فصل 1 · قراءة 8 د

المعلّم الوحيد

«وإذ كان يصلّي في موضع، لمّا فرغ، قال واحد من تلاميذه: يا رب، علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا أيضًا تلاميذه». لوقا 11:1.

لقد كان التلاميذ مع المسيح، ورأوه يصلّي. وقد تعلّموا أن يفهموا شيئًا من تلك الصلة القائمة بين حياته العجيبة أمام الناس وبين حياته السرّية في الصلاة. وتعلّموا أن يؤمنوا به معلّمًا في فنّ الصلاة. فما كان أحد يقدر أن يصلّي كما كان هو يصلّي. ولهذا أتوا إليه بهذا الطلب: «يا رب، علّمنا أن نصلّي» (لوقا 11:1). ولو أنّا سألناهم بعد سنين لأخبرونا أنه لم يكن في كلّ ما علّمهم إيّاه إلا القليل مما هو أعجب من دروسه في الصلاة أو أكثر بركةً منها. ولا يزال الأمر إلى اليوم على حاله: فبينما هو يصلّي في موضع، يشعر التلاميذ الذين يرونه هكذا مشغولًا بالصلاة بالحاجة إلى أن يكرّروا الطلب عينه: «يا رب، علّمنا أن نصلّي» (لوقا 11:1).

وكلما نمونا في الحياة المسيحيّة، صار التفكير في معلّمنا الحبيب والإيمان به في شفاعته التي لا تنقطع أعزَّ علينا وأثمن، وصار الرجاء في أن نكون شبه المسيح في شفاعته يجتذبنا اجتذابًا لم نكن نعرفه من قبل. وإذ نراه يصلّي، ونذكر أنه ليس أحد يقدر أن يصلّي كما يصلّي هو، ولا أحد يقدر أن يعلّم كما يعلّم هو، نشعر أنّ طلبة التلاميذ: «يا رب، علّمنا أن نصلّي» هي بعينها ما نحتاج إليه.

ومتى فكّرنا كيف أنّ كلّ ما هو عليه وكلّ ما له إنما هو لنا، وكيف أنه هو نفسه ملك لنا، وكيف أنه هو نفسه حياتنا، أيقنّا أنه ليس علينا إلا أن نطلب، وأنه هو سيُسرّ أن يرفعنا إلى شركة أوثق معه، وأن يعلّمنا أن نصلّي كما يصلّي هو.

فهلمّوا يا إخوتي! أفلا نذهب إلى المعلّم المبارك ونسأله أن يقيّد أسماءنا نحن أيضًا من جديد في تلك المدرسة التي لا يزال يبقيها مفتوحة على الدوام لكل من يشتاق أن يمضي في دروسه في ذلك الفنّ الإلهيّ، فنّ الصلاة والشفاعة؟ نعم، لنقل للمعلّم في هذا اليوم عينه ما قالوه هم حينئذ: «يا رب، علّمنا أن نصلّي». وإذا نحن تأمّلنا، وجدنا كل كلمة من كلمات هذه الطلبة التي نرفعها مملوءةً معنًى.

«يا رب، علّمنا أن نصلّي». نعم، أن نصلّي. فهذا هو بعينه الذي نحتاج أن نُعلَّمه. فإنّ الصلاة، وإن كانت في مبادئها من البساطة بحيث يقدر الطفل الضعيف أن يصلّي، هي في الوقت عينه أعلى عمل وأقدس عمل يستطيع الإنسان أن يرتفع إليه. إنها شركة مع ذاك الذي لا تراه عين، القدّوس الذي ليس مثله قدّوس. وإنّ قوى العالم الأبديّ قد وُضعت كلها تحت تصرّفها ورُهنت بإشارتها. وهي جوهر الديانة الحقّة بعينه، والقناة التي تجري فيها البركات كلها، وسرّ القوّة وسرّ الحياة. لا لأنفسنا نحن وحدنا، بل لغيرنا أيضًا، وللكنيسة، وللعالم أجمع. فإنما للصلاة أعطانا الله الحقّ في أن نمسك به هو وبقوّته. وفي الصلاة تنتظر المواعيد تتميمها، وينتظر الملكوت مجيئه، وينتظر مجد الله إعلانه التامّ. فيا لَشدّة تكاسلنا عن هذا العمل المبارك، ويا لَعظم عدم أهليّتنا له! وليس إلا روح الله وحده هو الذي يقدر أن يجعلنا نعمله كما ينبغي أن يُعمَل. وما أسرع ما ننخدع فنستريح إلى الصورة الظاهرة ونقنع بها، والقوّة كلها مفقودة.

إنّ تربيتنا الأولى، وتعليم الكنيسة، وسلطان العادة، وتحرّك العواطف — ما أسهل ما تقود هذه كلها إلى صلاة لا قوّة روحيّة فيها، ولا تقتدر إلا قليلًا. أما الصلاة الحقيقيّة، تلك التي تمسك بقوة الله، والتي تقتدر كثيرًا، والتي تُفتَح لها أبواب السماء حقًّا على مصاريعها — فمن ذا الذي لا يصرخ: آهِ، لو كان لي من يعلّمني كيف أصلّي! وقد فتح يسوع مدرسةً يدرّب فيها مفديّيه، ولا سيّما الراغبون منهم في ذلك، الذين يريدون أن تكون لهم قوّة في الصلاة. أفلا ندخلها نحن أيضًا بهذه الطلبة: يا رب! هذا بعينه هو الذي نحتاج أن نُعلَّمه! آه، علّمنا أن نصلّي.

«يا رب، علّمنا أن نصلّي». نعم، نحن يا رب. فقد قرأنا في كلمتك بأيّ قوّة كان شعبك المؤمن في تلك الأيام يصلّي، وأيّ عجائب عظيمة صُنعت استجابةً لصلواتهم. وإن كان هذا قد جرى تحت العهد القديم، في زمان الإعداد والتهيئة، فكم بالحريّ تعطي شعبك الآن، في أيام التتميم هذه، هذه العلامة الأكيدة على حضورك في وسطهم؟ وقد سمعنا تلك المواعيد التي أُعطيت لرسلك عن قوّة الصلاة باسمك، ورأينا بأيّ مجد اختبروا هم صدقها وحقيقتها. ونحن على يقين أنها تقدر أن تصدق لنا نحن أيضًا. ولا نزال نسمع حتى في هذه الأيام أيّ آيات مجيدة من قوّتك أنت لا تزال تعطيها للذين يتّكلون عليك اتّكالًا تامًّا، يا رب! وهؤلاء جميعًا أناس تحت الآلام مثلنا، لا يفضلوننا في شيء؛ فعلّمنا نحن أيضًا أن نصلّي هكذا.

إنّ المواعيد لنا نحن، وقوى العالم السماويّ ومواهبه لنا نحن. فعلّمنا أن نصلّي حتى ننال بغنًى. وإيّانا نحن أيضًا قد ائتمنت على عملك، وبصلاتنا نحن أيضًا يتعلّق مجيء ملكوتك، وبصلاتنا نحن أيضًا يتعلّق تمجيد اسمك؛ «يا رب، علّمنا أن نصلّي». نعم، نحن يا رب؛ ها نحن نقدّم أنفسنا متعلّمين في مدرستك؛ وإننا نشتهي حقًّا أن نتعلّم منك أنت. «يا رب، علّمنا أن نصلّي».

«يا رب، علّمنا أن نصلّي». نعم، إننا نشعر الآن بالحاجة إلى أن نُعلَّم كيف نصلّي. ففي البدء لا يبدو عمل من الأعمال أبسط من الصلاة؛ ثم لا يبدو فيما بعد عمل من الأعمال أعسر منها؛ وينتزع منّا هذا الاعتراف انتزاعًا: لسنا نعلم ما نصلّي لأجله كما ينبغي. حقًّا إنّ عندنا كلمة الله بمواعيدها الواضحة الأكيدة؛ ولكنّ الخطية قد أظلمت أذهاننا حتى صرنا لا نعرف دائمًا كيف نطبّق تلك الكلمة. وفي الأمور الروحيّة لا نطلب دائمًا ألزم الأشياء وأشدّها ضرورة لنا، أو نخفق في أن نصلّي بحسب شريعة القدس.

وفي الأمور الزمنية نحن أعجز من ذلك عن أن ننتفع بتلك الحرّية العجيبة التي أعطانا إيّاها أبونا لنطلب ما نحتاج إليه. بل حتى حين نعرف ماذا نطلب، كم يبقى علينا مما نحتاج إليه لتكون صلاتنا مقبولة!

فلا بدّ أن تكون لمجد الله، في تسليم تامّ لمشيئته، وفي يقين إيمان تامّ، وباسم يسوع، وبمواظبة تأبى — إن اقتضى الأمر — أن تُردّ خائبة. وهذا كله لا بدّ أن يُتعلَّم. ولا سبيل إلى تعلّمه إلا في مدرسة الصلاة الكثيرة، فإنّ الممارسة وحدها هي التي تُتقن العمل وتبلغ به الكمال. وفي وسط ذلك الوعي المؤلم بالجهل وعدم الاستحقاق، وفي وسط ذلك الصراع بين الإيمان والشكّ، يُتعلَّم ذلك الفنّ السماويّ، فنّ الصلاة الفعّالة. ذلك أنه، حتى حين لا نذكر نحن ذلك، ثمّة واحد، هو رئيس الإيمان والصلاة ومكمّلهما، يسهر على صلاتنا، ويتولّى بنفسه أن يمضي بتعليم كل من يتّكل عليه في ذلك، في مدرسة الصلاة، إلى الكمال. فلتكن النغمة العميقة الخفيّة السارية في صلاتنا كلها تلك القابليّةَ للتعلُّم التي تنشأ من الشعور بالجهل ومن الإيمان به هو معلّمًا كاملًا لا نقص فيه، وحينئذ نتيقّن كل اليقين أننا سنُعلَّم، وأننا سنتعلّم أن نصلّي بقوّة. نعم، لنا أن نعتمد على هذا: إنه هو يعلّمنا أن نصلّي.

«يا رب، علّمنا أن نصلّي». ليس أحد يقدر أن يعلّم كما يعلّم يسوع، ليس أحد سوى يسوع؛ ولذلك ندعوه نحن: «يا رب، علّمنا أن نصلّي». إنّ التلميذ يحتاج إلى معلّم يعرف عمله حقّ المعرفة، معلّم له موهبة التعليم، ينزل بالصبر وبالمحبة إلى حاجات تلميذه ويتنزّل إلى مقداره. فتبارك الله! فإنّ يسوع هو هذا كله وأكثر منه كثيرًا. هو يعرف ما هي الصلاة. فيسوع، وهو نفسه يصلّي، هو الذي يعلّمنا أن نصلّي. هو يعرف ما هي الصلاة، فقد تعلّمها في وسط تجارب حياته على الأرض ودموعها. ولا تزال هي في السماء عمله الحبيب إليه: ففي حياته صلاة. وما من شيء يفرّحه أكثر من أن يجد أناسًا يقدر أن يأخذهم معه إلى حضرة الآب، وأن يلبسهم قوّةً ليُنزلوا بالصلاة بركة الله على من حولهم، وأن يدرّبهم ليكونوا معه عاملين في تلك الشفاعة التي بها يُعلَن الملكوت على الأرض. وهو يعرف كيف يعلّم: فتارةً بإلحاح الحاجة التي نحسّ بها إحساسًا، وتارةً بتلك الثقة التي يوحي بها الفرح؛ وههنا بتعليم الكلمة، وهناك بشهادة مؤمن آخر يعرف ما معنى أن تُستجاب صلاته.

وله بروحه القدوس سبيل إلى قلوبنا، فهو يعلّمنا أن نصلّي إذ يُرينا الخطية التي تعوق الصلاة، أو إذ يعطينا اليقين بأننا نُرضي الله. وهو يعلّم لا بأن يعطينا أفكارًا فيما نطلب أو كيف نطلب فحسب، بل بأن ينفخ في داخلنا روح الصلاة عينه، وبأن يحيا فينا بوصفه الشفيع الأعظم. فحقًّا نستطيع أن نقول، وبأعظم ما يكون من الفرح: «من يعلّم مثله؟» إنّ يسوع لم يعلّم تلاميذه قطّ كيف يكرزون، بل علّمهم كيف يصلّون فقط. ولم يتكلّم كثيرًا عمّا يلزم لحسن الكرازة، لكنه تكلّم كثيرًا عن حسن الصلاة. فأن يعرف الإنسان كيف يكلّم الله أعظم من أن يعرف كيف يكلّم الناس. فليست القدرة مع الناس، بل القدرة مع الله، هي الأمر الأول. ويسوع يحبّ أن يعلّمنا كيف نصلّي.

فما رأيكم، أيها الأحبّاء رفقائي في التلمذة؟ أفلا يكون هذا بعينه ما نحتاج إليه: أن نسأل المعلّم شهرًا واحدًا من الزمان يعطينا فيه منهجًا من الدروس الخاصة في فنّ الصلاة؟ فإذ نتأمّل في الكلمات التي نطق بها على الأرض، لنُسلم أنفسنا لتعليمه في أتمّ ثقة بأننا، ولنا معلّم كهذا، سنتقدّم. ولنأخذ من الوقت ما يكفي، لا للتأمّل فحسب، بل للصلاة أيضًا، وللمكث عند قدم العرش، وللتدرّب على عمل الشفاعة. ولنفعل ذلك ونحن على يقين أنه، في وسط لجلجتنا ومخاوفنا كلها، ماضٍ في عمله على أجمل ما يكون وأبهاه. فهو سينفخ فينا حياته هو، تلك الحياة التي هي صلاة كلها. وكما يجعلنا شركاء في برّه وفي حياته، هكذا يجعلنا شركاء في شفاعته أيضًا. وبوصفنا أعضاء جسده، وكهنوتًا مقدّسًا، سيكون لنا نصيب في عمله الكهنوتيّ، عملِ المرافعة والغلبة مع الله لأجل الناس. نعم، فلنقل بأعظم الفرح، على ما نحن عليه من جهل وضعف: «يا رب، علّمنا أن نصلّي».

أيها الرب المبارك! أنت تحبّ أن تجعلني شريكًا لك في مجدك الذي في السماء، حتى أصلّي بلا انقطاع، وأقف على الدوام كاهنًا في حضرة إلهي. أيها الرب يسوع! إني أسألك في هذا اليوم أن تقيّد اسمي بين الذين يعترفون أنهم لا يعرفون أن يصلّوا كما ينبغي، والذين يسألونك على وجه الخصوص منهجًا من التعليم في الصلاة. يا رب، علّمني أن أمكث معك في المدرسة، وأن أعطيك من الوقت ما تدرّبني فيه. وليقدني شعور عميق بجهلي، وبامتياز الصلاة العجيب وقوّتها العظيمة، وبالحاجة إلى الروح القدس بوصفه روح الصلاة، إلى أن أطرح عنّي كل أفكاري عمّا أظنّ أني أعرفه، وليجعلني أجثو أمامك في قابليّة حقيقية للتعلُّم وفي مسكنة الروح.

املأني يا رب بالثقة بأني، ولي معلّم مثلك أنت، سأتعلّم أن أصلّي. وإذ أنا موقن أنّ لي معلّمًا هو يسوع نفسه، ذاك الذي لا يزال قائمًا يصلّي إلى الآب، والذي بصلاته يدبّر مصائر كنيسته ومصائر العالم، فلن يدخل الخوف إلى قلبي. فبمقدار ما أحتاج أن أعرفه من أسرار عالم الصلاة، ستكشفه أنت لي وتفتحه أمامي. وحين لا يكون لي أن أعرف، ستعلّمني أن أتقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا لله. أيها الرب المبارك! إنك لن تُخزي تلميذك الذي جعل ثقته كلها فيك، ولن تشاء أنت ذلك أبدًا، بل نعمتك تأبى عليك أن تشاءه. آمين.

صفحة 1 / 6 · 8 دقيقة متبقية في الفصل