فصل 1 · قراءة 7 د
دفاع المؤلّف عن كتابه
عن كتابه
حين أمسكت القلم بيدي أوّل مرّة
لأكتب هكذا، لم أكن أدري
أنّي سأصنع كتابًا صغيرًا على الإطلاق
على هذا النمط؛ بل كنت قد شرعت
في تأليف كتاب آخر؛ فلما أوشك أن يتمّ،
بدأت هذا قبل أن أنتبه.
وهكذا كان الأمر: إذ كنت أكتب عن طريق
القدّيسين وسباقهم في يوم إنجيلنا هذا،
وقعت فجأةً في حكاية رمزية
عن رحلتهم، وعن الطريق إلى المجد،
في أكثر من عشرين أمرًا دوّنتها
فلما تمّ ذلك، كانت في رأسي عشرون أخرى،
ثم عادت فأخذت تتكاثر،
كالشرر المتطاير من جمر النار.
فقلت في نفسي: إن كنت تتوالدين بهذه السرعة،
فسأفردك وحدك، لئلا تصيري في النهاية
ممتدّةً إلى ما لا نهاية، فتلتهمي
الكتاب الذي أنا منشغل به الآن.
وهكذا فعلت؛ لكنّي لم أفكّر
أن أري العالم كلّه قلمي ومدادي
على هذا النمط؛ إنما أردت أن أصنع
ما لم أكن أعرفه؛ ولم أقصد
بذلك أن أرضي جاري؛ لا، لم أقصد؛
بل فعلته لأرضي نفسي.
ولم أنفق فيه إلا أوقات الفراغ
في خربشتي هذه؛ ولم يكن قصدي
إلا أن أصرف نفسي، بعملي هذا،
عن أفكار أسوأ تدفعني إلى الزلل.
فوضعت القلم على الورق مسرورًا،
وسرعان ما صارت أفكاري سوادًا على بياض؛
إذ أمسكت الآن بطرف طريقتي،
فكلما جذبت جاءت؛ وهكذا دوّنتها
كتابةً؛ حتى صارت أخيرًا
طولًا وعرضًا بالحجم الذي ترى.
فلما جمعت أطرافها هكذا
عرضتها على آخرين لأرى هل
يدينونها أم يبرّرونها:
فقال بعضهم: دعها تحيا؛ وبعضهم: دعها تموت:
قال بعضهم: يا جون، اطبعه؛ وقال آخرون: كلا:
قال بعضهم: قد ينفع؛ وقال آخرون: لا.
فصرت في ضيق، ولم أتبيّن
أيّ الأمرين أفضل أن أفعله:
وأخيرًا قلت: ما دمتم منقسمين هكذا،
فسأطبعه؛ وهكذا حسمت القضية.
لأنّي قلت: أرى بعضهم يريدون أن يطبع،
وإن كان آخرون لا يجرون في هذا المجرى:
فلكي أمتحن من أشار بالأفضل،
رأيت من المناسب أن أضعه على المحكّ.
وفكّرت أيضًا: إن أنا الآن منعت
الذين يريدونه من هذا الإرضاء؛
فلعلّي، من حيث لا أدري، أحرمهم
مما كان سيكون لهم بهجةً عظيمة.
أمّا الذين لم يؤيّدوا خروجه،
فقلت لهم: أكره أن أسيء إليكم؛
لكن ما دام إخوتكم به مسرورين،
فأمسكوا عن الحكم حتى تروا المزيد.
إن كنت لا تريد أن تقرأ، فدعه وشأنه؛
بعضهم يحبّ اللحم، وبعضهم يحبّ أن يتعرّق العظم.
بل لكي أطيّب خاطرهم أكثر،
جادلتهم أيضًا هكذا:
أليس لي أن أكتب بأسلوب كهذا؟
وبطريقة كهذه أيضًا، دون أن أخطئ
غايتي، أي خيرك؟ ولم لا يكون ذلك؟
السحب الداكنة تأتي بالمياه، والمشرقة لا تأتي بشيء.
نعم، داكنة كانت أم مشرقة، إن هي أنزلت
قطراتها الفضية، فإن الأرض، إذ تخرج الغلال،
تحمد كلتيهما، ولا تعيب إحداهما،
بل تدّخر الثمر الذي تخرجانه معًا؛
بل تمزجهما حتى إنه في ثمرهما
لا يقدر أحد أن يميّز هذه من تلك؛ وهما توافقانها
جيدًا وهي جائعة؛ أمّا إن شبعت،
فتلفظهما كلتيهما، وتبطل بركتهما.
ترى الطرق التي يسلكها الصيّاد
ليصطاد السمك؛ فيا لكثرة ما يصنع من أدوات!
انظر كيف يعمل كلّ حيلته؛
وكذلك فخاخه وخيوطه وقصباته وصنانيره وشباكه:
ومع ذلك فثمة سمك لا تقدر صنارة ولا خيط،
ولا فخّ ولا شبكة ولا أداة أن تجعله لك:
بل ينبغي أن تتحسّسه بيدك وتداعبه أيضًا،
وإلا فلن يصاد، مهما فعلت.
كيف يسعى صائد الطير إلى صيد طريدته
بوسائل شتّى! لا يستطيع المرء أن يسمّيها كلها.
ببنادقه وشباكه وعيدانه المدبّقة، وبالضوء والجرس:
يزحف، ويمشي، ويقف؛ بل من يستطيع أن يحصي
أوضاعه كلها؟ ومع ذلك فلا شيء من هذه
يجعله سيّدًا على ما يشاء من الطيور.
بل عليه أن يزمّر ويصفّر ليصطاد هذا؛
لكنه إن فعل ذلك، فاته ذاك الطائر.
إن كانت اللؤلؤة قد تسكن في رأس ضفدع،
وقد توجد أيضًا في صدفة محار؛
وإن كانت أشياء لا تعد بشيء تحوي
ما هو أفضل من الذهب؛ فمن يأنف،
وهو يستشعر ذلك، أن يبحث هناك،
لعلّه يجده. والآن فإن كتابي الصغير،
(وإن خلا من كل هذه الزخارف التي قد تجعل
هذا الرجل أو ذاك يقبل عليه)،
ليس خاليًا من أمور تفوق
ما يسكن في الأفكار البرّاقة الفارغة.
«حسنًا، لكنّي لست مقتنعًا تمامًا
بأن كتابك هذا سيصمد إذا امتحن امتحانًا جادًّا.»
ولم، ما الأمر؟ «إنه غامض.» وماذا في ذلك؟
«لكنه مختلق.» وماذا في ذلك؟ أظنّ
أن بعض الناس بكلمات مختلقة، غامضة كغموض كلماتي،
يجعلون الحقّ يتلألأ، وأشعّته تسطع.
«لكنها تفتقر إلى الرصانة.» قل يا رجل ما في نفسك.
«إنها تغرق الضعفاء؛ والاستعارات تعمينا.»
حقًّا، إن الرصانة تليق بقلم
من يكتب للناس الأمور الإلهية:
ولكن أيلزم أن أفتقر إلى الرصانة لأنّي
أتكلّم بالاستعارات؟ أما كانت شرائع الله،
شرائع إنجيله، في الزمن القديم معروضة
بالرموز والظلال والاستعارات؟ ومع ذلك يأبى
كلّ رجل رصين أن يعيبها،
لئلا يوجد متهجّمًا على
الحكمة العليا! كلا، بل ينحني بالأحرى،
ويسعى ليكتشف ما، بالأوتاد والعرى،
بالعجول والغنم، وبالعجلات والكباش،
بالطيور والأعشاب، وبدم الحملان،
يكلّمه الله به؛ وطوبى لمن
يجد النور والنعمة اللذين فيها.
فلا تتعجّلوا إذن في الاستنتاج
أنّي أفتقر إلى الرصانة، أو أنّي فظّ؛
فليس كل ما يبدو رصينًا رصينًا حقًّا؛
ولا نحتقر كل ما جاء في مثل،
لئلا نقبل باستخفاف أشدّ الأمور ضررًا،
ونحرم نفوسنا من الأمور الصالحة.
كلماتي الغامضة الملبّدة لا تفعل إلا أن تحفظ
الحقّ، كما تحفظ الخزائن الذهب.
لقد أكثر الأنبياء من استعمال الاستعارات
لعرض الحقّ: بل من يتأمّل
المسيح ورسله أيضًا، يرى بوضوح
أن الحقائق إلى يومنا هذا في أردية كهذه.
أأخشى أن أقول إن الكتاب المقدس،
الذي بأسلوبه وعبارته يفوق كلّ براعة،
مملوء في كل موضع من هذه الأمور كلها،
من صور غامضة وحكايات رمزية؟ ومع ذلك ينبثق
من ذلك الكتاب نفسه ذلك البهاء، وتلك الأشعّة
من النور التي تحوّل أحلك ليالينا إلى أيام.
تعال، ليتأمّل عائبي الآن حياته،
فيجد فيها سطورًا أحلك مما في كتابي
مما يجده فيه؛ بل وليعلم
أن في أفضل ما عنده سطورًا أسوأ أيضًا.
لو وقفنا فقط أمام رجال منصفين،
لجرؤت أن أراهن بعشرة مقابل واحده الهزيل،
على أنهم سيفهمون مقصدي في هذه السطور
أفضل بكثير من أكاذيبه في مقاصير الفضة.
تعال؛ فالحقّ، وإن كان في أقمطة، أجده
ينير الحكم، ويقوّم العقل؛
ويرضي الفهم، ويجعل الإرادة
تخضع، ويملأ الذاكرة أيضًا
بما يبهج خيالنا؛
وكذلك يميل إلى تهدئة متاعبنا.
أعلم أن على تيموثاوس أن يستعمل الكلام الصحيح،
وأن يرفض خرافات العجائز؛
لكنّ بولس الرصين لم يمنعه في أي موضع
من استعمال الأمثال، التي اختبأ فيها
ذلك الذهب، وتلك اللآلئ، والحجارة الكريمة التي كانت
جديرة بأن يحفر عنها، وبأعظم عناية.
دعني أضيف كلمة أخرى. يا رجل الله،
أأنت مستاء؟ أتتمنّى لو أنّي
عرضت مادّتي في ثوب آخر؟
أو أنّي كنت أكثر تصريحًا في الأمور؟
دعني أطرح ثلاثة أمور؛ ثم أخضع
لمن هم أفضل مني، كما يليق.
1. لا أجد أنّي ممنوع من استعمال
طريقتي هذه، ما دمت لا أسيء
إلى الكلمات أو الأمور أو القرّاء، ولا أكون فظًّا
في تناول الصورة أو التشبيه،
أو في التطبيق؛ بل أسعى بكل ما أستطيع
إلى تقدّم الحقّ بهذه الطريقة أو تلك.
ممنوع، أقلت؟ كلا، بل لي إذن،
(ومثال أيضًا، وذلك ممن
أرضوا الله، بأقوالهم أو طرقهم، أكثر
من أيّ إنسان يتنفّس في أيامنا هذه)،
أن أعبّر هكذا عن فكري، وأن أعلن هكذا
لك أمورًا هي أسمى الأمور.
2. أجد أن رجالًا شامخين كالأشجار يكتبون
على هيئة الحوار؛ ولا يستخفّ بهم أحد
لأنهم كتبوا هكذا. حقًّا، إن أساؤوا استعمال
الحقّ، فملعونون هم، والحيلة التي يستعملونها
لتلك الغاية؛ ولكن ليكن الحقّ حرًّا
في أن يشنّ غاراته عليك وعليّ،
بالطريقة التي ترضي الله: فمن يعرف كيف،
أفضل من ذاك الذي علّمنا أولًا أن نحرث،
يقود عقولنا وأقلامنا لمقاصده؟
وهو يجعل الأمور الوضيعة تمهّد للإلهية.
3. أجد أن الكتاب المقدس في مواضع كثيرة
يشبه هذه الطريقة، حيث تقتضي الأحوال
أن يعرض أمرٌ بأمر آخر:
فلي إذن أن أستعملها، دون أن أحجب شيئًا
من أشعّة الحقّ الذهبية: بل بهذه الطريقة أستطيع
أن أجعله يرسل أشعّته ساطعة كالنهار.
والآن، قبل أن أضع قلمي جانبًا،
سأبيّن نفع كتابي؛ ثم
أستودعك وإيّاه تلك اليد
التي تسقط الأقوياء وتقيم الضعفاء.
هذا الكتاب يرسم أمام عينيك
الرجل الذي يطلب الجائزة الأبدية:
يريك من أين يأتي، وإلى أين يذهب،
وما يترك دون أن يعمله؛ وما يعمله أيضًا:
ويريك أيضًا كيف يركض، ويركض،
حتى يبلغ باب المجد.
ويريك أيضًا من انطلقوا نحو الحياة بكل قوّتهم،
كأنهم سينالون الإكليل الدائم؛
وهنا أيضًا ترى السبب الذي لأجله
يضيع تعبهم، ويموتون كالحمقى.
هذا الكتاب سيجعل منك مسافرًا،
إن رضيت أن تسترشد بمشورته؛
وسيهديك إلى الأرض المقدسة،
إن أنت فهمت إرشاداته
بل سيجعل الكسلان نشيطًا؛
والأعمى أيضًا يرى أمورًا بهيجة.
أتطلب شيئًا نادرًا ونافعًا؟
أم تريد أن ترى حقًّا في حكاية؟
أأنت كثير النسيان؟ أتريد أن تتذكّر
من يوم رأس السنة إلى آخر ديسمبر؟
فاقرأ خيالاتي؛ فإنها ستعلق بك كالحسك،
وقد تكون للعاجزين معزّية.
هذا الكتاب مكتوب بلغة
قد تؤثّر في عقول الفاترين:
يبدو شيئًا مستحدثًا، ومع ذلك لا يحوي
إلا أنغامًا إنجيلية سليمة صادقة.
أتريد أن تصرف نفسك عن الكآبة؟
أتريد أن تكون مرحًا، وبعيدًا مع ذلك عن الحماقة؟
أتريد أن تقرأ الألغاز وتفسيرها؟
أم أن تغرق في تأمّلك؟
أتحبّ أن تتخيّر اللحم؟ أم تريد أن ترى
رجلًا في السحاب، وتسمعه يكلّمك؟
أتريد أن تكون في حلم دون أن تنام؟
أم تريد أن تضحك وتبكي في لحظة؟
أتريد أن تضيع نفسك دون أن يصيبك ضرر،
ثم تجد نفسك ثانيةً دون تعويذة؟
أتريد أن تقرأ نفسك، وتقرأ ما لا تدري ما هو،
ومع ذلك تعرف أمبارك أنت أم لا،
بقراءة السطور نفسها؟ إذن فتعال إلى هنا،
وضع كتابي ورأسك وقلبك معًا.
جون بنيان.
اكتمل الفصل 1
دفاع المؤلّف عن كتابه