فصل 2 · قراءة 8 د
الساجدون الحقيقيون
«ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحقّ، لأنّ الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحقّ ينبغي أن يسجدوا». يوحنا 4:23-24.
إنّ هذه الكلمات التي قالها يسوع للمرأة السامرية هي أول تعليم مسجَّل له في موضوع الصلاة. وهي تعطينا لمحات أولى عجيبة نطلّ بها على عالم الصلاة كله ونشرف عليه. فالآب يطلب لنفسه ساجدين: فسجودنا نحن يُشبع قلبه المحبّ ويكون له فرحًا. وهو يطلب ساجدين حقيقيين، ولكنه يجد كثيرين منهم ليسوا على ما يريدهم هو أن يكونوا عليه.
فالسجود الحقيقيّ هو ذاك الذي يكون بالروح والحقّ وحدهما. وقد جاء الابن ليفتح لنا الطريق إلى هذا السجود بالروح والحقّ، وليعلّمنا نحن إيّاه. ومن ثمّ لا بدّ أن يكون من أول ما نتعلّمه من الدروس في مدرسة الصلاة أن نفهم ما معنى أن نصلّي بالروح والحقّ، وأن نعرف كيف السبيل إلى بلوغ ذلك وإدراكه.
لقد كلّم ربّنا المرأة السامرية عن سجود ثلاثيّ، فذكر لها ثلاث درجات منه. فهناك أولًا سجود السامريين الجاهل: «أنتم تسجدون لما لستم تعلمون» يوحنا 4:22. وهناك ثانيًا سجود اليهوديّ العالم، الذي له معرفة الله الحقيقيّة: «أما نحن فنسجد لما نعلم. لأنّ الخلاص هو من اليهود» يوحنا 4:22. ثم هناك ثالثًا ذلك السجود الجديد، السجود الروحيّ، الذي جاء هو نفسه ليُدخله إلى العالم: «ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحقّ» يوحنا 4:23. ومن سياق الكلام نفسه يتّضح كل الاتّضاح أنّ قوله «بالروح والحقّ» لا يعني، كما يُظنّ في كثير من الأحيان، باجتهاد، ومن القلب، وبإخلاص.
فقد كانت للسامريين أسفار موسى الخمسة وشيء من معرفة الله؛ ولا شكّ أنه كان بينهم غير واحد ممن كانوا يطلبون الله في الصلاة بأمانة وباجتهاد.
وكان لليهود إعلان الله الحقيقيّ التامّ في كلمته، على قدر ما كان قد أُعطي منه إلى ذلك الحين؛ وكان بينهم رجال أتقياء أطهار يدعون الله بكلّ قلوبهم. ومع ذلك لم يكن سجودهم «بالروح والحقّ» بالمعنى التامّ الكامل لهاتين الكلمتين.
يقول يسوع: «ولكن تأتي ساعة، وهي الآن» يوحنا 4:23. فليس السجود لله يكون بالروح والحقّ إلا فيه هو وبه هو وحده.
ولا يزال المرء يجد بين المسيحيين هذه الطبقات الثلاث من الساجدين. فمنهم قوم لا يكادون يعرفون في جهلهم ماذا يطلبون: يصلّون باجتهاد وحرارة، ومع ذلك لا ينالون إلا قليلًا. ومنهم آخرون لهم معرفة أصحّ من تلك المعرفة، يجتهدون أن يصلّوا بكل عقولهم وبكل قلوبهم، وكثيرًا ما يصلّون بأشدّ ما يكون من الحرارة، ومع ذلك لا يبلغون غبطة السجود بالروح والحقّ كاملةً. وإنما في هذه الطبقة الثالثة يجب أن نسأل ربّنا يسوع أن يُدخلنا؛ ويجب أن نتعلّم منه هو كيف نسجد بالروح والحقّ. فهذا وحده هو السجود الروحيّ؛ وهذا وحده يجعلنا ساجدين كالذين يطلبهم الآب.
وفي الصلاة يتوقّف كلّ شيء على حسن فهمنا للسجود بالروح والحقّ وعلى ممارستنا له. «الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحقّ ينبغي أن يسجدوا» يوحنا 4:24. وأول فكرة يوحي بها المعلّم ههنا هي أنه لا بدّ أن يكون بين الله وبين الساجدين له توافق؛ فكما يكون الله، هكذا يجب أن يكون السجود له. وهذا بحسب مبدأ سائد في الكون كله: فنحن نتوقّع أبدًا تناسبًا وتقابلًا بين الشيء وبين العضو الذي له يُعلن ذلك الشيء نفسه ويبذلها. فللعين أهليّة باطنة للنور، وللأذن أهليّة باطنة للصوت.
فالإنسان الذي يريد أن يسجد لله سجودًا حقيقيًّا، وأن يجد الله ويعرفه ويمتلكه ويتمتّع به، لا بدّ أن يكون هو على توافق معه، ولا بدّ أن تكون فيه قابليّة لقبوله. ولأنّ الله روح، يجب أن نسجد نحن بالروح. فكما يكون الله، هكذا يكون الساجد له.
وماذا يعني هذا؟ لقد سألت المرأة ربّنا: أفي السامرة موضع السجود الحقيقيّ أم في أورشليم؟ فأجابها أنّ السجود من الآن فصاعدًا لن يعود محصورًا في موضع معيّن: «يا امرأة، صدّقيني أنه تأتي ساعة، لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون للآب» يوحنا 4:21. فلمّا كان الله روحًا، غير مقيَّد بمكان ولا بزمان، بل هو في كماله غير المحدود واحدًا في كلّ حين وفي كلّ مكان، فكذلك السجود له لن يبقى بعدُ محصورًا بمكان ولا بصورة، بل يكون روحيًّا كما أنّ الله نفسه روحيّ. وهذا درس بالغ الأهمية جدًّا. فكم تتألّم مسيحيّتنا وتضعف من هذا الأمر بعينه: أنها محصورة في أوقات معيّنة وفي أماكن معيّنة.
فالإنسان الذي يسعى أن يصلّي باجتهاد في الكنيسة أو في المخدع يقضي معظم الأسبوع أو معظم النهار بروح مباينة كل المباينة لتلك الروح التي بها كان قد صلّى. فقد كان سجوده عمل مكان معيّن أو ساعة معيّنة، لا عمل كيانه كله. إنّ الله روح: هو الأبديّ الذي لا يتغيّر ولا يستحيل؛ وما هو عليه فهو عليه دائمًا وبالحقّ. فهكذا يجب أن يكون سجودنا نحن أيضًا بالروح والحقّ: يجب أن يكون السجود له هو روح حياتنا كلها؛ ويجب أن تكون حياتنا كلها سجودًا بالروح كما أنّ الله روح.
«الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحقّ ينبغي أن يسجدوا» يوحنا 4:24. والفكرة الثانية التي تأتينا ههنا هي أنّ هذا السجود بالروح لا بدّ أن يأتي من الله نفسه، لا من موضع سواه. فالله روح: وهو وحده الذي له روح يعطيه، وليس ذلك لأحد غيره. ولأجل هذا بعينه أرسل ابنه، ليؤهّلنا نحن لسجود روحيّ كهذا، إذ يعطينا الروح القدس. وإنما عن عمله هو يتكلّم يسوع حين يقول مرّتين: «تأتي ساعة» يوحنا 4:23، ثم يضيف: «وهي الآن».
لقد جاء ليعمّد بالروح القدس؛ ولم يكن ذلك الروح يقدر أن يتدفّق ويجري في النفوس حتى مُجّد هو (يوحنا 1:33، و7:37-38، و16:7). فإنه لمّا كان قد أتمّ أمر الخطية وجعل لها نهاية، ولمّا كان قد دخل إلى قدس الأقداس بدمه، ولمّا كان قد نال هناك عنّا نحن الروح القدس (أعمال 2:33) — عندئذ، وعندئذ فقط، استطاع أن يرسله نازلًا إلينا بوصفه روح الآب. ولمّا كان المسيح قد فدانا، وكنّا نحن قد نلنا فيه مقام الأولاد ومكانتهم، عندئذ أرسل الآب روح ابنه إلى قلوبنا صارخًا: «يا أبا الآب». فالسجود بالروح إذًا هو السجود للآب بروح المسيح، أي بروح البنوّة.
وهذا هو السبب في أنّ يسوع يستعمل ههنا اسم الآب. فإننا لا نجد قطّ واحدًا من قدّيسي العهد القديم ينسب إلى نفسه اسم الولد نسبةً شخصية، أو يدعو الله أباه هو. فالسجود للآب لا يمكن أن يكون إلا للذين أُعطي لهم روح الابن، دون سواهم. والسجود بالروح لا يمكن أن يكون إلا للذين أعلن لهم الابن الآب، والذين نالوا هم روح البنوّة. فالمسيح وحده هو الذي يفتح الطريق ويعلّم السجود بالروح والحقّ. وليس معنى ذلك أنه يكون بالإخلاص فقط، ولا معناه أنه يكون بموافقة حقّ كلمة الله فقط. بل إنّ هذا التعبير ذو معنًى عميق إلهيّ لا يُبلغ غوره. فيسوع هو ذاك الذي رأينا مجده، «مجدًا كما لوحيد من الآب، مملوءًا نعمةً وحقًّا» يوحنا 1:14. «لأنّ الناموس بموسى أُعطي، أما النعمة والحقّ فبيسوع المسيح صارا» يوحنا 1:17. ويقول يسوع عن نفسه: «أنا هو الطريق والحقّ والحياة» يوحنا 14:6.
ففي العهد القديم كان كلّ شيء ظلًّا ووعدًا؛ أما يسوع فقد أتى بالحقيقة نفسها وأعطاها، أي بجوهر تلك الأمور التي كانت تُرجى. وفيه صارت بركات الحياة الأبدية وقواها ملكًا لنا بالفعل واختبارًا لنا في الحاضر. فيسوع مملوء نعمةً وحقًّا؛ والروح القدس هو روح الحقّ؛ وبه صارت النعمة التي في يسوع لنا حقًّا وصدقًا، وصار الحقّ عطيّةً فعليّة موصولة إلينا خارجةً من الحياة الإلهيّة نفسها. فالسجود بالروح إذًا هو سجود بالحقّ؛ أي شركة حيّة فعليّة مع الله، وتناسب حقيقيّ وتوافق تامّ بين الآب الذي هو روح وبين الولد الذي يصلّي بالروح.
إنّ ما قاله يسوع للمرأة السامرية لم تكن هي تقدر أن تفهمه للحال. فقد كان لا بدّ من يوم الخمسين ليُعلن معناه التامّ. ونحن أيضًا لسنا مستعدّين، عند أول دخولنا مدرسة الصلاة، لأن ندرك تعليمًا كهذا إدراكًا تامًّا. وسنفهمه فهمًا أحسن من هذا فيما بعد. فلنبتدئ نحن فقط، ولنأخذ الدرس كما يعطيه هو لنا. إننا جسديّون، ولا نقدر أن نقدّم لله ذلك السجود الذي يطلبه. لكنّ يسوع جاء ليعطي الروح: وقد أعطاه لنا. فليكن الاستعداد الذي به نقف للصلاة هو ما علّمتنا إيّاه كلمات المسيح. وليكن ثمّة ذلك الاعتراف العميق بعجزنا عن أن نقدّم لله سجودًا يرضيه ويسرّه؛ وتلك القابليّة للتعلُّم التي كقابليّة الأولاد، والتي تنتظره هو ليعلّمنا؛ والإيمان البسيط الذي يُسلم نفسه لنسمة الروح.
وفوق هذا كله، لنتمسّك بتلك الحقيقة المباركة — وسنجد أنّ للرب مزيدًا يقوله لنا عنها — وهي أنّ معرفة أبوّة الله، وإعلان أبوّته غير المحدودة في قلوبنا نحن، والإيمان بتلك المحبة غير المحدودة التي تعطينا ابنه وروحه ليجعلانا أولادًا له، هي حقًّا سرّ الصلاة بالروح والحقّ. فهذا هو الطريق الحديث الحيّ الذي دشّنه لنا المسيح وفتحه أمامنا. وأن يكون المسيح الابن، وروح الابن، ساكنَين في داخلنا، ومعلنَين لنا الآب — فهذا هو وحده الذي يجعلنا ساجدين حقيقيين روحيّين.
أيها الرب المبارك! إني لأعجب وأتعبّد أمام تلك المحبة التي بها علّمتَ امرأةً كانت قد منعت عنك شربة ماء واحدة ما يجب أن يكون عليه السجود لله. وإني أفرح كل الفرح باليقين بأنك لن تقصّر الآن عن أن تعلّم تلميذك هذا الآتي إليك بقلب يشتاق أن يصلّي بالروح والحقّ. آه يا معلّمي القدّوس! علّمني هذا السرّ المبارك.
علّمني أنّ السجود بالروح والحقّ ليس هو من الإنسان ولا من عنده، بل إنما يأتي منك أنت وحدك؛ وأنه ليس هو أمر أوقات ومواسم فحسب، بل هو فيض حياة كائنة فيك أنت. علّمني أن أتقدّم إلى الله في الصلاة وأنا تحت ذلك الانطباع العميق بجهلي، وبأنه ليس عندي في نفسي شيء ألبتّة أقدّمه له، وتحت الانطباع في الوقت عينه بما أعددته أنت، يا مخلّصي، لتنفّس الروح في لجلجتي التي كلجلجة الأولاد. وإني لأباركك من كلّ قلبي لأني فيك ولد، ولي حرّية الدخول التي للأولاد؛ ولأنّ لي فيك روح البنوّة وروح السجود بالحقّ. وعلّمني، فوق هذا كله، يا ابن الآب المبارك، كيف أنّ إعلان الآب هو وحده الذي يعطي الثقة في الصلاة؛ ولتكن أبوّة قلب الله غير المحدودة فرحي وقوّتي لحياة صلاة ولحياة سجود.
آمين.