فصل 26 · قراءة 8 د · استماع 10 د
القداسة والبراءة من اللوم
«أَنْتُمْ شُهُودٌ، وَٱللهُ، كَيْفَ بِطَهَارَةٍ وَبِبِرٍّ وَبِلَا لَوْمٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ … وَٱلرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ … لِكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلَا لَوْمٍ فِي ٱلْقَدَاسَةِ، أَمَامَ ٱللهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ … مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ» (تسالونيكي الأولى 2:10؛ 3:12-13).
«ٱخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلَا لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ» (أفسس 1:4).
ثمّة كلمتان يونانيّتان متقاربتان جدًّا في المعنى، تُستعملان كثيرًا مع كلمة مقدَّس وبعدها، للتعبير عمّا ستكون عليه نتيجة القداسة وأثرها كما يظهران في الحياة المنظورة. الأولى تُترجَم: بلا عيب، بلا دنس، وهي التي تُستعمل أيضًا عن ربّنا وذبيحته، الحمل الذي بلا عيب (عبرانيين 9:14؛ بطرس الأولى 1:19). ثمّ تُستعمل عن أولاد الله مقرونةً بكلمة مقدَّس: قدّيسين وبلا عيب (أفسس 1:4؛ 5:27؛ كولوسي 1:22؛ فيلبي 2:15؛ يهوذا 24؛ بطرس الثانية 3:14). والأخرى هي: بلا لوم، بلا ملامة (كما في لوقا 1:6؛ فيلبي 2:15؛ 3:6)، وهي ترد أيضًا مقرونةً بكلمة مقدَّس (تسالونيكي الأولى 2:10؛ 3:13؛ 5:23). وجوابًا عن السؤال: هل تشير هذه البراءة من اللوم إلى تقدير الله للقدّيسين أم إلى تقدير الناس؟ يربطها الكتاب المقدّس بوضوح بالاثنين معًا. ففي بعض المواضع (أفسس 1:4؛ 5:27؛ كولوسي 1:22؛ تسالونيكي الأولى 3:15؛ بطرس الثانية 3:14) تدلّ الكلمات «قُدَّامَهُ»، و«لِنَفْسِهِ»، و«أَمَامَ ٱللهِ أَبِينَا» على أنّ الفكرة الأولى هي الطهارة من كلّ عيب والبراءة من كلّ ملامة في حضرة إله قدّوس، وهي ما يُقدَّم لنا قصدًا له وامتيازًا لنا. وفي مواضع أخرى (مثل فيلبي 2:15؛ تسالونيكي الأولى 2:10) تتصدّر المشهدَ البراءةُ من اللوم في نظر الناس. وفي كلّ حالة يمكن أن تُعَدّ الكلمة شاملةً الوجهين كليهما: فما هو بلا عيب وبلا لوم لا بدّ أن يثبت أمام الامتحان المزدوج، امتحان حكم الله وحكم الإنسان أيضًا.
فما هو الدرس الخاصّ الذي يُراد أن نتعلّمه من اقتران هاتين الكلمتين في الكتاب المقدّس، ومن تفسير كلمة مقدَّس بإضافة كلمة بلا لوم؟ إنّه درس بالغ الأهمّيّة. ففي السعي وراء القداسة قد يتعرّض المؤمن لخطر النظر حصرًا إلى الجانب الإلهيّ من البركة، في وجهها السماويّ الفائق للطبيعة، وذلك كلّما ازداد إدراكه وضوحًا لما هي عليه من بركة روحيّة عميقة لا توجد إلّا في الانفصال عن العالم والشركة المباشرة مع الله، ولا تُقتنى كاملةً إلّا بسكنى إلهيّة حقيقيّة. فقد ينسى أنّ التوبة والطاعة، بوصفهما الطريق المؤدّي إلى القداسة، يجب أن تشملا كلّ تفصيل من تفاصيل الحياة اليوميّة، حتّى أدقّها. وقد لا يفهم أنّ الأمانة لقيادة الروح بالقدر الذي لنا منه الآن، الأمانة لأخفت همساته في ما يخصّ السلوك العاديّ، هي أمر لا غنى عنه لكلّ اختبار أكمل لقوّته وعمله بوصفه روح القداسة. وقد لا يكون قد تعلّم، فوق كلّ شيء، أنّه ليس فقط الطاعة لما يعرف أنّه مشيئة الله، بل أيضًا قابليّة للتعلّم رقيقة جدًّا ومستعدّة، لقبول كلّ ما يريد الروح أن يُريه إيّاه من نقائصه ومن مشيئة الآب الكاملة من جهته، هي الشرط الوحيد الذي به يمكن أن تُعلَن قداسة الله لنا وفينا إعلانًا أكمل. وهكذا، بينما هو منهمك كلّ الانهماك في محاولة اكتشاف سرّ القداسة الحقيقيّة الكاملة من الجانب الإلهيّ، قد يتسامح مع عيوب يلاحظها كلّ من حوله، أو يبقى، وذلك لا بدون خطيّة، لأنّه ناشئ عن نقص في كمال القابليّة للتعلّم، جاهلًا بفضائل القداسة وجمالاتها التي كان الآب يريده أن يزيّن بها تعليم القداسة أمام الناس. قد يطلب أن يحيا حياة مقدّسة جدًّا، ومع ذلك لا يهتمّ كثيرًا بحياة بلا لوم على الإطلاق.
لقد وُجد قدّيسون من هذا النوع: مقدَّسون لكنّهم قساة، مقدَّسون لكنّهم بعيدون، مقدَّسون لكنّهم حادّون في أحكامهم على الآخرين؛ مقدَّسون، لكنّ الناس من حولهم قالوا إنّهم بلا محبّة وأنانيّون؛ وكان السامريّ، شبه الوثنيّ، ألطف وأكثر بذلًا للذات من اللاويّ والكاهن المقدَّسَين. وإن كان هذا صحيحًا، فليس اللوم على تعليم الكتاب المقدّس. فبربط كلمة مقدَّس بكلمة بلا عيب (أو بلا لوم) ربطًا وثيقًا إلى هذا الحدّ، أراد الروح القدس أن يقودنا إلى أن نطلب تجسّد القداسة، بوصفها قوّة روحيّة، في البراءة من اللوم في السلوك وفي الحياة اليوميّة. فليطلب كلّ مؤمن يفرح بإعلان الله أنّه مقدَّس في المسيح أن يكمّل القداسة أيضًا، وألّا يسعى إلى أقلّ من أن يكون «بِلَا لَوْمٍ فِي ٱلْقَدَاسَةِ».
أمّا أنّ لهذه البراءة من اللوم علاقةً خاصّة جدًّا بمعاملتنا لإخوتنا البشر، فنراه من الطريقة التي تُقرن بها بالمحبّة. هكذا في أفسس 1:4: «لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلَا لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ». ولكن على الخصوص في ذلك الموضع اللافت: «وَٱلرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ … لِكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلَا لَوْمٍ فِي ٱلْقَدَاسَةِ». فالقداسة والبراءة من اللوم، أي مبدأ الحياة الإلهيّ الخفيّ الإيجابيّ، وممارسة الحياة الخارجيّة البشريّة، كلتاهما تجدان قوّتهما، التي بها نتثبّت فيهما، في محبّتنا الفائضة الدائمة التدفّق.
القداسة والمحبّة: من الأهمّيّة البالغة أن تقترن هاتان الكلمتان في أذهاننا اقترانًا لا ينفصم، كما يقترن واقعهما في حياتنا. لقد رأينا، في دراسة قداسة الله، كيف أنّ المحبّة هي العنصر الذي تسكن فيه وتعمل، جاذبةً إلى نفسها كلّ ما تستطيع أن تقتنيه، وجاعلةً إيّاه مثلها. فالمحبّة هي اللهيب الجميل لنار القداسة الإلهيّة، يمتدّ ليعطي ذاته ويحوّل إلى شبهه كلّ ما يستطيع أن يمسكه. وفي أولاد الله تكون القداسة الحقيقيّة كذلك؛ فالنار الإلهيّة تتّقد لتُدخل إلى غبطتها كلّ ما يقع في متناولها. حين قدّس يسوع ذاته لكي نكون نحن مقدَّسين في الحقّ، لم يكن ذلك إلّا محبّةً تبذل نفسها للموت لكي يشترك الخطاة في قداسته. الأنانيّة والقداسة لا تجتمعان. قد يظنّ الجهل أنّ القداسة ثوب جميل يتزيّن به أمام الله، بينما في الأعماق كبرياء أنانيّة تقول: «أَقْدَسُ مِنْكَ»، وهي راضية تمامًا بأن يبقى الآخر محرومًا ممّا تفتخر هي به. أمّا القداسة الحقيقيّة فهي، على العكس، طرد الأنانيّة وموتها، إذ تستولي على القلب والحياة ليكونا خادمين لتلك النار، نار المحبّة التي تُفني ذاتها لكي تبلغ الآخرين وتطهّرهم وتخلّصهم. القداسة هي المحبّة. والمحبّة الفائضة هي ما يصلّي بولس لأجله بوصفه شرط القداسة التي بلا لوم. فبقدر ما يجعلنا الرب ننمو ونزداد في المحبّة، يستطيع أن يثبّت قلوبنا بلا لوم في القداسة.
يتكلّم الرسول عن محبّة مزدوجة: «ٱلْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ». فالمحبّة للإخوة هي ما أوصى به ربّنا نفسه بوصفها العلامة الأولى للتلمذة. وقد طلبها من الآب بوصفها البرهان الأوّل للعالم على صدق رسالته الإلهيّة. ففي قداسة المحبّة، في قداسة محبّة، تُبرهَن وحدة الجسد وتتعزّز، وتتهيّأ لأعمال الروح القدس الأكمل. وفي الرسائل إلى أهل كورنثوس وغلاطية يُذكر الانقسام والتباعد بين المؤمنين بوصفهما البرهان الأكيد على حياة الذات والجسد. آه، لنبدأ، إن أردنا أن نكون قدّيسين، بأن نكون ودعاء جدًّا وصبورين ومسامحين ولطفاء وأسخياء في معاملتنا لجميع أولاد الآب. لنتأمّل الصورة الإلهيّة للمحبّة التي لا تطلب ما لنفسها، ولنصلِّ بلا انقطاع أن يجعلنا الرب نزداد في المحبّة بعضنا لبعض. فالأكثر قداسةً سيكون الأكثر اتّضاعًا ونسيانًا لذاته، والأكثر وداعةً وإنكارًا لذاته، والأكثر لطفًا واهتمامًا بالآخرين لأجل يسوع. «فَٱلْبَسُوا كَمُخْتَارِي ٱللهِ ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ» (كولوسي 3:12-13).
ثمّ المحبّة للجميع. محبّة تتبرهن في سلوك الحياة اليوميّة ومعاملاتها. محبّة لا تتجنّب الغضب وسوء الطبع والأحكام القاسية فحسب، بل تُظهر الفضيلة الأكثر إيجابيّةً، وهي التكريس الفعّال لخير الجميع ومصالحهم. محبّة رحيمة تعتني بالأجساد كما تعتني بالنفوس. محبّة لا تكتفي بأن تكون مستعدّة للمساعدة حين تُدعى، بل تُسلم نفسها حقًّا لإنكار الذات والتضحية بالذات لكي تبحث عن حاجات أشقى الناس وأقلّهم استحقاقًا وتسدّها. محبّة تتّخذ فعلًا محبّة المسيح، التي أتت به من السماء وقادته إلى أن يختار الصليب، شريعةً ومقياسًا وحيدًا لسلوكها، وتُخضع كلّ شيء لغبطة العطاء الإلهيّة، غبطة صنع الخير، واحتضان المحتاجين والهالكين وخلاصهم. وإذ نزداد هكذا في المحبّة، نكون بلا لوم في القداسة.
إنّنا مقدَّسون في المسيح؛ ومن الله نحن في المسيح، الذي صار لنا من الله قداسةً: وبهذا الإيمان يصلّي بولس أن يجعلنا الرب، ربّنا يسوع، ننمو ونزداد في المحبّة. الآب هو الينبوع، وهو القناة، والروح القدس هو النهر الحيّ. وهو حياتنا، بالروح. فبالإيمان به، وبالثبات فيه وفي محبّته، وبأن نسمح للروح، في اتّحاد وثيق به، أن يسكب محبّة الله، ننال جواب صلاتنا، ونتثبّت به هو بلا لوم في القداسة. فلتكن لنا صلاة إيمان تتحوّل إلى تسبيح: مبارك الرب الذي سيجعلنا ننمو ونزداد في المحبّة، وسيثبّتنا بلا لوم في القداسة أمام إلهنا وأبينا في مجيء ربّنا يسوع مع قدّيسيه.
كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس.
أيّها الإله والآب الكثير النعمة! أشكرك مرّةً أخرى على ذلك الخلاص العجيب، بتقديس الروح، الذي جعلنا مقدَّسين في المسيح. وأشكرك لأنّ الروح يستطيع أن يجعلنا شركاء في حياة المسيح، حتّى نكون نحن أيضًا بلا لوم في القداسة. ولأنّ الرب نفسه هو الذي يجعلنا ننمو ونزداد في المحبّة، لكي تتثبّت قلوبنا هكذا؛ ولأنّ المحبّة الفائضة والقداسة التي بلا لوم كلتيهما منه.
أيّها الرب والمخلّص المبارك! آتي الآن لأطالب بما أنت قادر أن تعمله لي وآخذه لنفسي. لست مقدَّسًا إلّا فيك؛ وفيك أنا مقدَّس. فيك لي القوّة لأزداد في المحبّة. يا من فيه يسكن ملء محبّة الله، ومن أثبت أنا فيه، أيّها الرب، يا ربّي، اجعلني أزداد في المحبّة. ففي الاتّحاد بك، في حياة الإيمان التي فيها تحيا أنت فيّ، يمكن أن يكون ذلك وسيكون. وبتعليم روحك القدّوس قُدني في كلّ خطوات محبّتك المنكرة لذاتها، حتّى أفنى أنا أيضًا في مباركة الآخرين.
وهكذا، يا رب، ثبّت قلبي بقوّة ليكون بلا لوم في القداسة. لتهلك الذات أمام حضرتك. لتستولِ قداستك، التي تبذل نفسها لتجعل الخاطئ قدّيسًا، استيلاءً كاملًا، حتّى يتقدّس قلبي وحياتي بالتمام، وتُحفظ روحي ونفسي وجسدي كاملةً بلا لوم إلى مجيئك. آمين.
1. لنصلِّ بحرارة شديدة لكي لا يكون اهتمامنا بدراسة القداسة أمرًا من أمور العقل أو العواطف، بل من أمور الإرادة والحياة، يراه جميع الناس في السلوك والسيرة اليوميّة. فـ«الازدياد في المحبة» و«بِلَا لَوْمٍ فِي ٱلْقَدَاسَةِ» سيجلبان النعمة عند الله والناس.
2. «ٱللهُ مَحَبَّةٌ»؛ الخليقة هي فيض المحبّة. والفداء هو ذبيحة المحبّة وانتصارها. والقداسة هي نار المحبّة. وجمال حياة يسوع هو المحبّة. وكلّ ما نتمتّع به ممّا هو إلهيّ ندين به للمحبّة. ليست قداستنا قداسة الله، ولا قداسة المسيح، إن كنّا لا نحبّ.
3. «ٱلْمَحَبَّةُ … لَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا». «اَلْمَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا». «ٱلْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ ٱلنَّامُوسِ». «أَعْظَمَهُنَّ ٱلْمَحَبَّةُ». «غَايَةُ ٱلْوَصِيَّةِ فَهِيَ ٱلْمَحَبَّةُ». أن نحبّ الله والإنسان هو أن نكون قدّيسين. ففي معاملات الحياة اليوميّة يمكن أن تكون للقداسة بداياتها البسيطة العذبة وممارستها؛ وهكذا فإنّ القداسة، في أسمى بلوغها، هي المحبّة وقد كمُلت.
4. الإيمان يستمدّ كلّ قيمته من المحبّة: من محبّة الله، التي منها يستقي ويشرب، ومن المحبّة لله وللإنسان التي تتدفّق منه. فلنكن أقوياء في الإيمان، وحينئذ نزداد في المحبّة.
5. «مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا». فليكن هذا ثقتنا.
اليوم السادس والعشرون.
اكتمل الفصل 26
القداسة والبراءة من اللوم