فصل 4 · قراءة 8 د

الصلاة النموذجيّة

«فصلّوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات…» متى 6:9.

كلّ معلّم يعرف قوّة المثال وما له من سلطان. فهو لا يقول للولد ماذا يعمل وكيف يعمله فحسب، بل يريه أيضًا كيف يمكن أن يُعمَل ذلك بالفعل. ومعلّمنا السماويّ، تنازلًا منه إلى ضعفنا ونزولًا إلى مقدارنا، قد أعطانا الكلمات عينها التي نحملها معنا ونحن نتقدّم إلى أبينا. فلنا فيها صيغة صلاة تتنفّس فيها نضارة الحياة الأبدية وملؤها جميعًا. هي من البساطة بحيث يقدر الولد الصغير أن يتمتم بها، وهي من الغنى الإلهيّ بحيث تشمل كلّ ما يقدر الله أن يعطيه.

هي صيغة صلاة تصير أنموذجًا لكلّ صلاة أخرى ومصدر إلهام لها، ومع ذلك تجذبنا دائمًا إليها هي نفسها بوصفها أعمق ما تنطق به نفوسنا أمام إلهنا. «أبانا الذي في السماوات» متى 6:9. ولكي أقدّر كلمة السجود هذه حقّ قدرها، عليّ أن أذكر أنّ أحدًا من القدّيسين في الكتاب المقدس لم يجرؤ قطّ أن يخاطب الله بأنه أبوه هو. فهذا الدعاء يضعنا للحال في وسط ذلك الإعلان العجيب الذي جاء الابن ليُعلنه عن أبيه بوصفه أبانا نحن أيضًا. وهو يشمل في طيّه سرّ الفداء — إذ يخلّصنا المسيح من اللعنة لنصير نحن أولاد الله. ويشمل سرّ الولادة الثانية — إذ يعطينا الروح في الميلاد الجديد حياةً جديدة. ويشمل سرّ الإيمان — إذ تُوضع هذه الكلمة على شفاه التلاميذ قبل أن يتمّ الفداء أو يُفهَم، لتعدّهم للاختبار المبارك الذي كان لم يأتِ بعد. فهذه الكلمات هي مفتاح الصلاة كلها، بل مفتاح كلّ صلاة. ودرسها يحتاج إلى وقت، بل يحتاج إلى عمر كامل؛ أما فهمها فهمًا تامًّا فيحتاج إلى أبدية بكاملها.

إنّ معرفة محبة الله الأبويّة هي الدرس الأول وهي أبسط الدروس في مدرسة الصلاة، وهي في الوقت عينه درسها الأخير وأعلاها جميعًا. فإنما في تلك العلاقة الشخصيّة بالإله الحيّ، وفي شركة المحبة الشخصيّة الواعية معه هو، تبتدئ الصلاة ابتداءها الحقيقيّ. وإنما في معرفة أبوّة الله، معلنةً بالروح القدس، تُوجَد قوّة الصلاة فتتأصّل هناك وتنمو. وفي حنان الآب غير المحدود، وفي رأفته وطول أناته، وفي استعداده المحبّ لأن يسمع ولأن يعين، تجد حياة الصلاة كل فرحها. آه، فلنأخذ من الوقت ما يكفي حتى يجعل الروح هذه الكلمات لنا نحن روحًا وحقًّا، مالئةً منّا القلب والحياة: «أبانا الذي في السماوات». وحينئذ نكون حقًّا داخل الحجاب، في ذلك الموضع السرّيّ، موضعِ القوّة، حيث تغلب الصلاة على الدوام وتقتدر.

«ليتقدّس اسمك» متى 6:9. ثمّة ههنا أمر يستوقفنا للحال. فبينما نحن في العادة نحمل حاجاتنا نحن أولًا إلى الله في الصلاة، ثم نفكّر بعدها فيما هو لله وفيما يخصّ مصالحه هو، إذا بالمعلّم يعكس علينا هذا الترتيب. فأولًا: اسمك، ملكوتك، مشيئتك؛ ثم: أعطنا، اغفر لنا، لا تدخلنا، نجّنا. متى 6:10-13. وهذا الدرس أعظم أهمية مما نظنّ. ففي السجود الحقيقيّ لا بدّ أن يكون الآب هو الأول، ولا بدّ أن يكون هو الكلّ في الكلّ. وكلما أسرعت في أن أتعلّم نسيان نفسي في الرغبة في أن يتمجّد هو وحده، كانت البركة التي تجلبها لي الصلاة أغنى وأوفر. فما خسر إنسان قطّ ما ضحّى به لأجل الآب.

ولا بدّ أن يؤثّر هذا في صلواتنا كلها. فإنّ الصلاة ضربان: صلاة شخصية وصلاة شفاعة. والثانية تشغل في العادة الجزء الأصغر من وقتنا ومن طاقتنا. وهذا ما لا يجوز أن يكون. فإنّ المسيح إنما فتح مدرسة الصلاة على وجه الخصوص ليدرّب فيها شفعاء لذلك العمل العظيم، عملِ إنزال بركات عمله ومحبته على العالم بإيمانهم وبصلاتهم. ولا يمكن أن يكون في الصلاة نموّ عميق ما لم نجعل هذا هو غايتنا. فالولد الصغير قد لا يطلب من أبيه إلا ما يحتاج إليه هو لنفسه؛ ومع ذلك فهو سريعًا ما يتعلّم أن يقول: «وأعطِ أختي أيضًا». أما الابن البالغ، الذي لا يحيا إلا لما يخصّ أباه، والذي يتولّى أعمال أبيه، فهو يطلب طلبًا أوسع وينال كلّ ما يطلبه. وإنّ يسوع يريد أن يدرّبنا على تلك الحياة المباركة، حياةِ التكرّس والخدمة، التي فيها تكون مصالحنا كلها تابعةً لاسم الآب ولملكوته ولمشيئته. فلنحيَ نحن لأجل هذا، وليتبع كل سجدة نسجدها قائلين: «أبانا!» في النفَس عينه: «اسمك، ملكوتك، مشيئتك» — فإلى هذا نرفع أعيننا وإليه نشتاق.

«ليتقدّس اسمك» متى 6:9. أيّ اسم هذا؟ إنه هذا الاسم الجديد: اسم الآب. فكلمة «قدّوس» هي الكلمة المحوريّة في العهد القديم وعليها مداره؛ واسم «الآب» هو الكلمة المحوريّة في العهد الجديد وعليه مداره. وفي هذا الاسم، اسمِ المحبة، سيُعلَن الآن كل قداسة الله وكل مجده إعلانًا تامًّا. وكيف يتقدّس هذا الاسم؟ إنما يتقدّس بالله نفسه لا بغيره: «فأقدّس اسمي العظيم المنجَّس في الأمم» حزقيال 36:23. فيجب أن تكون صلاتنا هذه: أن يُعلن الله نفسه — فينا نحن، وفي كل أولاد الله، وأمام العالم كله — قداسةَ اسم الآب، وقدرتَه الإلهيّة، ومجدَه المستتر. وروح الآب هو الروح القدس: فلا يتقدّس هذا الاسم في صلواتنا ولا في حياتنا إلا حين نُسلم أنفسنا نحن لينقادنا هو ويقودنا. فلنتعلّم إذًا هذه الصلاة ونحن في مدرسته: «أبانا، ليتقدّس اسمك».

«ليأتِ ملكوتك» متى 6:10. إنّ الآب ملك، وله ملكوت يملك عليه. وليس للابن، وارثِ الملك، طموح أعلى ولا أشرف من مجد ملكوت أبيه. وفي أزمنة الحرب أو في أزمنة الخطر يصير هذا شغله الشاغل وهمّه الأوحد؛ فلا يقدر أن يفكّر في شيء سواه. وأولاد الآب إنما هم ههنا مقيمون في أرض العدوّ، حيث الملكوت الذي هو في السماء لم يظهر بعدُ ظهورًا تامًّا كاملًا. فما أطبع من هذا وأولاه: أنهم، متى تعلّموا أن يقدّسوا اسم الآب، يشتاقون ويصرخون بحماسة عميقة قائلين: «ليأتِ ملكوتك» متى 6:10. فمجيء الملكوت هو ذلك الحدث العظيم الواحد الذي عليه وحده يتوقّف إعلان مجد الآب، وغبطة أولاده، وخلاص العالم أجمع. وفي صلواتنا نحن أيضًا ينتظر مجيء ذلك الملكوت. أفلا نشترك نحن في صرخة المفديّين، صرخةِ الشوق العميق: «ليأتِ ملكوتك»؟ فلنتعلّمها إذًا في مدرسة يسوع.

«لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض» متى 6:10. وكثيرًا ما تُطبَّق هذه الطلبة وحدها على احتمال مشيئة الله في الآلام والصبر عليها، لا على غير ذلك. ففي السماء مشيئة الله معمولة، والمعلّم يعلّم الولد أن يطلب أن تكون المشيئة معمولة على الأرض كما هي معمولة في السماء: بروح الخضوع العابد وبروح الطاعة المستعدّة. ولأنّ مشيئة الله هي مجد السماء، فإنّ عملها هو غبطة السماء بعينها. وبمقدار ما تُعمَل المشيئة، يدخل ملكوت السماوات إلى القلب ويستقرّ فيه. وحيثما قبل الإيمانُ محبةَ الآب، هناك تقبل الطاعةُ مشيئةَ الآب. فالتسليم لحياة طاعة كطاعة السماء، والصلاة لأجل تلك الحياة، هما روح تلك الصلاة التي كصلاة الأولاد.

«خبزنا كفافنا أعطنا اليوم» متى 6:11. فمتى كان الولد قد سلّم نفسه أولًا للآب في الاهتمام باسمه وبملكوته وبمشيئته، صارت له بعد ذلك الحرّية التامّة في أن يطلب خبزه كفافه. فالسيّد يهتمّ بطعام عبده، والقائد يهتمّ بطعام جنوده، والأب يهتمّ بطعام ولده الصغير. أفلا يهتمّ الآب الذي في السماوات بالولد الذي بذل نفسه في الصلاة لما يخصّ أباه؟ بل إننا نستطيع أن نقول له في ثقة تامّة: يا أبتاه، أنا أحيا لكرامتك أنت ولعملك؛ وأنا أعلم أنك أنت تهتمّ بي. فالتكرّس لله ولمشيئته هو الذي يعطي حرّية عجيبة في الصلاة لأجل الأمور الزمنية: إذ تُسلَّم الحياة الأرضية كلها بجملتها لعناية الآب المحبّة.

«واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا» متى 6:12. فكما أنّ الخبز هو أول حاجة من حاجات الجسد، هكذا الغفران هو أول حاجة من حاجات النفس. والعناية بالواحد منهما أكيدة كالعناية بالآخر سواءً بسواء. فنحن أولاد، ولكنّ حقّنا في الدخول إلى حضرة الآب إنما ندين به كله للدم الكريم وللغفران الذي ربحه لنا ذلك الدم.

فلنحذر أن تصير الصلاة لأجل الغفران مجرّد صيغة تُقال: فلا يُغفَر حقًّا إلا ما اعتُرف به حقًّا.

ولنقبل بالإيمان الغفران كما وُعدنا به: فهو حقيقة روحيّة، ومعاملة فعليّة بين الله وبيننا، وهو المدخل إلى كل محبة الآب وإلى كل امتيازات الأولاد. وغفران كهذا، بوصفه اختبارًا حيًّا، مستحيل بغير روح تغفر للآخرين: فكما أنّ «مغفورًا له» يعبّر عن علاقة ولد الله بما هو نحو السماء، هكذا «غافرًا» يعبّر عن علاقته بما هو نحو الأرض.

وفي كلّ صلاة أرفعها إلى الآب، لا بدّ أن أستطيع أن أقول إني لا أعرف أحدًا في الدنيا كلها لا أحبّه من كلّ قلبي. «ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجّنا من الشرير» متى 6:13. فخبزنا كفافنا، والصفح عن خطايانا، ثم حفظنا من كل خطية ومن كل سلطان للشرير — في هذه الطلبات الثلاث تنحصر حاجتنا الشخصيّة كلها ولا تعدوها. ولا بدّ أن يصحب الصلاةَ لأجل الخبز ولأجل الصفح ذلك التسليمُ لأن نحيا في كلّ شيء في طاعة مقدّسة لمشيئة الآب، وتلك الصلاةُ الإيمانية لأن نُحفَظ في كلّ شيء بقوّة الروح الساكن فينا من سلطان الشرير.

يا أولاد الله! هكذا يريد يسوع أن نصلّي نحن إلى الآب الذي في السماوات. فليكن لاسمه ولملكوته ولمشيئته المكان الأول في محبتنا؛ وحينئذ تكون محبته المعيلة الغافرة الحافظة هي نصيبنا الأكيد الذي لا يزول عنّا. وهكذا تقودنا هذه الصلاة صاعدةً بنا إلى حياة البنوّة الحقيقيّة: الآب معطًى للولد، والآب عاملًا لأجل الولد. وسنفهم كيف أنّ الآب والولد، و«لك» و«لنا»، إنما هي كلها شيء واحد؛ وكيف أنّ القلب الذي يبتدئ صلاته بـ«لك» تلك المكرَّسة لله وحده ستكون له القدرة أن ينطق بالإيمان بـ«لنا» هي أيضًا. وستكون صلاة كهذه حقًّا شركةً في المحبة وتبادلًا لها، تردّنا دائمًا في ثقة وفي سجود إلى ذاك الذي ليس هو البداية فحسب بل هو النهاية أيضًا: «لأنّ لك الملك، والقوّة، والمجد، إلى الأبد. آمين» متى 6:13.

يا ابن الآب، علّمنا أنت أن نصلّي: «أبانا».

أيها الابن الوحيد، علّمنا، نتضرّع إليك، أن نصلّي: «أبانا». نشكرك يا رب على هذه الكلمات الحيّة المباركة التي أعطيتنا إيّاها من فمك. ونشكرك على الملايين الذين تعلّموا فيها أن يعرفوا الآب وأن يسجدوا له، ونشكرك على ما كانته هي لنا نحن أنفسنا. يا رب! لكأننا نحتاج إلى أيام وإلى أسابيع نقضيها في مدرستك مع كل طلبة من طلباتها على حدة؛ فما أعمقها وما أملأها! ولكننا ننظر إليك أنت لتقودنا إلى معناها نفاذًا أعمق مما بلغنا: فافعل هذا، نصلّي إليك، من أجل اسمك؛ فاسمك هو ابن الآب.

يا رب! لقد قلت أنت مرّةً: «ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يُعلن له» متى 11:27. ثم قلت مرّةً أخرى: «وعرّفتهم اسمك وسأعرّفهم، ليكون فيهم الحبّ الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم».

يوحنا 17:26. أيها الرب يسوع! أعلن لنا أنت الآب. وليكن اسمه، ولتكن محبته الأبويّة غير المحدودة، تلك المحبة عينها التي أحبّك هو بها، بحسب صلاتك أنت، كائنةً فينا نحن. وحينئذ نقول كما ينبغي أن يُقال: «أبانا!» وحينئذ ندرك تعليمك إدراكًا، ويكون أول ما يتنفّسه قلبنا من تلقاء نفسه: «أبانا، اسمك، ملكوتك، مشيئتك». وحينئذ نحمل إليه نحن حاجاتنا وخطايانا وتجاربنا كلها، واثقين بأنّ محبة أبٍ كهذا تهتمّ بكلّ شيء وتتولّاه. أيها الرب المبارك! نحن تلاميذك في مدرستك.

إننا نثق بك يا رب؛ فعلّمنا أنت أن نصلّي: «أبانا». آمين.

تمّ الكتاب

صفحة 1 / 6 · 8 دقيقة متبقية في الفصل