فصل 1 · قراءة 6 د

مجد المخلوق

«أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ ٱلْمَجْدَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْقُدْرَةَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ.» رؤيا 4: 11.

لمَّا خلَق اللهُ الكونَ، كان قصدُه الأوحدُ أن يجعلَ المخلوقَ شريكًا في كماله وغبطته، فيُظهرَ فيه مجدَ محبّته وحكمته وقدرته. أراد اللهُ أن يُعلنَ ذاتَه في الخلائق وبواسطتها، إذ يمنحُها من صلاحه ومجده بمقدار ما تقدر أن تقبل. غير أنّ هذا المنحَ لم يكن إعطاءَ المخلوق شيئًا يملكه في ذاته، حياةً أو صلاحًا يكون له عليه سلطانٌ وتصرُّف. كلَّا البتّة. فلأنّ اللهَ هو الحيُّ دائمًا، الحاضرُ دائمًا، العاملُ دائمًا، الحاملُ كلَّ الأشياء بكلمة قدرته، والذي به قِوامُ كلِّ شيء، فإنّ علاقةَ المخلوق بالله لا يمكن أن تكون إلَّا اتّكالًا لا ينقطع، مطلقًا وشاملًا. وكما أنّ اللهَ خلَق بقدرته مرّةً، كذلك بتلك القدرة عينِها يجب أن يحفظَ في كلِّ لحظة.

وليس على المخلوق أن ينظرَ إلى الوراء، إلى أصلِ وجوده ومبدئه الأوّل، فيُقِرَّ بأنّه هناك مَدينٌ لله بكلِّ شيء — وهذا شغلُه الأعظم، وفضيلتُه العليا، وسعادتُه الوحيدة، الآن وإلى أبد الآبدين — فحسب، بل عليه أيضًا أن يُقدِّمَ نفسَه إناءً فارغًا يسكن اللهُ فيه ويُظهر قدرتَه وصلاحَه.

والحياةُ التي يهبها اللهُ لا تُمنَح مرّةً واحدةً إلى الأبد، بل تُفاض كلَّ لحظةٍ بلا انقطاع، بعملِ قدرته العظيمة الذي لا يفتُر. فالتواضعُ، أي موضعُ الاتّكال الكامل على الله، هو بحسب طبيعة الأشياء ذاتها أوّلُ واجبات المخلوق وأسمى فضائله، وأصلُ كلِّ فضيلة.

وهكذا فإنّ الكبرياء، أي فقدانَ هذا التواضع، هي أصلُ كلِّ خطيّةٍ وشرّ. فحين ابتدأت الملائكةُ الساقطةُ الآن تنظر إلى ذواتها بالرضى عن النفس، انقادت إلى المعصية، وطُرِحت من نور السماء إلى الظلمة الخارجيّة. وكذلك حين نفثت الحيّةُ سُمَّ كبريائها، أي الرغبةَ في أن يصير الإنسانُ كالله، في قلبَي أبوَينا الأوّلَين، سقطا هما أيضًا من رفعة مقامهما إلى كلِّ هذا الشقاء الذي غرق فيه الإنسانُ اليوم. ففي السماء وعلى الأرض، الكبرياءُ وتعظيمُ الذات هما بابُ الجحيم ومولدُه ولعنتُه.

لا شيءَ يكون فداءً لنا إلَّا استردادُ التواضع المفقود، تلك العلاقةِ الأصليّةِ الوحيدةِ الصادقةِ بين المخلوق وإلهه. ولذلك جاء يسوعُ ليُعيد التواضعَ إلى الأرض، وليجعلَنا شركاءَ فيه، وليُخلِّصَنا به. في السماء وضَع نفسَه ليصيرَ إنسانًا. والتواضعُ الذي نراه فيه كان يملكُه في السماء؛ هو الذي أتى به إلى هنا، وهو أتى به من هناك. وهنا على الأرض «وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ» (فيلبّي 2: 8)؛ فتواضعُه هو الذي أعطى موتَه قيمتَه، فصار بذلك فداءَنا. والخلاصُ الذي يمنحه الآن ليس أقلَّ ولا سوى إفاضةِ حياته وموته، ومزاجه وروحه، وتواضعه هو، بوصف ذلك أساسَ علاقته بالله وعمله الفدائيّ وأصلَهما.

لقد أخذ يسوعُ المسيحُ مكانَ الإنسان وأتمَّ غايتَه، بوصفه مخلوقًا، بحياة تواضعه الكامل. فتواضعُه هو خلاصُنا، وخلاصُه هو تواضعُنا. ولا بدّ أن تحمل حياةُ المُخلَّصين وحياةُ القدّيسين هذا الطابع: الخلاصَ من الخطيّة والردَّ الكاملَ إلى حالتهم الأولى؛ وأن تكون علاقتُهم كلُّها بالله وبالناس موسومةً بتواضعٍ يتخلّل كلَّ شيء. وبدون هذا لا يكون ثباتٌ حقيقيٌّ في حضرة الله، ولا اختبارٌ لرضاه وقوّةِ روحه، بل بالحريّ غيابُ الإيمان الثابت والمحبّة والفرح والقوّة.

التواضعُ هو التربةُ الوحيدةُ التي تتأصّل فيها النِّعَم. ولذلك فإنّ انعدامَ التواضع تفسيرٌ كافٍ لكلِّ نقصٍ وإخفاق. وليس التواضعُ نعمةً أو فضيلةً إلى جانب سائر الفضائل بقدر ما هو أصلُها جميعًا، لأنّه وحده الموقفُ الصحيحُ أمام الله، وهو الذي يدَع اللهَ يعمل كلَّ شيءٍ بوصفه الله. وقد جبَلَنا اللهُ كائناتٍ عاقلةً بحيث إنّه كلّما كانت بصيرتُنا أصدقَ في حقيقة الوصيّة أو في ضرورتها المطلقة، كانت طاعتُنا لها أسرعَ وأتمّ. وقد أُهمِلت الدعوةُ إلى التواضع في الكنيسة، فلم تنل من الالتفات إلَّا القليل، لأنّ طبيعتها الحقيقيّة وأهميّتها لم تُدرَكا إلَّا قليلًا.

وليس التواضعُ شيئًا نأتي به إلى الله أو يهبه هو لنا؛ إنّما هو ببساطةٍ الشعورُ بالعدم التامّ، ذاك الذي يأتي حين نرى كم هو حقٌّ أنّ اللهَ هو الكلّ، والذي به نُفسِح المجالَ لله أن يكون الكلّ. وحين يُدرِك المخلوقُ أنّ هذا هو النبلُ الحقيقيّ ويرضى أن يكون كذلك، تصير إرادتُه وعقلُه وعواطفُه الإناءَ الذي فيه تعمل حياةُ الله ومجدُه ويُظهران ذاتَيهما. فهو يرى التواضعَ مجرّدَ إقرارٍ بحقيقة موقعه كمخلوق، وتسليمٍ لله.

وفي حياة المسيحيّين الجادّين، أولئك الذين يسعَون في القداسة ويجاهرون بها، ينبغي أن يكون التواضعُ العلامةَ الكبرى على استقامتهم. وكثيرًا ما يُقال إنّ الأمر ليس كذلك. أفلا يكون أحدُ الأسباب أنّ التواضعَ لم ينَل قطّ، في تعليم الكنيسة وقدوتها، ذلك الموضعَ الأسمى الذي يخصّه؟ وأنّ هذا بدوره راجعٌ إلى إهمال هذه الحقيقة: أنّ الخطيّة وإن كانت دافعًا قويًّا إلى التواضع، فثمّة دافعٌ آخرُ أوسعُ منها وأعظمُ تأثيرًا، هو الذي يجعل الملائكةَ متواضعين، وهو الذي جعل يسوعَ متواضعًا، وهو الذي يجعل أقدسَ القدّيسين في السماء بهذا الاتّضاع.

إنّ العلامةَ الأولى والكبرى على علاقة المخلوق بالله، وسرَّ غبطته، هي التواضعُ والعدمُ اللذان يتركان اللهَ حرًّا ليكون هو الكلّ. وإنّي لواثقٌ أنّ كثيرين من المسيحيّين سيعترفون بأنّ اختبارَهم كان شبيهًا جدًّا باختباري في هذا: أنّنا عرفنا الربَّ زمانًا طويلًا دون أن ندرك أنّ الوداعةَ وتواضعَ القلب ينبغي أن تكونا السمةَ المميِّزةَ للتلميذ كما كانتا للمعلّم. وأكثرُ من ذلك، أنّ هذا التواضعَ ليس أمرًا يأتي من تلقاء نفسه، بل لا بدّ أن يُجعَل موضوعَ شوقٍ خاصّ وصلاةٍ وإيمانٍ وممارسة.

وإذ ندرس الكلمة، سنرى ما أعطاه يسوعُ لتلاميذه من تعاليمَ واضحةٍ جدًّا ومتكرّرةٍ في هذا الأمر، وكم كانوا بطيئين في فهمه. فلنُقِرَّ، منذ مستهلّ تأمّلاتنا، بأنّه ليس شيءٌ أشدَّ طبيعيّةً في الإنسان، ولا أشدَّ مكرًا واستتارًا عن أعيننا، ولا أصعبَ وأخطرَ من الكبرياء.

ولنشعُر أنّه لا شيءَ سوى العزيمة والمثابرة، ونحن ننتظر اللهَ والمسيح، يكشف لنا كم نحن مُعوِزون إلى نعمة التواضع، وكم نحن عاجزون عن نيل ما نطلب.

ولندرُس شخصيّةَ المسيح حتى تمتلئ نفوسُنا محبّةً لاتّضاعه وإعجابًا به. ولنؤمن أنّنا متى انسحقنا تحت شعورنا بكبريائنا وبعجزنا عن طرحها عنّا، فإنّ يسوعَ المسيحَ نفسَه سيأتي ليمنحنا هذه النعمةَ أيضًا، جزءًا من حياته العجيبة فينا.

حاشية أ — كلُّ هذا إنّما هو لكي يُعلَن في أرجاء الأبديّة أنّ الكبرياءَ قادرةٌ أن تحطَّ أعلى الملائكة إلى شياطين، وأنّ التواضعَ قادرٌ أن يرفع اللحمَ والدمَ الساقطَين إلى عروش الملائكة. وهكذا فإنّ هذه هي الغايةُ العظمى من إقامة الله خليقةً جديدةً من مملكة ملائكةٍ ساقطة. ولهذه الغاية تقف هذه الخليقةُ في حال حربها بين نار الملائكة الساقطة وكبريائها، وبين تواضع حمَل الله، حتى يُذيع البوقُ الأخيرُ الحقيقةَ العظمى في أعماق الأبديّة: أنّ الشرَّ لا بدءَ له إلَّا من الكبرياء، ولا نهايةَ له إلَّا بالتواضع.

والحقيقةُ هي هذه: إمّا أن تموت الكبرياءُ فيك، وإمّا فلا شيءَ من السماء يقدر أن يحيا فيك. فتحت راية هذه الحقيقة سلِّم نفسَك لروح يسوعَ القدّوس الوديع المتواضع. لا بدّ للتواضع أن يزرع زرعًا، وإلَّا فلا حصادَ في السماء. لا تنظُر إلى الكبرياء على أنّها مجرّدُ مزاجٍ غيرِ لائق، ولا إلى التواضع على أنّه مجرّدُ فضيلةٍ حسنة: فإنّ الواحدَ موتٌ والآخرَ حياة، الواحدَ جحيمٌ كلُّه والآخرَ سماءٌ كلُّها. فبمقدار ما فيك من كبرياء، بمقدار ذلك يحيا فيك من الملائكة الساقطة؛ وبمقدار ما فيك من تواضعٍ حقيقيّ، بمقدار ذلك يكون حمَلُ الله فيك.

لو أمكنك أن ترى ما تفعله كلُّ حركة كبرياءٍ بنفسك، لتوسّلت إلى كلِّ ما تلقاه أن ينزع عنك هذه الأفعى، ولو كلّفك ذلك يدًا أو عينًا. ولو أمكنك أن ترى ما في التواضع من قوّةٍ عذبةٍ إلهيّةٍ مغيِّرة، وكيف يطرد سُمَّ طبيعتك ويُفسِح مكانًا لروح الله أن يسكن فيك، لتمنّيت أن تكون موطئَ أقدام العالم كلِّه على أن تُعوِزك أدنى درجةٍ منه.» — Spirit of Prayer, Pt.II, p.73, Edition of Moreton, Canterbury, 1893.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل