فصل 9 · قراءة 13 د

الطِّلبة

والعنصر الذي يلي هذا في الصلاة ممّا ألاحظه هو الطِّلبة. فكم من مرّة نمضي إلى اجتماعات الصلاة من غير أن نطلب شيئًا في الحقيقة! إنّ صلواتنا تطوف بالعالم كلّه، من غير أن يُطلب فيها شيء محدَّد بعينه. ونحن لا ننتظر شيئًا. ولو أنّ الله استجاب صلوات كثيرين من الناس لدهشوا لذلك دهشًا عظيمًا. وإنّي لأذكر أنّي سمعتُ عن رجل بليغ الكلام كان يقود اجتماعًا في الصلاة. فلم تكن في صلاته كلّها طلبة واحدة محدَّدة. فصاحت امرأة مسكينة جادّة: «اطلب منه شيئًا يا رجل!» فكم من مرّة تسمع ما يُسمّى صلاةً وليس فيه سؤال البتّة! «اطلبوا تأخذوا».

وإنّي لأومن أنّنا لو أزحنا المعاثر كلّها من الطريق لاستجاب الله طلباتنا كلّها. فإن نحن طرحنا الخطيّة عنّا وأتينا إلى حضرته بأيدٍ طاهرة نقيّة، كما قد أمرنا هو نفسه أن نأتي إليه، كان لصلواتنا قدرة عنده. وفي إنجيل لوقا لنا تكملة عظيمة مجيدة لـ«صلاة التلاميذ»، وهي هذه: «اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم». وبعض الناس يظنّون أنّ الله لا يحبّ أن نزعجه بمجيئنا إليه وسؤالنا إيّاه على الدوام. وإنّما الطريق الوحيدة إلى إزعاج الله هي ألّا نأتي إليه البتّة. فهو يشجّعنا نحن أن نأتي إليه مرّةً بعد مرّة، وأن نلحّ عليه في دعوانا ونضغط بها.

وإنّي لأومن أنّك تجد في الكنيسة في يومنا هذا ثلاثة أصناف من المسيحيّين. فالصنف الأوّل هم أولئك الذين يسألون؛ والصنف الثاني هم الذين يطلبون؛ والصنف الثالث هم الذين يقرعون.

قال غلام نبيه جادّ الوجه: «يا معلّم، لماذا لا تُستجاب صلوات كثيرة جدًّا من صلوات الناس؟ إنّي لستُ أفهم ذلك. فالكتاب المقدّس يقول: ‹اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم›؛ ولكن يخيّل إليّ أنّ كثيرين جدًّا منهم يقرعون الباب ولا يُفتح لهم».

فقال المعلّم: «أما جلستَ قطّ إلى نار غرفتك المبهجة في مساء مظلم من الأمسية، فسمعتَ قرعًا عاليًا على الباب؟ ثمّ مضيتَ لتجيب ذلك النداء، فنظرتَ إلى الظلمة في الخارج فلم ترَ شيئًا البتّة، ولكنّك سمعتَ وقع أقدام غلام عابث قد قرع الباب ولم يكن يريد أن يدخل، فهرب من فوره؟ فهكذا حالنا نحن في كثير من الأحيان. فنحن نسأل بركات، ولكنّنا لا ننتظرها في الحقيقة؛ ونقرع الباب، ولكنّنا لا ننوي أن ندخل؛ ونخاف أنّ يسوع لن يسمعنا، ولن يتمّم لنا مواعيده، ولن يقبلنا عنده؛ فنمضي عنه راجعين من حيث أتينا».

فقال الغلام الجادّ الوجه وعيناه تلمعان بالنور الجديد الذي كان قد بزغ في نفسه: «آه، قد فهمتُ الآن: إنّ يسوع لا يُنتظر منه أن يجيب تلك القرعات التي يهرب أصحابها. فهو لم يعد بشيء من ذلك قطّ. وإنّي مصمّم من الآن أن أظلّ أقرع وأقرع، حتّى لا يسعه إلّا أن يفتح لي الباب».

فكثيرًا جدًّا ما نقرع نحن باب الرحمة ثمّ نهرب من فورنا، عوض أن ننتظر هناك حتّى ندخل وننال الجواب. وهكذا نتصرّف كأنّنا خائفون أن تُستجاب لنا صلواتنا.

وكثيرون جدًّا من الناس يصلّون على هذا النحو عينه؛ فهم لا ينتظرون الجواب البتّة. وربّنا يعلّمنا ههنا أنّه ليس علينا أن نسأل فقط، بل أن ننتظر الجواب أيضًا؛ فإن لم يأتِ الجواب، وجب علينا أن نسعى في معرفة السبب في ذلك. وإنّي لأومن أنّنا ننال بركات كثيرةً بمجرّد السؤال وحده؛ وأنّ بركات أخرى لا ننالها، لأنّه لعلّ في حياتنا شيئًا يحتاج أن يخرج إلى النور. فإنّ دانيال لمّا ابتدأ يصلّي هناك في بابل لأجل إنقاذ شعبه، سعى أوّلًا أن يعرف ما هي البليّة، ولماذا صرف الله وجهه عنهم. فلعلّ في حياتنا نحن أيضًا شيئًا من هذا القبيل يحبس البركة عنّا؛ فإن كان الأمر كذلك فنحن نريد أن نعرفه ونكشفه. وقد قال أحدهم متكلّمًا في هذا الموضوع: «إنّما علينا أن نسأل باتّضاع الشحّاذ، وأن نطلب بعناية الخادم وحرصه، وأن نقرع بثقة الصديق ودالّته».

وكم من مرّة يفتر الناس وتخور عزائمهم فيقولون إنّهم لا يدرون هل يستجيب الله الصلاة أم لا يستجيبها! ففي مثل الأرملة الملحّة يعلّمنا المسيح أنّنا لسنا مدعوّين أن نصلّي ونطلب فقط، بل أن نجد أيضًا ما طلبناه. فإن كان قاضي الظلم قد سمع طلبة تلك المرأة المسكينة التي ألحّت عليه في دعواها، فكم بالحريّ أبونا السماويّ يسمع صراخنا نحن! فمنذ سنين عديدة حُكم على رجل إيرلنديّ في ولاية نيوجرسي بالشنق. فبُذلت كلّ وسيلة ممكنة لدى الحاكم ليؤجّل تنفيذ الحكم في الرجل؛ ولكنّه ثبت على موقفه، وأبى أن يغيّر الحكم البتّة. وفي صباح أحد الأيّام ذهبت امرأة الرجل المحكوم عليه، ومعها أولادها العشرة جميعًا، لترى الحاكم. فلمّا جاء إلى مكتبه خرّوا جميعًا على وجوههم أمامه، وتوسّلوا إليه أن يرحم الزوج — الأب. فتحرّك قلب الحاكم لذلك المنظر؛ فكتب من فوره أمرًا بتأجيل التنفيذ. فقد أنقذ إلحاح الزوجة وأولادها حياة الرجل، كما فعلت تلك المرأة في المثل، إذ ألحّت في دعواها فحملت قاضي الظلم على أن ينصفها.

وهذا هو الأمر عينه الذي جاء بالجواب على صلاة بارتيماوس الأعمى. فقد حاول الناس، بل التلاميذ أنفسهم، أن يسكتوه ويكفّوه؛ ولكنّه هو لم يزدد إلّا صراخًا أعلى: «يا ابن داود، ارحمني!»

وقلّما تُذكر الصلاة في الكتاب المقدّس وحدها؛ إنّما هي الصلاة والاجتهاد؛ والصلاة والسهر؛ والصلاة والشكر. وإنّها لحقيقة تعلّمنا كثيرًا أنّ الصلاة في الكتاب كلّه مقرونة أبدًا بشيء آخر معها. لقد كان بارتيماوس جادًّا، فسمع الربّ صراخه.

ثمّ إنّ أعلى أصناف المسيحيّين هو ذاك الذي تجاوز السؤال والطلب تجاوزًا واضحًا، فظلّ يقرع حتّى يأتي الجواب. فإن نحن قرعنا، فقد وعد الله أن يفتح الباب ويعطينا سؤلنا. وقد تمضي سنون قبل أن يأتي الجواب؛ وقد يتركنا نقرع طويلًا؛ ولكنّه قد وعد بأنّ الجواب آتٍ لا محالة.

وسأخبرك أنا بما أظنّ أنّ القرع يعنيه. فمنذ سنين عديدة، لمّا كانت لنا اجتماعات في إحدى المدن، بلغ الأمر مبلغًا بدا معه كأنّه ليس في الاجتماعات قوّة تُذكر. فدعونا الأمّهات جميعًا، وطلبنا إليهنّ أن يجتمعن معًا ويصلّين لأجل أولادهنّ. فاجتمع نحو ألف وخمسمئة أمّ، وسكبن قلوبهنّ أمام الله في الصلاة. فقالت واحدة من الأمّهات: «أودّ لو تصلّون لأجل ابنيّ أنا. فقد ذهبا في سكر وعربدة؛ ويخيّل إليّ أنّ قلبي يوشك أن ينفطر عليهما». وكانت تلك المرأة أمًّا أرملةً. فاجتمعت بضع أمّهات من الحاضرات وقلن: «فلنقم نحن اجتماع صلاة خاصًّا لأجل هذين الفتيين». فصرخن إلى الله لأجل هذين الفتيين الشاردين الضالّين؛ وانظر أنت الآن كيف استجاب الله صلاتهنّ.

ففي ذلك اليوم عينه كان الأخوان قد اتّفقا على أن يلتقيا عند ناصية الشارع الذي كانت اجتماعاتنا تُعقد فيه. وكانا يزمعان أن يقضيا تلك الليلة في الفجور والخطيّة. فجاء أوّلهما إلى الموضع المتّفق عليه نحو الساعة السابعة؛ فرأى الناس داخلين إلى الاجتماع. ولمّا كانت ليلةً عاصفةً ماطرةً، خطر له أن يدخل هو أيضًا قليلًا من الوقت. فبلغته كلمة الله وأصابته، فمضى إلى غرفة السائلين، حيث سلّم قلبه هناك للمخلّص.

وأمّا الأخ الآخر فانتظر عند الناصية حتّى انفضّ الاجتماع، وهو يتوقّع مجيء أخيه إليه؛ ولم يكن يدري البتّة أنّه قد كان في الاجتماع. وكان في الكنيسة القريبة من هناك اجتماع للشبّان، فخطر لهذا الأخ أن يرى ما يجري هناك؛ فتبع الجمع إلى داخل الاجتماع. فتأثّر هو أيضًا بما سمعه، وكان أوّل من دخل إلى غرفة السائلين، حيث وجد السلام هناك. وبينما كان هذا كلّه يجري، كان الأخ الأوّل قد ذهب إلى البيت ليفرّح قلب أمّه بالخبر السارّ. فوجدها جاثيةً هناك على ركبتيها. فقد كانت تقرع باب كرسيّ الرحمة. وبينما هي تفعل ذلك دخل عليها ابنها وأخبرها أنّ صلواتها قد استُجيبت؛ وأنّ نفسه قد خلصت. ولم يمضِ وقت طويل حتّى دخل الأخ الآخر أيضًا وقصّ عليها قصّته — كيف أنّه هو أيضًا قد نال بركةً.

وفي مساء يوم الاثنين التالي، كان أوّل من قام في اجتماع المهتدين الجدد واحدًا من هذين الأخوين، فروى على الناس قصّة اهتدائهما. فما كاد يجلس في مكانه حتّى وثب الآخر واقفًا وقال: «إنّ كلّ ما أخبركم به أخي هذا حقّ لا ريب فيه، فإنّي أنا أخوه. لقد لاقانا الربّ حقًّا وباركنا كلينا».

وقد سمعتُ عن امرأة في إنكلترا كان لها زوج غير مهتدٍ. فعقدت العزم على أن تصلّي كلّ يوم اثني عشر شهرًا لأجل اهتدائه. فكانت كلّ يوم عند الساعة الثانية عشرة تمضي إلى غرفتها وحدها وتصرخ إلى الله. وكان زوجها لا يسمح لها أن تكلّمه في هذا الأمر؛ ولكنّها كانت تستطيع أن تكلّم الله في شأنه. ولعلّ لك أنت صديقًا لا يريد أن يُكلَّم في أمر خلاصه؛ فتستطيع أن تفعل كما فعلت هذه المرأة — أن تمضي وتصلّي إلى الله في شأنه. فمضت الاثنا عشر شهرًا، ولم تظهر منه علامة على الاستسلام. فعقدت العزم على أن تصلّي ستّة أشهر أخرى؛ فكانت كلّ يوم تمضي وحدها وتصلّي لأجل اهتداء زوجها. ومضت الأشهر الستّة، ولم تكن بعدُ علامة ولا جواب. فقام في نفسها السؤال: أتستطيع أن تتخلّى عنه؟ فقالت: «كلّا؛ بل سأصلّي لأجله ما دام الله يعطيني نفسًا أتنفّسه». وفي ذلك اليوم عينه، لمّا رجع إلى البيت لتناول الطعام، لم يدخل إلى غرفة الطعام بل صعد إلى فوق. فانتظرت، وانتظرت، وانتظرت؛ ولكنّه لم ينزل إلى الطعام. وأخيرًا مضت إلى غرفته، فوجدته جاثيًا على ركبتيه يصرخ إلى الله أن يرحمه. فبكّته الله على خطيّته؛ فلم يصر مسيحيًّا فقط، بل جرت كلمة الله فيه وتمجّدت. وقد استخدمه الله استخدامًا عظيمًا. فقد كان ذلك جواب الله على صلوات هذه الزوجة المسيحيّة؛ فإنّها قرعت وقرعت حتّى جاء الجواب.

وقد سمعتُ منذ أيّام قلائل أمرًا فرّح قلبي جدًّا وشجّعني. فقد رُفعت الصلاة لأجل رجل من الرجال نحو أربعين سنةً، ولم تظهر علامة على جواب البتّة. وقد بدا كأنّه نازل إلى قبره واحدًا من أشدّ الناس على وجه الأرض كلّها اعتدادًا ببرّ نفسه. ثمّ جاء التبكيت عليه في ليلة واحدة. وفي الصباح استدعى إليه أهل بيته، وقال لابنته: «أريد منك أن تصلّي لأجلي أنا. صلّي أن يغفر الله لي خطاياي؛ فإنّ حياتي كلّها لم تكن سوى خطيّة في خطيّة». وقد جاء هذا التبكيت كلّه في ليلة واحدة فقط. وإنّما الذي نريده نحن هو أن نرفع دعوانا مباشرةً إلى عرش الله. وكثيرًا ما عرفتُ حالات رجال جاءوا إلى اجتماعاتنا، ومع أنّهم لم يستطيعوا أن يسمعوا كلمةً واحدةً ممّا قيل فيها، فقد بدا كأنّ قوّةً غير منظورة قد قبضت عليهم، حتّى بُكّتوا واهتدوا في تلك الساعة وفي ذلك المكان.

وإنّي لأذكر في أحد المواضع التي كنّا نعقد فيها اجتماعات أنّ زوجةً جاءت إلى أوّل اجتماع من الاجتماعات وطلبت إليّ أن أكلّم زوجها. وقالت لي: «إنّه غير مهتمّ البتّة، ولكنّي أرجو أن يهتمّ». فكلّمتُه، وأظنّ أنّي قلّما كلّمتُ في حياتي رجلًا بدا لي في مثل اعتداده هذا ببرّ نفسه. لقد بدا لي كأنّي إنّما أكلّم عمودًا من حديد، من شدّة ما كان متدرّعًا محصّنًا ببرّ نفسه. فقلتُ لامرأته إنّه غير مهتمّ البتّة. فقالت لي: «قد قلتُ لك ذلك من قبل، ولكنّي أنا مهتمّة لأجله». وفي الثلاثين يومًا كلّها التي قضيناها هناك ما تخلّت تلك الزوجة عنه قطّ ولا يئست منه. ولا بدّ لي أن أعترف أنّ إيمانها هي لأجله كان أعظم من إيماني أنا عشر مرّات. وقد كلّمتُه أنا مرّات عديدة، ولكنّي لم أرَ فيه شعاع رجاء واحدًا. وفي الليلة الثالثة قبل الأخيرة جاءني الرجل نفسه وقال: «أتقابلني في غرفة أخرى؟» فمضيتُ معه جانبًا، وسألتُه عمّا به وما مصيبته. فقال: «إنّي أعظم خاطئ في ولاية فرمونت كلّها». فقلتُ: «وكيف ذلك؟ أثمّ خطيّة بعينها قد ارتكبتَها؟» ولا بدّ لي أن أعترف أنّي ظننتُ أنّه قد ارتكب جريمةً فظيعةً وهو يخفيها ويسترها، وأنّه يريد الآن أن يعترف بها. فقال: «إنّ حياتي كلّها لم تكن سوى خطيّة. وقد أراني الله ذلك اليوم». فسأل الربّ أن يرحمه، ومضى إلى بيته مبتهجًا فرحًا بيقين غفران الخطايا. فههنا رجل بُكّت واهتدى جوابًا على الصلاة. فإن كنتَ أنت قلقًا على اهتداء قريب لك أو صديق من أصدقائك، فاعقد العزم على ألّا تدع الله يستريح ليلًا ولا نهارًا حتّى يعطيك طلبتك. فهو قادر أن يبلغهم حيثما كانوا — في أماكن تجارتهم، أو في بيوتهم، أو في أيّ موضع آخر كان — وأن يأتي بهم إلى قدميه.

ويقول الدكتور أوستن فلبس في كتابه المسمّى «الساعة الساكنة»: «إنّ رجاء بلوغ الشيء المطلوب يؤثّر دائمًا هذا التأثير في التعبير عن الشوق الشديد. والشعور الذي يصير عفويًّا تلقائيًّا عند المسيحيّ تحت تأثير مثل هذه الثقة هو هذا الشعور: ‹إنّي آتٍ إلى عبادتي هذا الصباح في مهمّة من مهامّ الحياة الحقيقيّة. فليس هذا برواية من الروايات ولا بهزل من الهزل. ولستُ آتيًا إلى ههنا لأؤدّي صيغةً من صيغ الكلام؛ وليس لي رغبات ميئوس منها أعبّر عنها. بل لي غاية أبلغها؛ ولي أمر أنا منجزه. إنّ هذا عمل أنا مقبل على مباشرته. وما الفلكيّ حين يوجّه منظاره إلى السماوات بأوثق رجاءً في اختراق تلك السماوات البعيدة منّي أنا في بلوغ فكر الله برفع قلبي عند عرش النعمة. إنّ هذا هو امتياز دعوة الله لي في المسيح يسوع. حتّى إنّ صوتي المتلعثم المتعثّر هذا مسموع الآن في السماء؛ وهو مزمع أن يُطلق هناك قوّةً جديدةً لا يعرف نتائجها إلّا الله وحده، ولا تُظهرها إلّا الأبديّة. فلذلك، يا ربّ، قد وجد عبدك في قلبه أن يصلّي إليك هذه الصلاة!›»

ويقول جيريمي تيلور: «إنّ فتور الرغبة عدوّ عظيم لنجاح صلاة الرجل الصالح. فلا بدّ أن تكون الصلاة صلاةً مركّزةً حارّةً دائبةً عاملةً؛ فتأمّل أيّ قبح عظيم هذا أن يكلّم الإنسان الله في أمر من الأمور لا يقيم هو له وزنًا ولا قيمةً! إنّ صلواتنا تعيّر أرواحنا وتوبّخها حين نستجدي في خمول وفتور أمورًا كان ينبغي لنا أن نموت في سبيلها، وهي أثمن من صوالجة الملوك، وأغنى من غنائم البحر، بل من كنوز جبال الهند».

ويقول الدكتور باتون في كتابه المسمّى «استجابات عجيبة للصلاة»: «إنّ يسوع يأمرنا أن نطلب. فتصوّر أمًّا من الأمّهات تطلب ولدًا لها ضائعًا. فهي تفتّش البيت كلّه من أعلاه إلى أسفله، وتمضي تفتّش في الشوارع، ثمّ تفتّش الحقول والغابات، وتتحرّى ضفاف النهر. فيلقاها جار من جيرانها حكيم فيقول لها: ‹اطلبي واطلبي، وانظري في كلّ مكان؛ وفتّشي كلّ موضع تستطيعين الوصول إليه. أمّا أنّك تجدين ولدك فلا؛ ولكنّ الطلب في ذاته أمر حسن جدًّا. فهو يشحذ الذهن ويمدّه؛ ويثبّت الانتباه؛ ويعين على حسن الملاحظة؛ ويجعل فكرة الولد حيّةً جدًّا في نفسك. ثمّ بعد حين من الدهر تكفّين أنت عن أن تريدي ولدك أصلًا›. وكلمات المسيح هي: ‹اقرعوا يفتح لكم›. فتصوّر رجلًا يقرع باب بيت من البيوت قرعًا طويلًا عاليًا. فبعد أن يفعل ذلك ساعةً كاملةً، تُفتح نافذة من نوافذ البيت، فيُخرج ساكن البيت رأسه منها ويقول: ‹أحسنت يا صديقي؛ إنّي لن أفتح لك الباب، ولكن دُم أنت على القرع — فإنّه رياضة ممتازة لك، وستكون بها أوفر صحّةً. اقرع إلى غروب الشمس؛ ثمّ تعال غدًا واقرع النهار كلّه. وبعد أيّام تقضيها هكذا تبلغ حالًا من النفس لا تعود معها تبالي بالدخول أصلًا›. أفهذا هو ما أراد يسوع أن نفهمه حين قال: ‹اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم›؟ ولا شكّ أنّ المرء يكفّ سريعًا على هذا النحو عن السؤال والطلب والقرع؛ ولكن أفلا يكون ذلك عن اشمئزاز ونفور؟»

وليس شيء أرضى لأبينا الذي في السماء من الصلاة المباشرة الملحّة المثابرة. فقد اتّفقت سيّدتان مسيحيّتان، كان زوجاهما غير مهتديين، إذ شعرتا بعظم الخطر المحدق بهما، على أن تقضيا ساعةً كلّ يوم في صلاة متّحدة لأجل خلاصهما. فدام ذلك سبع سنين، ثمّ تباحثتا هل تصلّيان بعدُ، من فرط ما بدت صلواتهما عديمة الجدوى. فعزمتا على المثابرة حتّى الموت، وقالتا إن هلك زوجاهما فليهلكا مثقلين بالصلوات. فصلّتا ثلاث سنين أخرى بقوّة متجدّدة، فإذا بإحداهما توقظها في الليل يد زوجها، وهو في ضيق عظيم من أجل خطيّته. فما إن طلع النهار حتّى أسرعت بالفرح لتخبر رفيقتها في الصلاة أنّ الله مزمع أن يستجيب صلواتهما. فما كان أعظم دهشتها إذ لاقت صاحبتها مقبلةً عليها في المهمّة عينها! وهكذا تُوّجت عشر سنين من الصلاة المتّحدة المثابرة باهتداء الزوجين كليهما في اليوم عينه.

ولا يمكن أن نكثر من طلباتنا أكثر ممّا ينبغي؛ فالله لا يملّ من صلوات أولاده. فقد سأل السير والتر رالي الملكة إليزابيث معروفًا، فأجابته: «يا رالي، متى تكفّ عن الاستجداء؟» فأجاب: «متى كفّ جلالتكم عن العطاء». فهكذا يجب علينا أن نداوم على الصلاة.

وقد قال السيّد جورج مولر في خطاب ألقاه أخيرًا في مدينة كلكتا إنّ خمسة أشخاص وُضعوا على قلبه سنة 1844، فابتدأ يصلّي لأجلهم. فمضى ثمانية عشر شهرًا قبل أن يهتدي واحد منهم. ثمّ ظلّ يصلّي خمس سنين أخرى، فاهتدى واحد آخر. وفي نهاية اثنتي عشرة سنةً ونصف السنة اهتدى ثالث. وها هو ذا الآن منذ أربعين سنةً يصلّي لأجل الاثنين الباقيين، من غير أن يفوّت يومًا واحدًا لأيّ سبب من الأسباب؛ ومع ذلك لم يهتديا بعدُ. ولكنّه شعر مع ذلك بالتشجيع على أن يداوم على الصلاة؛ وكان واثقًا أنّه سينال جوابًا في أمر هذين الاثنين اللذين ما زالا يقاومان الروح.

أن نرى وجهه

«ما أحلى عطيّة الصلاة الكريمة،
أن ننحني أمام عرش النعمة؛
وأن نترك هناك كلّ أثقالنا،
وننال قوّةً جديدةً لنجري سباقنا؛
وأن نتمنطق بسلاحنا السماويّ،
متّكلين على الربّ وحده.

«وما أحلى همس محبّته،
حين يغرق الضمير تحت ثقله،
ذلك الهمس الذي يأمر مخاوفنا الآثمة أن ترحل،
ويشير إلى دم المسيح الكفّاريّ؛
آه، فما أحلى حينئذ حقًّا أن نعلم
أنّ الله يقدر أن يكون بارًّا ورحيمًا معًا.

«ولكن آه، أن نرى وجه مخلّصنا!
وأن نُعتق من الخطيّة والحزن!
وأن نسكن في حضنه الإلهيّ —
إنّ هذا سيكون أحلى من ذلك كلّه حقًّا!
فإنّ أبهى صور النعيم الأرضيّ
أقلّ من لا شيء إذا قيس بهذا.»
صفحة 1 / 10 · 13 دقيقة متبقية في الفصل