فصل 11 · قراءة 6 د

التواضع والسعادة

«فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِٱلْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ ٱلْمَسِيحِ.

لِذَلِكَ أُسَرُّ بِٱلضَّعَفَاتِ وَٱلشَّتَائِمِ وَٱلضَّرُورَاتِ وَٱلِٱضْطِهَادَاتِ وَٱلضِّيقَاتِ لِأَجْلِ ٱلْمَسِيحِ. لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.» ٢ كورنثوس ١٢: ٩، ١٠.

لئلا يرتفع بولس بفرط الإعلانات، أُعطي شوكةً في الجسد تحفظه متواضعًا. وكانت رغبته الأولى أن تُنزع عنه، فتضرّع إلى الرب ثلاث مرات أن تفارقه. فجاءه الجواب أن التجربة نفسها بركة، وأن نعمة الرب وقوته تظهران أجلى ما يكون في الضعف والاتضاع اللذين تجلبهما. فدخل بولس للحال في مرحلة جديدة من علاقته بالتجربة: فبدل أن يحتملها احتمالًا مجرّدًا، صار يفتخر بها بكل سرور؛ وبدل أن يطلب الخلاص منها، صار يُسرّ بها.

لقد تعلّم أن موضع الاتضاع هو موضع البركة والقوة والفرح. وكل مسيحي يمرّ عمليًّا بهاتين المرحلتين في سعيه إلى التواضع. ففي الأولى يخاف ويهرب ويطلب النجاة من كل ما يمكن أن يضعه. فهو لم يتعلّم بعدُ أن يطلب التواضع مهما كلّفه الثمن. قد قبل الوصية بأن يكون متواضعًا، وهو يسعى إلى إطاعتها، غير أنه لا يجد إلا كم يفشل فشلًا تامًّا. إنه يصلّي طالبًا التواضع، وأحيانًا بحرارة شديدة، لكنه في خفيّ قلبه يصلّي أكثر — إن لم يكن بالكلام فبالرغبة — أن يُحفظ من الأمور عينها التي تجعله متواضعًا.

إنه لم يقع بعدُ في حبّ التواضع، بوصفه جمال حمل الله وفرح السماء، حبًّا يبيع لأجله كل شيء ليقتنيه. ولا يزال في سعيه إليه وفي صلاته لأجله شيء من الشعور بالثِّقل والعبودية؛ فاتّضاعُه لنفسه لم يصر بعدُ التعبير التلقائي عن حياة وطبيعة متواضعة في جوهرها. لم يصر بعدُ فرحه ولذّته الوحيدة. ولا يستطيع بعدُ أن يقول: «فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِٱلْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، وأُسرّ بكل ما يضعني.» فهل لنا أن نرجو بلوغ المرحلة التي يصير فيها هذا حالنا؟ بلا شكّ.

وما الذي يبلغ بنا إلى هناك؟ هو عينه الذي بلغ ببولس إلى هناك: إعلان جديد للرب يسوع. فلا شيء سوى حضور الله يكشف الذات ويطردها. وكان لا بد أن يُعطى بولس بصيرةً أوضح في ذلك الحق العميق: أن حضور يسوع يطرد كل رغبة في طلب شيء في أنفسنا، ويجعلنا نتلذّذ بكل اتضاع يهيّئنا لإعلانه الأكمل. هكذا تقودنا اتضاعاتنا، في اختبار حضور يسوع وقوته، إلى أن نختار التواضع أعظمَ بركاتنا.

فلنجتهد أن نتعلّم الدروس التي تعلّمنا إيّاها قصة بولس. قد يوجد بيننا مؤمنون متقدّمون، ومعلّمون بارزون، ورجال ذوو اختبارات سماوية، لم يتعلّموا بعدُ تمامًا درسَ التواضع الكامل، ولا كيف يفتخرون بالضعف بكل سرور. ونحن نرى هذا في بولس: فقد كان خطر ارتفاعه على نفسه قد اقترب جدًّا. ولم يكن قد عرف بعدُ معرفةً تامّةً ما معنى أن يكون لا شيء، وأن يموت لكي يحيا المسيح وحده فيه، وأن يُسرّ بكل ما يضعه. ويبدو أن هذا كان أسمى درس كان عليه أن يتعلّمه: التشبّهَ الكاملَ بربّه في ذلك الإخلاء للذات، حيث افتخر بالضعف لكي يكون الله هو الكل.

إن أسمى درس على المؤمن أن يتعلّمه هو التواضع؛ فليحفظ هذا جيدًا كلُّ مسيحي يطلب التقدّم في القداسة! فقد يوجد تكريس شديد، وغيرة متّقدة، واختبار سماوي، ومع ذلك — إن لم يمنعه الرب بمعاملات خاصة جدًّا — قد يرافق ذلك كلَّه ارتفاعٌ للذات لا يشعر به صاحبه.

فلنتعلّم هذا الدرس: أن أعلى قداسة هي أعمق تواضع، ولنذكر أنه لا يأتي من تلقاء نفسه، بل متى صار موضوعَ معاملة خاصة من ربّنا الأمين ومن عبده الأمين. ولننظر إلى حياتنا في ضوء هذا الاختبار، ولنرَ هل نفتخر بالضعف بكل سرور، وهل نُسرّ، كما فعل بولس، بالشتائم والضرورات وأوقات الضيق.

نعم، لنسأل أنفسنا: هل تعلّمنا أن ننظر إلى التوبيخ — عادلًا كان أم غير عادل — وإلى التعيير من صديق أو عدوّ، وإلى الإساءة أو المتاعب أو المصاعب التي يوقعنا فيها الآخرون، على أنها قبل كل شيء فرصة لنبرهن أن يسوع هو الكل لنا، وأن لذّتنا الخاصة أو كرامتنا ليست شيئًا، وأن الاتضاع هو حقًّا ما نُسرّ به؟ إنه لأمر مبارك، بل هو سعادة السماء العميقة، أن نتحرّر من الذات إلى هذا الحدّ، حتى يضيع كل ما يُقال عنّا أو يُصنع بنا ويُبتلَع في فكر واحد: أن يسوع هو الكل.

فلنثق بذاك الذي تكفّل ببولس أن يتكفّل بنا نحن أيضًا. لقد احتاج بولس إلى تأديب خاص، ومعه تعليم خاص، ليتعلّم ما هو أثمن حتى من الكلمات التي لا يُنطق بها والتي سمعها في السماء: أن يفتخر بالضعف والاتّضاع. ونحن أيضًا نحتاج إلى ذلك، وما أشدّ حاجتنا إليه!

فذاك الذي اعتنى به سيعتني بنا نحن أيضًا. إنه يسهر علينا بعناية غيورة محبّة، لئلا نرتفع على أنفسنا. ومتى فعلنا ذلك، سعى أن يكشف لنا الشرّ وينقذنا منه.

وفي التجربة والضعف والضيق، يسعى أن يضعنا حتى نتعلّم أن نعمته هي الكل، فنُسرّ بالشيء عينه الذي يضعنا ويبقينا في الاتضاع. وهكذا تصير قوّته التي تُكمَّل في ضعفنا، وحضوره الذي يملأ فراغنا ويُشبعه، سرَّ تواضعٍ لا يمكن أن يخيب أبدًا. وبه يستطيع المؤمن، كما استطاع بولس، وهو يرى تمامًا ما يعمله الله فيه وبه، أن يقول دائمًا: «لَمْ أَنْقُصْ شَيْئًا عَنْ فَائِقِي ٱلرُّسُلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ شَيْئًا.» ٢ كورنثوس ١٢: ١١.

لقد قادته اتضاعاته إلى التواضع الحقيقي، بما فيه من فرح عجيب وافتخار بكل ما يضع.

«فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِٱلْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ ٱلْمَسِيحِ.

لِذَلِكَ أُسَرُّ بِٱلضَّعَفَاتِ وَٱلشَّتَائِمِ وَٱلضَّرُورَاتِ وَٱلِٱضْطِهَادَاتِ وَٱلضِّيقَاتِ لِأَجْلِ ٱلْمَسِيحِ. لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.»٢ كورنثوس ١٢: ٩-١٠. إن المتواضع قد تعلّم سرّ الفرح الثابت. فكلما ازداد إحساسه بضعفه، ازداد نزولًا إلى المكان الوضيع؛ وكلما بدت اتضاعاته أعظم، صارت قوة المسيح وحضوره نصيبه أوفر، حتى إنه حين يقول: «لَسْتُ شَيْئًا»، تأتيه كلمة ربّه بفرح أعمق فأعمق. ٢ كورنثوس ١٢: ٩: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي.» وأشعر كأنه لا بدّ لي أن أجمع الكلّ مرة أخرى في الدرسين: أن خطر الكبرياء أعظم وأقرب مما نظن، وأن النعمة للتواضع كذلك أعظم وأقرب مما نظن. إن خطر الكبرياء أعظم وأقرب مما نظن، ولا سيّما في أوقات اختباراتنا العليا.

فالواعظ بالحق الروحي وجماعةٌ معجَبة معلَّقة بشفتيه، والمتكلّم الموهوب على منبر القداسة يشرح أسرار الحياة السماوية، والمسيحي الذي يشهد لاختبار مبارك، والمبشّر الذي يمضي كما في موكب ظفر وقد جُعل بركة لجموع مبتهجة — ما من أحد يعرف الخطر الخفيّ الذي لا يُشعر به، والذي يتعرّض له هؤلاء. لقد كان بولس في خطر وهو لا يدري؛ وما صنعه يسوع لأجله قد كُتب لإنذارنا، لكي نعرف خطرنا ونعرف أماننا الوحيد.

وإن كان قد قيل يومًا عن معلّم للقداسة أو مجاهر بها: إنه ممتلئ من ذاته، أو إنه لا يعمل بما يعظ به، أو إن بركته لم تجعله أكثر تواضعًا وأكثر وداعة — فليكن ذلك آخر ما يُقال. إن يسوع الذي به نثق قادر أن يجعلنا متواضعين. نعم، إن النعمة للتواضع هي أيضًا أعظم وأقرب مما نظن. إن تواضع يسوع هو خلاصنا. ويسوع نفسه هو تواضعنا.

فتواضعنا هو همّه وعمله. ونعمته تكفينا، لمواجهة تجربة الكبرياء أيضًا. وقوّته تُكمَّل في ضعفنا. فلنختر أن نكون ضعفاء، وأن نكون في المكان الوضيع، وألّا نكون شيئًا.

ليكن التواضع لنا فرحًا وابتهاجًا. فلنفتخر بكل سرور ولنُسرّ بالضعف، وبكل ما يضعنا ويبقينا في الاتضاع، لكي تحلّ علينا قوة المسيح. لقد وَضَعَ ٱلْمَسِيحُ نَفْسَهُ، لِذَلِكَ رَفَّعَهُ ٱللهُ. وهو سيضعنا ويحفظنا متواضعين. فلنرضَ بذلك من كل القلب، ولنقبل بثقة وفرح كل ما يضعنا، فتحلّ علينا قوة المسيح.

وسنجد أن أعمق تواضع هو سرّ أصدق سعادة، سرّ فرحٍ لا يقدر شيء أن يهدمه.

صفحة 1 / 4 · 6 دقيقة متبقية في الفصل