فصل 3 · قراءة 8 د
وحدك مع الله
«وأما أنت فمتى صلّيت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية». متى 6:6.
بعدما دعا يسوع تلاميذه الأوّلين، أعطاهم تعليمه العلنيّ الأول على الجبل. وهناك شرح لهم ملكوت الله وشرائعه وحياته. ففي ذلك الملكوت ليس الله ملكًا فحسب، بل هو أب أيضًا؛ وهو لا يعطي الكلّ فحسب، بل هو نفسه الكلّ. وفي معرفته وحده وفي الشركة معه وحده تكون غبطة ذلك الملكوت. ومن ثمّ كان أمرًا بديهيًّا أن يكون إعلان الصلاة وحياة الصلاة جزءًا من تعليمه عن الملكوت الجديد الذي جاء ليقيمه. فإنّ موسى لم يعطِ في شأن الصلاة وصيّةً ولا فريضة: بل حتى الأنبياء أنفسهم لا يقولون في واجب الصلاة إلا قليلًا قولًا مباشرًا؛ فالمسيح هو الذي يعلّم عن الصلاة.
وأول ما يعلّمه الرب لتلاميذه هو أنه لا بدّ أن يكون لهم موضع سرّيّ للصلاة؛ فلا بدّ أن يكون لكلّ واحد بقعة منفردة يقدر أن يخلو فيها بإلهه. فلكل معلّم لا بدّ من حجرة درس. وقد تعلّمنا نحن أن نعرف يسوع وأن نقبله معلّمنا الوحيد في مدرسة الصلاة. وهو قد علّمنا من قبلُ في السامرة أنّ السجود لم يعد محصورًا في أوقات وأماكن؛ وأنّ السجود، السجودَ الروحيّ الحقيقيّ، إنما هو أمر يخصّ الروح ويخصّ الحياة؛ وأنّ الإنسان كله يجب أن يسجد في حياته كلها بالروح والحقّ. وهو يريد من كلّ واحد أن يختار لنفسه ذلك الموضع الثابت الذي فيه يستطيع أن يلاقيه كلّ يوم. فذلك المخدع، وتلك البقعة المنفردة، هي حجرة الدرس عند يسوع.
وقد تكون تلك البقعة في أيّ مكان كان؛ وقد تتبدّل من يوم إلى يوم إن اضطُررنا أن نبدّل مسكننا؛ ولكن لا بدّ أن يكون ذلك الموضع السرّيّ موجودًا، ومعه وقت الهدوء الذي فيه يضع التلميذ نفسه في حضرة المعلّم ليُعدّه هو للسجود للآب. فهناك وحده، ولكن هناك على أكيد اليقين، يأتي إلينا يسوع ليعلّمنا أن نصلّي.
إنّ المعلّم يحرص دائمًا على أن تكون حجرة درسه مشرقة جذّابة، مملوءةً من نور السماء ومن هوائها، مكانًا يشتاق التلاميذ أن يأتوا إليه ويحبّون أن يمكثوا فيه طويلًا. وفي كلماته الأولى عن الصلاة في الموعظة على الجبل، يسعى يسوع أن يضع المخدع أمامنا في أجذب ما يكون من النور. وإن نحن أصغينا بانتباه، لاحظنا سريعًا ما هو الأمر الأعظم الذي عليه أن يقوله لنا عن مكثنا هناك. فثلاث مرّات يستعمل اسم الآب: «وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية» متى 6:6. «لأنّ أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه» متى 6:8.
فالأمر الأول في صلاة المخدع هو هذا: لا بدّ أن ألاقي أبي. والنور الذي يشرق في المخدع لا بدّ أن يكون نور وجه الآب. والهواء المنعش النازل من السماء، ذاك الذي يريد يسوع أن يملأ به الجوّ الذي فيه أتنفّس وأصلّي، إنما هو محبة الله الأبويّة، وأبوّة الله غير المحدودة. وهكذا تكون كل فكرة أو كل طلبة نتنفّسها بسيطةً صادقة من القلب، ثقةً بالآب كثقة الأولاد. فهكذا يعلّمنا المعلّم أن نصلّي: إنه يُدخلنا إلى حضرة الآب الحيّة. وما نصلّيه هناك لا بدّ أن يقتدر. فلنصغِ بانتباه لنسمع ما للرب أن يقوله لنا. أولًا: «وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء» متى 6:6.
إنّ الله إله يستتر ويحتجب عن العين الجسديّة. فما دمنا في سجودنا لله مشغولين قبل كلّ شيء بأفكارنا نحن وبتماريننا نحن، فإننا لن نلاقي البتّة ذاك الذي هو روح، ذاك الذي لا تراه عين. أما الإنسان الذي ينسحب من كلّ ما هو من العالم ومن الإنسان، ويتهيّأ لينتظر الله وحده دون سواه، فلهذا يُعلن الآب نفسه.
فإذ هو يترك العالم وحياة العالم بكلّ ما فيهما، ويتخلّى عنهما، ويغلق دونهما بابه إغلاقًا، ويُسلم نفسه ليقوده المسيح إلى سرّ حضرة الله، عندئذ يشرق عليه نور محبة الآب ويطلع عليه.
إنّ سرّية المخدع والباب المغلق، والانفصال التامّ عن كلّ ما حولنا، إنما هي كلها صورة ومثال لذلك القدس الروحيّ الباطن، ولسرّ مسكن الله، ولما هو داخل الحجاب، حيث تلامس روحنا حقًّا ذاك الذي لا تراه عين. وهكذا نُعلَّم نحن، منذ أول سعينا وراء سرّ الصلاة الفعّالة المقتدرة، أن نذكر أنه في المخدع، حيث نخلو بالآب وحدنا، هناك، وهناك وحده، نتعلّم أن نصلّي كما ينبغي.
الآب في الخفاء. بهذه الكلمات يعلّمنا يسوع أين هو ينتظرنا، وأين يمكن أن يُوجد على الدوام. وكثيرًا ما يشكو المسيحيون أنّ صلاتهم الخاصة ليست على ما ينبغي أن تكون عليه. فهم يشعرون بالضعف وبالخطية، وقلوبهم باردة مظلمة؛ وكأنه ليس عندهم إلا القليل مما يصلّون لأجله، وليس في ذلك القليل إيمان ولا فرح، أو ليس فيه منهما إلا النزر اليسير. ويصيبهم اليأس فتنقطع بهم الصلاة، إذ يفكّرون أنهم لا يقدرون أن يأتوا إلى الآب كما ينبغي لهم أو كما يشتهون هم. يا ولد الله! أصغِ إلى معلّمك. فهو يقول لك إنك متى ذهبت إلى الصلاة الخاصة، فليكن أول فكر لك هذا: الآب في الخفاء، والآب ينتظرني هناك. ولأنّ قلبك بارد لا صلاة فيه، فلهذا عينه ادخل إلى حضرة الآب المحبّ. «كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه» — وهو يترأف عليك أنت. فلا تفكّر في قلّة ما عندك مما تحمله إلى الله، بل في كثرة ما يريد هو أن يعطيك إيّاه. ضع نفسك أمامه فقط، وارفع عينيك إلى وجهه؛ وفكّر في محبته، محبته العجيبة الحنونة الرؤوفة.
قل له فقط كم هو كلّ شيء عندك خاطئ بارد مظلم: فإنّ قلب الآب المحبّ هو الذي سيعطي قلبك نورًا ودفئًا.
آه، افعل ما يقوله يسوع: أغلق بابك فقط، وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء. أفليس أمرًا عجيبًا أن تقدر أن تخلو بالله، بالله غير المحدود، ثم ترفع عينيك وتقول: يا أبي! «فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية» متى 6:6. وههنا يؤكّد لنا يسوع أنّ الصلاة السرّية لا يمكن البتّة أن تكون بلا ثمر: فإنّ بركتها ستظهر لا محالة في حياتنا. وإذ نخلو بالله في الخفاء، علينا أن نستودعه حياتنا كلها أمام الناس؛ وهو سيجازينا علانية؛ وهو سيتولّى بنفسه أن يُظهر جواب الصلاة في بركته علينا. وهكذا يريد ربّنا أن يعلّمنا أنه كما أنّ الأبوّة غير المحدودة والأمانة غير المحدودة هما ما يلاقينا الله به في الخفاء، فكذلك يجب أن تكون من جهتنا نحن بساطة الإيمان التي كبساطة الأولاد، والثقة بأنّ صلاتنا تُنزل بركةً بالفعل.
«يجب أنّ الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه» عبرانيين 11:6. فليست بركة المخدع تتوقّف على قوّة ذلك الشعور الذي به أصلّي ولا على حرارته، بل إنما تتوقّف على محبة الآب وعلى قوّته، ذاك الآب الذي أستودعه أنا حاجاتي كلها. ولذلك ليس للمعلّم إلا رغبة واحدة يريدها منّا: اذكر أنّ أباك يرى ويسمع في الخفاء؛ فاذهب إلى هناك، وامكث هناك، واخرج من هناك في ثقة: إنه سيجازيك. ثق به في ذلك؛ واتّكل عليه: فالصلاة المرفوعة إلى الآب لا يمكن أن تكون باطلة؛ إنه يجازيك علانية.
ولكي يزيد هذا تثبيتًا، أي هذا الإيمان بمحبة الله الأبويّة، ينطق المسيح بكلمة ثالثة: «لأنّ أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه» متى 6:8. وقد يبدو لأول وهلة أنّ هذه الفكرة تجعل الصلاة أقلّ لزومًا مما كنّا نظنّ: فالله يعرف ما نحتاج إليه أحسن منّا بكثير. غير أننا كلما نفذنا نفاذًا أعمق إلى حقيقة الصلاة وجوهرها، أعانتنا هذه الحقيقة على تقوية إيماننا وتثبيته. فهي تعلّمنا أننا لسنا محتاجين، كما يفعل الأمم، أن نُكره بكثرة كلامنا وبإلحاحه إلهًا غير راضٍ على أن يسمع لنا. وهي تقود إلى تفكّر مقدّس وإلى سكون هادئ في الصلاة، إذ توحي في النفس بهذا السؤال: أفيعلم أبي حقًّا أني محتاج إلى هذا؟ وهي تعطينا، متى قادنا الروح إلى اليقين بأنّ طلبتنا هي بالفعل مما نحتاج إليه بحسب الكلمة لمجد الله، ثقةً عجيبة بأن نقول: أبي يعلم أني محتاج إلى هذا، ولا بدّ لي منه. وإن كان في الجواب إبطاء وتأخير، علّمتنا أن نتمسّك ونثبت في مواظبة هادئة: يا أبتاه! أنت تعلم أني محتاج إليه.
آه، ما أبرك تلك الحرّية وتلك البساطة التي للولد الصغير، اللتين يودّ المسيح معلّمنا كل الودّ أن يتعهّدهما فينا بالتنمية ونحن نتقدّم إلى الله: فلنرفع أعيننا إلى الآب حتى يعملهما فينا روحه القدوس. ولنفعل هذا أحيانًا في صلواتنا، حين نكون في خطر أن ننشغل بطلباتنا الحارّة الملحّة انشغالًا ننسى معه أنّ الآب يعلم ويسمع: لنسكن عندئذ هنيهة ونقل في هدوء: أبي يرى، أبي يسمع، أبي يعلم؛ فإنّ ذلك كله يعين إيماننا على أن يأخذ الجواب وعلى أن يقول في يقين: «نعلم أنّ لنا الطلبات التي طلبناها منه».
والآن، يا جميع الذين دخلتم مدرسة المسيح لتُعلَّموا أن تصلّوا، خذوا هذه الدروس، ومارسوها، وثقوا به هو أنه سيكمّلكم فيها. فامكثوا كثيرًا في المخدع والباب مغلق — مغلقًا دون الناس، محبوسين أنتم مع الله؛ فهناك ينتظرك الآب، وهناك يعلّمك يسوع أن تصلّي. فأن تخلو في الخفاء بالآب وحده: هذا هو أعلى فرحك وأسماه. وأن تكون موقنًا أنّ الآب سيجازي علانيةً على الصلاة السرّية حتى لا يمكن أن تبقى بلا بركة: هذه هي قوّتك يومًا فيومًا. وأن تعلم أنّ الآب يعلم أنك محتاج إلى كلّ ما تطلبه: هذه هي حرّيتك في أن تحمل إليه كلّ حاجة من حاجاتك، وأنت موقن أنّ إلهك سيملأ كلّ احتياجك بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع.
أيها المخلّص المبارك، إني بكلّ قلبي أباركك على إقامتك المخدع مدرسةً لك تلاقي فيها كلّ واحد من تلاميذك على انفراد، وتعلن له فيها الآب. آه يا ربّي! قوِّ إيماني بمحبة الآب الحنون وبلطفه ورأفته، حتى إني كلما شعرت بخطيّتي أو باضطرابي، كان أول خاطر يخطر لي من تلقاء نفسه أن أذهب إلى حيث أعلم أنّ الآب ينتظرني هناك، وحيث لا يمكن للصلاة أن تمضي بغير بركة. وليقدني التفكير في أنه يعلم حاجتي قبل أن أسأله، في راحة الإيمان العظيمة، إلى أن أثق بأنه سيعطي ما يحتاج إليه ولده. آه، ليصر موضع الصلاة السرّية عندي أحبّ بقعة إليّ على وجه الأرض كلها.
يا رب! اسمعني إذ أصلّي أن تبارك مخادع شعبك المؤمن في كلّ مكان. وليحرّر إعلانك العجيب لحنان الآب كل المسيحيين الأحداث من كل فكر يرى الصلاة السرّية واجبًا ثقيلًا أو حملًا مضنيًا، وليقدهم إلى أن يعدّوها أعلى امتياز في حياتهم كلها، وفرحًا لهم وبركة. وردّ إليك كل من أصابهم اليأس لأنهم لا يجدون شيئًا البتّة يحملونه إليك في الصلاة. وليفهموا أنه ليس عليهم إلا أن يأتوا بفراغهم إلى ذاك الذي عنده الكلّ ليعطيه، والذي يُسرّ أن يعطيه. ولا يكن لهم فكر واحد إلا هذا: لا ما عندهم ليحملوه إلى الآب، بل ما ينتظر الآب أن يعطيهم إيّاه.
وبارك على وجه الخصوص مخدع كلّ واحد من خدّامك العاملين لأجلك، بوصفه المكان الذي فيه يُعلَن لهم حقّ الله ونعمة الله، وفيه يُمسحون كلّ يوم بزيت جديد، وفيه تتجدّد قوّتهم يومًا فيومًا، وفيه تُقبَل بالإيمان تلك البركات التي بها يباركون إخوتهم من البشر. يا رب، اجذبنا كلنا في المخدع أقرب إليك أنت وإلى الآب. آمين.