مقدّسون في المسيح
القداسة ومشيئة الله

فصل 27 · قراءة 8 د · استماع 11 د

القداسة ومشيئة الله

«هَذِهِ هِيَ إِرَادَةُ ٱللهِ: قَدَاسَتُكُمْ» (تسالونيكي الأولى 4:3).

«هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ … فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (عبرانيين 10:9-10).

في مشيئة الله نجد اتّحاد حكمته وقدرته. فالحكمة تقرّر وتُعلن ما ينبغي أن يكون، والقدرة تضمن تنفيذه. والمشيئة المُعلِنة ليست إلّا وجهًا واحدًا؛ أمّا مكمّلتها، المشيئة المنفِّذة، فهي القوّة الحيّة التي فيها أصل كلّ صلاح ووجوده. وما دمنا لا ننظر إلى مشيئة الله إلّا في الضوء الأوّل، أي بوصفها ناموسًا، فإنّنا نشعر بها حِملًا، لأنّنا لا نملك القوّة على التنفيذ؛ فهي أعلى منّا. أمّا حين ينظر الإيمان إلى القدرة العاملة في مشيئة الله والمنفِّذة لها، فإنّه يتشجّع على قبولها وإتمامها، لأنّه يعلم أنّ الله نفسه هو الذي يتمّمها. وهكذا يصير التسليم بالإيمان للمشيئة الإلهيّة بوصفها حكمةً هو الطريق إلى اختبارها بوصفها قدرة. وحينئذ لا يعود القول: «يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ» لغة الخضوع المُكرَه فحسب، بل لغة التوقّع المفرح.

«هَذِهِ هِيَ إِرَادَةُ ٱللهِ: قَدَاسَتُكُمْ». في الفهم المعتاد لهذه الكلمات، لا تعني إلّا أنّ القداسة واحدة من أمور كثيرة أخرى شاءها الله؛ أي أنّها أمر يوافق مشيئته. وفي هذه الفكرة تعليم عظيم القيمة. فالله قد شاء قداستكم مشيئةً واضحة جدًّا ومحدّدة: وقداستكم تستمدّ مصدرها ويقينها من كونها مشيئة الله. فنحن من «ٱلْمُخْتَارِينَ … فِي تَقْدِيسِ ٱلرُّوحِ»، وهو «ٱخْتَارَنَا … لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ»؛ وقصد مشيئة الله منذ الأزل، ومشيئته الآن، هو قداستنا. ويكفي أن نتذكّر ما قلناه من أنّ مشيئة الله قوّة إلهيّة تتمّم ما اختارته حكمته، لنرى أيّ قوّة سيعطيها هذا الحقّ لإيماننا بأنّنا سنكون قدّيسين: فالله يشاء ذلك، وسيتمّمه لكلّ من لا يقاومه بل يُسلم نفسه لقدرته، وفيه. فاطلب قداستك لا في مشيئة الله بوصفها إعلانًا لما يريدك أن تكون فحسب، بل بوصفها أيضًا كشفًا لما سيتمّمه هو نفسه فيك.

غير أنّ ثمّة فكرة أخرى ثمينة جدًّا توحي بها هذه الكلمات. فإن كانت قداستنا هي مشيئة الله، فكرتها المركزيّة ومضمونها، فلا بدّ أن يكون كلّ جزء من تلك المشيئة متّصلًا بها، ويكون المدخل الأكيد إلى القداسة هو القبول القلبيّ لمشيئة الله في كلّ شيء. أن تكون واحدًا مع مشيئة الله هو أن تكون قدّيسًا. فليتّخذ من يريد أن يكون قدّيسًا موقفه هنا، و«يثبت في كل مشيئة الله». هناك سيلاقي الله نفسه، ويصير شريكًا في قداسته، لأنّ مشيئته تتمّم قصدها بقوّة في كلّ من يُسلم نفسه لها. فكلّ شيء في حياة القداسة يتوقّف على أن نكون في العلاقة الصحيحة بمشيئة الله.

هناك مسيحيّون كثيرون يبدو لهم من المستحيل أن يفكّروا في قبولهم مشيئة الله كلّها، أو في كونهم واحدًا معها. إنّهم ينظرون إلى مشيئة الله في وصاياها الألف، وفي تدابيرها الإلهيّة التي لا تُحصى. وقد وجدوا أحيانًا أنّ طاعة وصيّة واحدة، أو التخلّي عن طيب خاطر لخيبة أمل خفيفة، أمر صعب جدًّا. ويتخيّلون أنّهم يحتاجون إلى أن يكونوا أقدس وأقوى في النعمة ألف مرّة قبل أن يجرؤوا على القول إنّهم يقبلون مشيئة الله كلّها، سواء في ما يُعمل أو في ما يُحتمل. ولا يستطيعون أن يفهموا أنّ الصعوبة كلّها آتية من أنّهم لا يقفون في الموقف الصحيح. فهم ينظرون إلى مشيئة الله بوصفها مخالفةً لمشيئتهم الطبيعيّة، ويشعرون بأنّ تلك المشيئة الطبيعيّة لن تُسرّ أبدًا بمشيئة الله كلّها. وينسون أنّ للإنسان الجديد مشيئةً متجدّدة. وهذه المشيئة الجديدة تُسرّ بمشيئة الله، لأنّها مولودة منها. وهذه المشيئة الجديدة ترى جمال مشيئة الله ومجدها، وهي في انسجام معها. فإن كانوا حقًّا أولاد الله، فإنّ أوّل دافع لروح الابن هو بالتأكيد أن يعمل مشيئة الآب الذي في السماوات. وليس عليهم إلّا أن يُسلموا أنفسهم من القلب وبالتمام لروح البنوّة هذا، فلا يحتاجون إلى أن يخافوا من قبول مشيئة الله مشيئةً لهم.

والخطأ الذي يرتكبونه خطير جدًّا. فبدل أن يحيوا بالإيمان يحكمون بالشعور، الذي فيه تتكلّم الطبيعة العتيقة وتسود. وهو يقول لهم إنّ مشيئة الله كثيرًا ما تكون حملًا أثقل من أن يُحتمل، وإنّهم لن يملكوا أبدًا القوّة على عملها. أمّا الإيمان فيتكلّم بغير ذلك. إنّه يذكّرنا بأنّ الله محبّة، وبأنّ مشيئته ليست إلّا المحبّة مُعلَنة. ويسألنا: ألا نعلم أنّه ليس في السماء ولا على الأرض ما هو أكمل أو أجمل من مشيئة الله؟ ويُرينا كيف أنّنا في تجديدنا قد اعترفنا من قبل بقبول الله أبًا وربًّا. ويؤكّد لنا، فوق كلّ شيء، أنّنا إن سلّمنا أنفسنا تسليمًا محدّدًا وواثقًا لتلك المشيئة التي هي المحبّة، فإنّها، بوصفها المحبّة، ستملأ قلوبنا وتجعلنا نُسرّ بها، وهكذا تصير القوّة التي تمكّننا من أن نعمل ونحتمل بفرح. إنّ الإيمان يكشف لنا أنّ مشيئة الله هي قوّة محبّته، تتمّم خطّتها في جمال إلهيّ في كلّ من يُسلم نفسه لها بالتمام.

فأيّ شيء نختار الآن؟ وأين نتّخذ موقفنا؟ أنحاول أن نقبل المسيح مخلّصًا دون أن نقبل مشيئته؟ أنعترف بأنّنا أولاد الآب، ثمّ نقضي حياتنا في الجدال حول المقدار الذي سنعمله من مشيئته؟ أنرضى بأن نمضي يومًا بعد يوم ونحن نشعر بألم بأنّ مشيئتنا ليست في انسجام مع مشيئة الله؟ أم لا نسلّم الآن وإلى الأبد مشيئتنا، بوصفها خاطئة، لمشيئته، لتلك المشيئة التي كتبها من قبل على قلوبنا؟ هذا أمر ممكن. إنّه يمكن أن يتمّ. ففي معاملة بسيطة ومحدّدة مع الله، نستطيع أن نقول إنّنا نقبل مشيئته المقدّسة لتكون مشيئتنا. والإيمان يعلم أنّ الله لن يتجاهل تسليمًا كهذا، بل سيقبله. وبالثقة بأنّه الآن يأخذنا إلى داخل مشيئته، ويتعهّد بأن ينفخها فينا، مع المحبّة والقوّة على تنفيذها، بهذا الإيمان لندخل إلى مشيئة الله ونبدأ حياة جديدة، واقفين وثابتين في صميم هذه المشيئة الكلّيّة القداسة.

إنّ قبولًا كهذا لمشيئة الله يهيّئ المؤمن، بالروح القدس، لأن يميّز تلك المشيئة ويعرفها في أيّ صورة أتت. فالفرق العظيم بين المسيحيّ الجسديّ والمسيحيّ الروحيّ هو أنّ الثاني يعترف بالله تحت أيّ مظهر وضيع أو فقير أو بشريّ يُظهر نفسه فيه. فحين يأتي الله في تجارب لا يمكن ردّها إلى يد غير يده، يقول: «فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». وحين تأتي التجارب من ضعف الناس أو من حماقته هو، وحين تبدو الظروف غير مؤاتية لتقدّمه الروحيّ، وتهدّد التجارب بأن تكون أقوى منه وأن تغلبه، يتعلّم قبل كلّ شيء أن يرى الله في كلّ شيء، وأن يظلّ يقول: «فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». إنّه يعلم أنّ ولد الله لا يمكن البتّة أن يكون في أيّ حال من غير مشيئة أبيه السماويّ، حتّى حين تكون تلك المشيئة أن يتركه إلى حين لعناده، أو أن يحتمل عواقب خطيّته أو خطيّة غيره. إنّه يرى هذا، وإذ يقبل ظروفه بوصفها مشيئة الله ليمتحنه ويختبره، يكون في الموقف الصحيح لأن يعرف الآن ما هو صواب ويعمله. وإذ يرى مشيئة الله ويكرمها هكذا في كلّ شيء، يتعلّم أن يثبت دائمًا في تلك المشيئة.

ويفعل ذلك أيضًا بعمل تلك المشيئة. فكما ينمو تمييزه الروحيّ حتّى يقول عن كلّ ما يحدث: «ٱلْكُلَّ مِنَ ٱللهِ»، كذلك ينمو أيضًا في الحكمة والفهم الروحيّ ليعرف مشيئة الله كما ينبغي أن تُعمل. ففي إشارات الضمير والعناية الإلهيّة، وفي تعليم الكلمة والروح، يتعلّم أن يرى كيف تتّصل مشيئة الله بكلّ جانب من جوانب الحياة وبكلّ واجب فيها، ويصير فرحه أن يحيا في كلّ شيء «عَامِلِينَ مَشِيئَةَ ٱللهِ مِنَ ٱلْقَلْبِ … كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ». وإذ يكون «مجاهدا بحرارة في الصلوات لكي يثبت كاملا ومتيقنا في كل مشيئة الله»، يجد كم قَبِل الآب تسليمه بغبطة، وكيف يمدّه بكلّ النور والقوّة اللازمين لكي تُعمل مشيئته به على الأرض كما في السماء.

دعني أسأل كلّ قارئ أن يقول لإله قدّوس: هل أسلم نفسه له حقًّا ليُجعل قدّيسًا؟ هل قبل مشيئة الله الصالحة الكاملة، ودخل إليها، وهو يحيا فيها؟ ليس السؤال: هل يقبل، حين تأتي الضيقة، ما لا مفرّ منه، ويخضع لمشيئة لا يستطيع مقاومتها؟ بل: هل اختار مشيئة الله خيرًا أعظم له، واتّخذ مبدأ حياة المسيح مبدأً له: «أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلَهِي سُرِرْتُ». هذه كانت قداسة المسيح، التي بها قدّس ذاته وقدّسنا: عمل مشيئة الله. «فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ». إنّ مشيئة الله هذه هي قداستنا.

يا أخي! هل أنت جادّ في أن تكون قدّيسًا؟ في أن يمتلكك الله بالتمام؟ ها هو الطريق. أتوسّل إليك ألّا تخاف ولا تتراجع. لقد اتّخذت الله إلهًا لك؛ فهل اتّخذت حقًّا مشيئته مشيئةً لك؟ آه، تأمّل في امتياز أن تكون لك مع الله مشيئة واحدة، وفي غبطته! ولا تخف من أن تسلّم نفسك لها بلا أيّ تحفّظ. إنّ مشيئة الله، في كلّ جزء منها، وبكلّ قدرتها الإلهيّة، هي قداستك.

كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.

أيّها الآب المبارك! آتي لأقول إنّي أرى أنّ مشيئتك هي قداستي، وهناك وحده أريد أن أطلبها. امنحني بنعمتك أن يُعلَن لي إعلانًا كاملًا، بروحك القدّوس الساكن فيّ، مجدُ تلك المشيئة وغبطةُ الثبات فيها.

علّمني أن أعرفها مشيئةَ المحبّة، التي تقصد دائمًا ما هو الأفضل والأكثر بركةً لولدك. علّمني أن أعرفها مشيئةَ القدرة الكلّيّة، القادرة على أن تتمّم فيّ كلّ مشورة لها. علّمني أن أعرفها في المسيح، متمَّمةً تمامًا لأجلي. علّمني أن أعرفها بوصفها ما يشاؤه الروح ويعمله في كلّ من يُسلم نفسه له.

يا أبي! إنّي أعترف بحقّك في أن تُعمل مشيئتك وحدها، وها أنا هنا لكي تعمل بي ما تشاء. بكلّ قلبي أدخل إليها، لأكون واحدًا معها إلى الأبد. وروحك القدّوس قادر أن يحفظ هذه الوحدة بلا انقطاع. إنّي أثق بك، يا أبي، أن تجعل نور مشيئتك يشرق خطوةً فخطوة في قلبي وعلى طريقي، بذلك الروح.


لتكن هذه هي القداسة التي أحيا فيها: أن أنسى الذات وأفقدها في إرضائك وإكرامك. آمين.

1. اجعل من دراستك، في التأمّل والصلاة والعبادة، سبيلًا إلى أن تنال انطباعًا كاملًا عن جلال مشيئة الله وكمالها ومجدها، وعن امتياز الحياة فيها وإمكانها.

2. ادرسها أيضًا بوصفها تعبيرًا عن محبّة وأبوّة لا حدّ لهما؛ فكلّ ظهور لها مملوء لطفًا ومحبّة. كلّ عناية إلهيّة هي مشيئة الله؛ فمهما حدث، لاقِ الله فيه بسجود متواضع. كلّ وصيّة هي مشيئة الله؛ فلاقِ الله فيها بطاعة محبّة. كلّ وعد هو مشيئة الله؛ فلاقِ الله فيه بثقة كاملة. إنّ الحياة في مشيئة الله راحة وقوّة وبركة.

3. ولا تنسَ، فوق كلّ شيء، أن تؤمن بقدرتها الكلّيّة. هو يعمل كلّ شيء حسب رأي مشيئته. في الطبيعة وفي الذين يقاومونه، بدون رضاهم. وفي أولاده، بحسب إيمانهم، وبقدر ما يشاؤون هم ذلك. آمن بأنّ مشيئة الله ستتمّم مشورتها فيك، إذ تثق بها أن تفعل ذلك.

4. هذه المشيئة هي الإحسان والجود اللامتناهيان مُعلَنَين في بذل يسوع لذاته. عِش لأجل الآخرين: فهكذا يمكنك أن تصير أداةً تستخدمها المشيئة الإلهيّة (متى 18:14؛ يوحنا 6:39-40). سلّموا أنفسكم لمشيئة الله الفادية هذه، لكي تمتلككم امتلاكًا كاملًا، وتتمّم بكم أنتم أيضًا قصدها الخلاصيّ.

5. المسيح هو تجسّد مشيئة الله بعينه: إنّه مشيئة الله وقد عُملت. اثبت فيه، بالثبات في مشيئة الله، وبعملها من القلب ودائمًا. المسيحيّ، مثل المسيح، إنسان مُسلَّم لمشيئة الله.


اليوم السابع والعشرون.

صفحة 1 / 1 · 8 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي