يستطيع أن يصلّي لأجل إسرائيل، وأن يغلب مع الله ويقدر؛ ولكنّ الله لم يستجب له طلبته التي طلبها لنفسه. فقد سأل أن يعبّره الله الأردنّ ليرى لبنان؛ وبعد الأربعين سنةً من التيهان في البرّيّة اشتهى أن يدخل أرض الموعد؛ ولكنّ الربّ لم يعطه سؤله. أفكان ذلك علامةً على أنّ الله لم يكن يحبّه؟ حاشا وكلّا. بل قد كان رجلًا محبوبًا عند الله جدًّا، كما كان دانيال؛ ومع ذلك لم يستجب الله له هذه الصلاة. فولدك أنت يقول لك: «أريد هذا أو ذاك»، ولكنّك لا تعطيه سؤله، لأنّك تعلم أنّ إعطاءه كلّ ما يريده إنّما هو هلاك له. لقد اشتهى موسى أن يدخل أرض الموعد؛ ولكنّ الربّ كان قد ادّخر له عنده شيئًا آخر. وكما قال أحدهم، فإنّ الله قبّله فأخذ نفسه إليه بقبلته، وحمله إلى بيته عنده. «ودفنه» الله بيده — وهو أعظم إكرام ناله إنسان فانٍ قطّ.

وبعد ألف وخمسمئة سنة استجاب الله صلاة موسى؛ إذ سمح له أن يدخل أرض الموعد، وأن يلمح شيئًا من المجد الآتي. فعلى جبل التجلّي، مع إيليّا النبيّ العظيم، ومع بطرس ويعقوب ويوحنّا، سمع ذلك الصوت آتيًا من عرش الله: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررتُ. له اسمعوا». وكان ذلك خيرًا له بكثير من أن يعبر الأردنّ كما عبره يشوع، ومن أن يتغرّب ثلاثين سنةً في أرض كنعان. فهكذا حين لا تُستجاب صلواتنا في الأمور الأرضيّة، فلنخضع نحن لمشيئة الله، ولنعلم أنّ الأمر كلّه على خير ما يرام.

ولمّا سأل سائل غلامًا أصمّ أبكم لماذا يظنّ أنّه قد وُلد أصمّ أبكم، أخذ الغلام الطباشير بيده وكتب على اللوح هذه الكلمات: «نعم أيّها الآب، لأن هكذا صارت المسرّة أمامك».

وقال جون براون الهادنغتونيّ مرّةً من المرّات: «لا شكّ أنّي قد لقيتُ من التجارب ما قد لقيه غيري من الناس؛ ولكنّ الله قد كان لي من اللطف والرفق بحيث أظنّ أنّه لو أعطاني من السنين مثل ما قد عشتُ في هذا العالم لما اشتهيتُ أن يتغيّر ظرف واحد من ظروف نصيبي، إلّا أنّي كنتُ أودّ لو كانت الخطيّة فيه أقلّ ممّا كانت. وقد يُكتب على تابوتي بعد موتي: ‹ههنا يرقد واحد من أبناء عناية الله، فقد أباه وأمّه كليهما في صغره، ومع ذلك ما أعوزته قطّ عناية أيّ منهما›».

وقد كان إيليّا مقتدرًا عظيمًا في الصلاة؛ فأنزل النار من السماء على ذبيحته، وأتت طلباته بالمطر على الأرض العطشى. ووقف بلا خوف ولا وجل أمام الملك أخآب بقوّة الصلاة. ومع ذلك كلّه نجده جالسًا تحت الرتمة كالجبان، سائلًا الله أن يدعه يموت. ولكنّ الربّ كان يحبّه أكثر من أن يفعل ذلك به؛ فقد كان مزمعًا أن يصعده إلى السماء في مركبة من نار. فلا ينبغي لنا إذًا أن ندع الشيطان ينتهز علينا فرصةً، فيجعلنا نصدّق أنّ الله لا يحبّنا لمجرّد أنّه لا يعطينا كلّ طلباتنا في الوقت الذي نريده نحن وعلى الوجه الذي نريده.

وكما أنّ موسى يشغل من العهد القديم حيّزًا أكبر ممّا يشغله أيّ شخص آخر سواه، فكذلك بولس في العهد الجديد، إلّا الربّ نفسه لعلّه. ومع ذلك كلّه لم يكن بولس يعرف كيف يصلّي لنفسه هو. فقد تضرّع إلى الربّ أن ينزع عنه «شوكة الجسد» تلك. فلم يُستجب له سؤله؛ ولكنّ الربّ أنعم عليه ببركة أعظم منه. فقد أعطاه نعمةً أوفر من ذلك. ولعلّ لنا نحن أيضًا تجربةً من التجارب — شوكةً في الجسد. فإن لم يكن من مشيئة الله أن ينزعها عنّا، فلنسأله أن يعطينا نعمةً أوفر لنحتملها بها. ونحن نجد أنّ بولس افتخر بنكباته وضعفاته، لأنّ قوّة الله كانت تحلّ عليه بذلك أكثر فأكثر. ولعلّ فينا من يشعر كأنّ كلّ شيء إنّما هو ضدّه. فليعطنا الله نعمةً لنقف موقف بولس نفسه ونقول: «إنّ كلّ الأشياء تعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله». فهكذا حين نصلّي إلى الله يجب أن نكون خاضعين له، وأن نقول: «لتكن مشيئتك».

ونقرأ في إنجيل يوحنّا: «إن ثبتّم فيّ» (وهذا «إن» جبل عظيم في مبتدأ الأمر)، «وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم». فكثيرًا جدًّا ما يُقتبس الشطر الأخير من هذا القول، وأمّا الشطر الأوّل فلا. وما أقلّ الثبات في المسيح في أيّامنا هذه! فأنت تزوره بين الحين والحين زيارةً عابرةً؛ وهذا كلّ ما في الأمر. فإن كان المسيح ساكنًا في قلبي، فبالطبع لا أطلب أنا شيئًا مخالفًا لمشيئته. وكم منّا يثبت فيه كلام الله؟ فلا بدّ لنا من سند وسلطان لصلواتنا. فإن كانت لنا رغبة عظيمة في شيء، وجب علينا أن نفتّش الكتب المقدّسة لنرى أيصحّ لنا أن نطلبها أم لا يصحّ. فثمّ أمور كثيرة نريدها ونشتهيها وهي ليست خيرًا لنا؛ وأمور أخرى كثيرة نشتهي أن نتجنّبها وهي في الحقيقة أعظم بركاتنا. فقد كان صديق لي يحلق ذقنه ذات صباح، فسأله ابنه الصغير، وهو دون الرابعة من عمره، أن يعطيه الموسى، وقال إنّه يريد أن ينحت بها. فلمّا رأى أنّه لن ينالها أخذ يبكي كأنّ قلبه ينفطر من البكاء. وإنّي لأخاف أنّ كثيرين جدًّا منّا يصلّون طالبين مواسي. وقد بارك جون بنيان الله على سجن بدفورد ذاك أكثر ممّا باركه على أيّ شيء آخر جرى له في هذه الحياة كلّها. فنحن لا نصلّي قطّ طالبين الضيق؛ ومع ذلك فهو كثيرًا جدًّا ما يكون خير ما يمكن أن نسأله.

يقول داير: «إنّ الضيقات تكون بركات لنا متى استطعنا نحن أن نبارك الله على الضيقات نفسها. فقد منع الألم كثيرين من الناس من الخطيّة. وقد كان لله ابن واحد بلا خطيّة؛ ولكن ما كان له قطّ ابن بلا حزن. إنّ التجارب النارية تصنع مسيحيّين من ذهب خالص؛ والضيقات المقدَّسة إنّما هي ترقيات روحيّة».

ويكتب رذرفورد كتابةً جميلةً بديعةً عن قيمة التجربة المقدَّسة، وعن الحكمة في الخضوع فيها لمشيئة الله، فيقول: «آه، كم أنا مدين للمبرد، وللمطرقة، ولأتون ربّي يسوع، الذي قد أراني الآن كم هي جيّدة حنطة المسيح تلك التي تمرّ في مطحنته وفي فرنه لتصير خبزًا لمائدته هو! فالنعمة الممتحَنة خير من النعمة؛ بل هي أكثر من النعمة؛ إنّها المجد نفسه في طفولته. وإنّي لأرى الآن أنّ التقوى أكثر من مجرّد الظاهر، وأكثر من زخارف هذا العالم وحواشيها. فمن ذا الذي يعرف حقيقة النعمة وصدقها من غير تجربة تمتحنها؟ آه، ما أقلّ ما ينال المسيح منّا نحن، إلّا ما يكسبه هو (إن جاز لي هذا التعبير) بكثير من الكدّ والعناء! وما أسرع ما كان الإيمان يتجمّد ويجمد لولا الصليب! وكم من صليب أبكم قد وُضع على ظهري ولم يكن له لسان ينطق بحلاوة المسيح كما نطق هذا الصليب! فمتى بارك المسيح صلبانه ووهبها لسانًا تنطق به، تنفّست محبّة المسيح وحكمته ولطفه وعنايته بنا. فلماذا أجزع أنا من محراث ربّي الذي يشقّ في نفسي أخاديد عميقةً؟ فإنّي أعلم أنّه ليس حارثًا بطّالًا؛ بل هو ناوٍ محصولًا يجنيه. آه، ليت هذه الأرض البور البيضاء الذابلة تصير خصبةً فتحمل محصولًا لذاك الذي حرثها بهذا الكدّ كلّه، وليت هذه الأرض المتروكة تُشقّ وتُفلح! ولماذا كنتُ أنا الأحمق أحزن لأنّه وضع إكليله ووردته على رأسي — أي مجد شهوده الأمناء وكرامتهم؟ إنّي لا أشتهي بعد اليوم أن أخاصم المسيح في شيء من الأشياء. فهو حقًّا لم يخسرني شيئًا بما أنا أحتمله؛ وليس لي أنا عليه دين البتّة؛ فإنّ أفكاري عنه وأنا في قيودي قد كانت لي حلوةً معزّيةً، أجد فيها لنفسي مكافأةً كافيةً وافيةً! فما أشدّ عمى خصومي الذين أرسلوني إلى بيت وليمة، وإلى بيت خمر، وإلى ولائم ربّي يسوع الحبيب، لا إلى سجن ولا إلى موضع نفي!»

ونستطيع أن نختم كلامنا في هذا الموضوع بالرجوع إلى كلمات النبيّ إرميا في المراثي، حيث يقول: «طيّب هو الربّ للّذين يترجّونه، للنفس التي تطلبه. جيّد أن ينتظر الإنسان ويتوقّع بسكوت خلاص الربّ. جيّد للرجل أن يحمل النير في صباه. يجلس وحده ويسكت، لأنّه قد وضعه عليه. يجعل في التراب فمه لعلّه يوجد رجاء. يعطي خدّه لضاربه. يشبع عارًا. لأنّ السيّد لا يرفض إلى الأبد. فإنّه ولو أحزن يرحم حسب كثرة مراحمه. لأنّه لا يذلّ من قلبه، ولا يحزن بني الإنسان... من ذا الذي يقول فيكون والربّ لم يأمر؟ من فم العليّ ألا تخرج الشرور والخير؟ لماذا يشتكي الإنسان الحيّ، الرجل من قصاص خطاياه؟ لنفحص طرقنا ونمتحنها ونرجع إلى الربّ. لنرفع قلوبنا وأيدينا إلى الله في السماوات».

الخضوع

«اسمعني أنت يا إلهي، وإن كانت شفتاي قد تجرّأتا
أن تتذمّرا تحت وطأة يدك، فعلّمني أنت الآن
أن أشعر بكلّ فكر من أفكاري الباطنة مكشوفًا أمامك،
وأن أُخضع لك هذه الإرادة المتمرّدة بالإيمان.
وإن كنتُ قد بكيتُ بكاءً جامحًا على ذلك الهيكل الخرب،
حيث كانت أصنام الأرض تحتلّ مكانك أنت وحدك،
فطهّر أنت الآن هذا الهيكل واجعله لك وحدك،
وعلّمني يا ربّ أن أقول لك: ‹لتكن مشيئتك أنت!›

«وماذا عساي أن أقدّم لك ممّا هو لي أنا؟
شبابًا مملوءًا من الأحزان، وحياةً مملوءةً من الخطايا.
وماذا عساي أن أضع على مذبحك المقدّس،
لأربح به رجاءً واحدًا في غفران ما قد مضى؟
وفيما أنا منحنٍ ههنا عند قدميك متضرّعًا،
أجرؤ بعدُ أن أرفع إليك عينيّ الدامعتين،
وأتمسّك أمامك بوعد كلمتك: إنّك أنت
قلبًا منكسرًا منسحقًا لا تحتقره ولا ترذله.

«فماذا أقدّم لك إذًا؟ روحًا مرضوضةً يا ربّ،
قد أنهكها الصراع، وهي الآن تئنّ طلبًا للراحة،
وتتوق إلى سلامك أنت، كطائر صغير مسكين
وسط العاصفة الهوجاء يلتمس حضن أمّه.
وذبيحتي إنّما هي الحمل الذي قد مات لأجلي؛
وأتمسّك أمامك باستحقاقات ابنك البارّ الذي بلا خطيّة؛
وأحمل إليك مواعيدك أنت؛ وعليك وحدك أتوكّل؛
وأنت إنّما بمحبّة تضرب؛ فيا ربّ، ‹لتكن مشيئتك!›»
صفحة 1 / 8 · 11 دقيقة متبقية في الفصل