مقدّسون في المسيح
القداسة والمجد

فصل 7 · قراءة 7 د · استماع 10 د

القداسة والمجد

«مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ ٱلْآلِهَةِ يَا رَبُّ؟

مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ،

مَخُوفًا بِٱلتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟

تُرْشِدُ بِرَأْفَتِكَ ٱلشَّعْبَ ٱلَّذِي فَدَيْتَهُ.

تَهْدِيهِ بِقُوَّتِكَ إِلَى مَسْكَنِ قُدْسِكَ …

لِسَكَنِكَ ٱلْمَقْدِسِ ٱلَّذِي هَيَّأَتْهُ يَدَاكَ يَا رَبُّ».

(خروج 15:11-17).

في هذه الكلمات نجد خطوة أخرى إلى الأمام في إعلان القداسة. فهنا، للمرّة الأولى، تُنسَب القداسة إلى الله نفسه. إنّه مُعتزّ في القداسة: وإلى مسكن قدسه يقود شعبه.

لنلاحظ أوّلًا التعبير المستعمل هنا: «مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ». ففي الكتاب المقدّس كلّه نجد مجد الله وقداسته مذكورَين معًا. ففي خروج 29:43 نقرأ عن خيمة الاجتماع: «فَيُقَدَّسُ بِمَجْدِي»، ذلك مجد الرب الذي نقرأ عنه بعد ذلك أنّه ملأ البيت. ومجد أيّ شيء أو شخص هو قيمته أو فضله الذاتيّ: والتمجيد هو إزالة كلّ ما يمكن أن يعوق الإعلان الكامل لذلك الفضل. ففي قداسة الله يختفي مجده؛ وفي مجد الله تظهر قداسته: فمجده، أي إعلانه لنفسه بوصفه القدّوس، هو الذي سيجعل البيت مقدَّسًا. وعلى النحو نفسه ترتبط الاثنتان في لاويين 10:3: «فِي ٱلْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ ٱلشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ». فالاعتراف بقداسته في الكهنة سيكون إظهارًا لمجده أمام الشعب. وكذلك في نشيد السرافيم (إشعياء 6:3): «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ ٱلْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ ٱلْأَرْضِ». إنّ الله هو الساكن في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه: وهو يُشرق في قلوبنا لـإنارة معرفة مجد الله. فالمجد هو ما يمكن أن يُرى ويُعرف من النور غير المنظور الذي لا يُدنى منه: أمّا ذلك النور عينه، والنار المجيدة التي ليس النور إلّا إشراقها، فذلك النور هو قداسة الله. فالقداسة ليست صفةً من صفات الله بقدر ما هي الخلاصة الجامعة لكلّ كمالاته.

على شاطئ البحر الأحمر يسبّح إسرائيل الله هكذا: «مَنْ مِثْلُكَ … يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ»؟ إنّه الذي لا نظير له، وليس مثله أحد. وبماذا برهن على ذلك وأعلن مجد قداسته؟ مع موسى في حوريب رأينا مجد الله في النار، بوجهيها: الخلاص والهلاك، إذ تُفني ما لا يمكن تطهيره، وتطهّر ما لم يَفنَ. ونراه هنا أيضًا في ترنيمة موسى: فإسرائيل يرنّم بالقضاء وبالرحمة. فعمود النار والسحاب دخل بين عسكر المصريّين وعسكر إسرائيل: فكان سحابًا وظلامًا لأولئك، وأضاء الليل لهؤلاء. والفكرتان تسريان في الترنيمة كلّها. لكنّنا نجد خلاصة الكلّ في الآيتين اللتين تليان نسبة القداسة إلى الله: «تَمُدُّ يَمِينَكَ فَتَبْتَلِعُهُمُ ٱلْأَرْضُ». «ٱلرَّبَّ أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ ٱلْمِصْرِيِّينَ فِي عَمُودِ ٱلنَّارِ … وَأَزْعَجَ عَسْكَرَ ٱلْمِصْرِيِّينَ». هذا هو مجد القداسة قضاءً على العدوّ وإهلاكًا له. «تُرْشِدُ بِرَأْفَتِكَ ٱلشَّعْبَ ٱلَّذِي فَدَيْتَهُ. تَهْدِيهِ بِقُوَّتِكَ إِلَى مَسْكَنِ قُدْسِكَ». وهذا هو مجد القداسة رحمةً وفداءً: قداسة لا تنجّي فحسب، بل تقود أيضًا إلى مسكن القداسة، حيث سيسكن القدّوس مع شعبه وفيه. ففي وحي ساعة الانتصار يُعلَن هكذا منذ البداية أنّ الغاية العظمى للفداء وثمرته، كما يتمّمه القدّوس، هي سكناه في شعبه: ولا شيء أقلّ من هذا يمكن أن يُرضي القدّوس، أو أن يُظهر مجد قداسته الكامل.

ثمّ لاحظ أيضًا كيف أنّه، كما أنّ قداسة الله تُعلَن في فداء شعبه، كذلك نجد في ترنيمة الفداء نسبةَ القداسة إلى الله شخصيًّا. ونحن نعلم كيف أنّه في الكتاب المقدّس، بعد تدخّل خاصّ لافت من الله بوصفه الفادي، يظهر تأثير الروح الخاصّ في ترنيمة تسبيح. ومن اللافت أنّه في فيضانات الحماسة المقدّسة هذه يُسبَّح الله بوصفه القدّوس. انظر ذلك في ترنيمة حنّة (صموئيل الأول 2:2): «لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ ٱلرَّبِّ». ولغة السرافيم (إشعياء 6) هي لغة ترنيمة سجود. وفي يوم خلاص إسرائيل العظيم ستكون الترنيمة: «يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي … رَنِّمُوا لِلرَّبِّ لِأَنَّهُ قَدْ صَنَعَ مُفْتَخَرًا … صَوِّتِي وَٱهْتِفِي يَا سَاكِنَةَ صِهْيَوْنَ، لِأَنَّ قُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ عَظِيمٌ فِي وَسَطِكِ». وترنّم مريم: «لِأَنَّ ٱلْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَٱسْمُهُ قُدُّوسٌ». ويُرينا سفر الرؤيا الحيوانات معطيةً مجدًا وكرامةً وشكرًا للجالس على العرش؛ «وَلَا تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلًا قَائِلَةً: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي كَانَ وَٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي يَأْتِي». وحين تُرنَّم ترنيمة موسى والخروف عند بحر الزجاج، ستظلّ: «مَنْ لَا يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ ٱسْمَكَ؟ لِأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ». ففي لحظات أسمى الوحي، وتحت أكمل إظهار لقدرة الله الفادية، يتكلّم عبيده عن قداسته. وفي مزمور 97 نقرأ: «ٱفْرَحُوا أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُونَ بِٱلرَّبِّ، وَٱحْمَدُوا ذِكْرَ قُدْسِهِ». وفي مزمور 99، الذي سُمّي، بتكراره كلمة «قدّوس» ثلاث مرّات، صدى تقديس السماء المثلّث على الأرض، نرنّم:

يَحْمَدُونَ ٱسْمَكَ ٱلْعَظِيمَ وَٱلْمَهُوبَ، قُدُّوسٌ هُوَ.
عَلُّوا ٱلرَّبَّ إِلَهَنَا، وَٱسْجُدُوا عِنْدَ مَوْطِئِ قَدَمَيْهِ. قُدُّوسٌ هُوَ.
عَلُّوا ٱلرَّبَّ إِلَهَنَا، وَٱسْجُدُوا فِي جَبَلِ قُدْسِهِ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَنَا قُدُّوسٌ.

لا يمكن إدراك قداسة الله إدراكًا كاملًا أو السجود لها كما يليق إلّا تحت تأثير سموّ روحيّ عالٍ وفرح. والشعور الذي يليق بنا ونحن نسجد للقدّوس، والذي يؤهّلنا لمعرفته وعبادته كما ينبغي، هو روح التسبيح الذي يرنّم ويهتف فرحًا في اختبار خلاصه الكامل.

لكن أليس هذا متعارضًا مع الدرس الذي تعلّمناه عند حوريب، حين قال الله: «لَا تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. ٱخْلَعْ حِذَاءَكَ»، وحيث خاف موسى وغطّى وجهه؟ أوليس هذا حقًّا الموقف الذي يليق بنا بوصفنا مخلوقات وخطاة؟ بلى حقًّا: ومع ذلك فالشعوران غير متعارضين، بل كلّ منهما لا غنى عنه للآخر؛ فالخوف هو التهيئة للتسبيح وللمجد. أوليس موسى نفسه الذي غطّى وجهه وخاف أن ينظر إلى الله هو الذي رأى مجده بعد ذلك حتّى لمع وجهه بلمعان لم يستطع الناس أن ينظروا إليه؟ أوليست الترنيمة التي ترنّم هنا لله المعتزّ في القداسة هي أيضًا ترنيمة موسى الذي خاف وغطّى وجهه؟ ألم نرَ في النار، وفي الله، وخصوصًا في قداسته، الوجهَين: الإفناء والتطهير، الصدّ والجذب، الدينونة والخلاص، والثاني في كلّ حالة ليس مرافقًا للأوّل فحسب بل ثمرة له؟ وهكذا سنجد أنّه كلّما تعمّق الاتّضاع والخوف في حضرة الله المقدّسة، وكان خلع كلّ ما هو من الذات ومن الطبيعة أكثر حقيقةً واكتمالًا، حتّى خلع الإنسان العتيق ومشيئته والموت الكامل لهما، وكان التسليم القلبيّ لكي يُفنى كلّ ما هو خاطئ أصدق، تعمّق التسبيح والفرح وكمُلا، وهما ما نرنّم بهما كلّ يوم ترنيمة فدائنا: «مَنْ مِثْلُكَ … يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِٱلتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟»

«مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِٱلتَّسَابِيحِ»: الترنيمة نفسها توفّق بين العناصر التي تبدو متعارضة. نعم، سأرنّم بالحكم وبالرحمة. سأفرح برعدة وأنا أسبّح القدّوس. وإذ أنظر إلى وجهَي قداسته، كما أُعلنت للمصريّين وللإسرائيليّين، أتذكّر أنّ ما كان هناك منفصلًا هو فيّ متّحد. فبالطبيعة أنا المصريّ، عدوّ محكوم عليه بالهلاك؛ وبالنعمة إسرائيليّ مختار للفداء. وفيّ لا بدّ للنار أن تُفني وتُهلك؛ ولا تستطيع الرحمة أن تخلّص خلاصًا كاملًا إلّا حين تعمل الدينونة عملها. فلا يُفدى الإسرائيليّ ليعرف إلهه حقّ المعرفة بوصفه إله الخلاص ويفرح به، إلّا حين أرتعد أمام النور الفاحص والنار المحرقة والحرارة الآكلة التي للقدّوس، وأُسلم الطبيعة المصريّة لكي تُدان ويُحكم عليها وتُقتَل.

تبارك الله! لقد مضت الدينونة. ففي المسيح، العلّيقة المشتعلة، عملت نار القداسة الإلهيّة عملها المزدوج: فيه دِينت الخطيّة في الجسد؛ وفيه نحن أحرار. فبتسليمه مشيئته للموت، وبعمله مشيئة الله، قدّس المسيح ذاته؛ وبتلك المشيئة نحن أيضًا مقدَّسون. إنّ صلبه، بما فيه من دينونة للجسد، وموته، بما فيه من خلع كامل لكلّ ما هو من الطبيعة، ليسا لأجلنا فحسب، بل هما لنا حقًّا؛ حياة وقوّة تعملان فينا بروحه. يومًا فيومًا نثبت فيه. وبارتعاد ولكن بفرح نتّخذ موقفنا فيه، لكي تُنزل قوّة القداسة بوصفها دينونةً فينا نقمتها الشديدة على كلّ ما هو خطيّة وجسد، ولكي تُتمّ قوّة القداسة بوصفها فداءً ذلك العمل المجيد الذي يجعلنا نحمد ذِكر قدسه. وهكذا يدوّي هتاف الخلاص في حياتنا أعمق وأصدق وأعلى على الدوام: «مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ ٱلْآلِهَةِ يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِٱلتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟»

كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.


«مَنْ مِثْلُكَ … يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي ٱلْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِٱلتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟» بكلّ قلبي أودّ أن أشترك في ترنيمة الفداء هذه، وأن أفرح بك بوصفك إله خلاصي.

يا إلهي! ليُعلن روحك، الذي صدرت منه كلمات الفرح والانتصار المقدّسة هذه، الفداءَ العظيم في داخلي اختبارًا شخصيًّا، حتّى تصير حياتي كلّها ترنيمة واحدة من الدهشة المرتعدة الساجدة.

أتوسّل إليك خصوصًا أن يمتلئ قلبي كلّه بك أنت، المعتزّ في القداسة، المخوف بالتسابيح، الذي وحدك تصنع العجائب. ليجعلني خوف قداستك أرتعد من كلّ ما فيّ من الذات والجسد، وليقُدني في عبادتي إلى أن أُنكر حكمتي الخاصّة وأصلبها، لكي يتنفّس فيّ روح قداستك. ليُعطِ خوف الرب نغمته العميقة لكلّ دخولي وخروجي في حضرتك المقدّسة. هيّئني هكذا لأحمد ذكر قدسك بلا انقطاع. يا إلهي! أودّ أن أفرح بك بوصفك فاديّ وقدّوسي، بفرح لا يُنطق به ومجيد. وبوصفك فاديّ، أنت تجعلني قدّيسًا. وبكلّ قلبي أثق بك أن تعمل ذلك، أن تقدّسني بالتمام. إنّي أؤمن بوعدك. إنّي أؤمن بك أنت، وبالإيمان أقبلك، أنت القدّوس، فاديّ.

من مثلك يا رب، معتزًّا في القداسة، مخوفًا بالتسابيح، صانعًا عجائب؟


1. قداسة الله مجدًا. يتمجّد الله في قداسة شعبه. القداسة الحقيقيّة تعطي المجد دائمًا لله وحده. عِش لمجد الله: هذه هي القداسة. عِش بقداسة: فذلك يمجّد الله. أن تغيب الذات عن نظرك، وأن تطلب مجد الله وحده، هذه هي القداسة.

2. قداستنا تسبيحًا. التسبيح يعطي المجد لله، ولذلك هو عنصر من عناصر القداسة. «أَنْتَ ٱلْقُدُّوسُ ٱلْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ».

3. قداسة الله، محبّته المقدّسة الفادية، هي سبب فرح وتسبيح لا ينقطعان. سبّح الله لأجلها كلّ يوم. لكنّك لا تستطيع ذلك ما لم تعِش فيها. ليت قداسة الله تصير مجيدة لنا إلى حدّ أنّنا، إذ نفهم أنّ كلّ ما نراه من مجده ليس إلّا إشراق قداسته، لا نملك إلّا أن نفرح بها، وبه هو القدّوس.

4. قد يبدو روح مخافة الرب وروح التسبيح، للنظرة الأولى، متعارضَين. لكنّ الأمر ليس كذلك. فالاتّضاع الذي يخاف القدّوس سيسبّحه أيضًا: «يَا خَائِفِي ٱلرَّبِّ سَبِّحُوهُ». وكلّما انطرحنا أعمق في مخافة الله وفي الخوف من الذات، رفعنا هو بيقين أكبر في حينه لنسبّحه.


اليوم السابع.


صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي