فصل 7 · قراءة 6 د · استماع 8 د
محبة المسيح
معرفة محبة المسيح
إن العلامة المميِّزة لشعب الله أنهم يعرفون محبة المسيح. فجميع الذين انتقلوا من الموت إلى الحياة، بلا استثناء، مهما كان ما لا يعرفونه، قد تعلّموا هذا. وجميع الذين لم يخلصوا، بلا استثناء، مهما كان ما يعرفونه سواه، لا يعرفون شيئًا عن هذا. لأن معرفة محبة المسيح، وذوق حلاوتها، وإدراكها إدراكًا شخصيًّا واختباريًّا وحيًّا، وهي مسكوبة في قلوبنا بالروح القدس، امتياز لولد الله وحده. هذه هي الحظيرة الآمنة التي لا يقدر الغريب أن يدخلها. هذه هي جنة الرب، المحميّة جيدًا بالأسوار والسياجات حتى لا يقدر خنزير الوعر أن يدخلها. المفديّون من الرب وحدهم يسلكون هنا. هم، وهم وحدهم، يقطفون الثمار، ويقنعون بمباهجها.
فما أعظم أهمية السؤال إذن: هل أعرف محبة المسيح؟ هل شعرت بها؟ هل أفهمها؟ هل هي مسكوبة في قلبي؟ هل أعلم أن يسوع يحبني؟ هل قلبي منتعش ومتحرّك ودافئ ومنجذب نحوه بالحق العظيم الذي يعرفه ويفرح به، أن المسيح أحبني حقًّا واختارني ووضع قلبه عليّ؟
ولكن مع أنه صحيح أن كل ولد لله يعرف محبة المسيح، فصحيح كذلك أن أولاد الله لا يعرفون جميعًا هذه المحبة بالقدر نفسه.
في عائلة المسيح أطفال، وأحداث، ورجال أقوياء، وآباء. وكما ينمون ويتقدّمون في كل الأمور الأخرى، هكذا يتقدّمون هنا بكل تأكيد. بل إن ازدياد المحبة، والإدراك الأكمل لمحبة المسيح، من أفضل المقاييس وأعصمها من الخطأ، التي بها نمتحن أنفسنا هل نمونا في النعمة أم لا. إن كنا قد نمونا في النعمة، فمن المؤكد تمامًا أننا تقدّمنا في معرفتنا لمحبة المسيح وفي مبادلتنا إياها. كثيرون آمنوا بيسوع، ويعرفون قليلًا من محبته؛ لكن، آه! ما أقلّ ما يعرفونه حقًّا، بالمقارنة مع آخرين أُدخلوا إلى المخدع الداخلي، وسُقوا من الخمر الممزوجة من سلاف رمّان المسيح. بعضهم ابتدأ يتسلّق الجبل، والمنظر الممتد عند أقدامهم بهيّ جميل جدًّا، لكن المشهد ليس كالذي كان سيستقبل عيونهم لو استطاعوا فقط أن يقفوا حيث يقف القديسون المتقدّمون، وأن ينظروا شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ويروا كل طول محبة المسيح الفائقة المعرفة وعرضها وعمقها وعلوّها.
المسيح كله مشتهيات
إذ تدعو الكنيسة الرب يسوع «كُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ»، فإنها تقرّر أنها لا ترى فيه شيئًا لا تُعجب به. قد يشتم العالم صليبه ويدعوه عارًا؛ أما عندها فهو مركز المجد وروحه. قد ترفض أمة متكبّرة مستهزئة ملكها بسبب مذوده الذي كان مهده وثوبه الذي كان ثوب الفلاحين، أما في عينها فالأمير مجيد في هذا اللباس الفقير. لا يخلو قطّ من الجمال في نظرها؛ لا يُفسد منظره قطّ، ولا يُلطَّخ مجده. إنها تضمّ قدميه المثقوبتين إلى صدرها، وتنظر إلى جراحهما كأنها جواهر. يقف الحمقى عند صليبه فيجدون موضوعات كثيرة للمزاح والسخرية: أما هي فلا تكتشف إلا سببًا رصينًا للسجود الخاشع والمحبة التي لا حدّ لها. وإذ تنظر إليه في كل وظيفة ومقام وعلاقة، لا تستطيع أن تكتشف عيبًا؛ بل إن فكرة النقص مطرودة بعيدًا. إنها تعرف جيدًا لاهوته الكامل وناسوته الذي بلا دنس، فلا تؤوي لحظةً فكرة عيب في شخصه الطاهر؛ إنها تمقت كل تعليم يحطّ من شأنه؛ وتزدري أبهى الستائر التي تحجب ملامحه الجميلة؛ بل إنها لشديدة الغيرة على كرامته حتى إنها لا تسمع لروح لا يشهد بمدحه. أدنى تلميح ضد حبله الطاهر أو نقاوته التي بلا شائبة يُثير نفسها بغضب مقدس، ويكون لعنها سريعًا، واستئصالها للبدعة بلا هوادة. لم يُثر شيء غضب الكنيسة قطّ كما تثيره كلمة ضد رأسها. هذه عند جميع المؤمنين الحقيقيين خيانة عظمى، وإساءة لا يمكن أن يُتهاون بها. يسوع بلا لطخة واحدة ولا عيب، «كُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ».
ومع ذلك فهذا المدح السلبي، هذا النفي الجريء للعيب، بعيد عن أن يمثّل ملء إعجاب الكنيسة المحب. فيسوع في عينيها مشتهًى إيجابيًّا. ليس حسن المنظر فحسب، ولا جميلًا فقط، بل محاسنه محاسن جاذبة، وأمجاده مما يسحر القلب. المحبة تطلّ من تينك العينين اللتين هما «كَٱلْحَمَامِ … مَغْسُولَتَانِ بِٱللَّبَنِ، جَالِسَتَانِ فِي وَقْبَيْهِمَا»؛ وتفيض من الشفتين اللتين هما «سُوْسَنٌ تَقْطُرَانِ مُرًّا مَائِعًا»، وتتلألأ على اليدين اللتين هما «حَلْقَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، مُرَصَّعَتَانِ بِٱلزَّبَرْجَدِ».
ولكن مع أن هذا القول من الكنيسة هو ذروة لغة التسبيح، وقد قُصد به بلا شك أن يكون قمّة كل وصف، فليس ممكنًا أن تقدر هذه الجملة الواحدة، ولو بسطها أدقّ التأمّل، على أن تعبّر عن أكثر من ذرّة من الإعجاب الذي يُشعر به. إنها كواحد من بني عناق، تعلو فوق كل الجمل؛ لكن قامتها تقصر عن بلوغ علوّ المحبة المولودة من السماء الشاهق. إنها ليست إلا رمزًا باهتًا لمودّة لا يُنطق بها؛ لؤلؤة مختارة قذفتها إلى الشاطئ أعماق بحر المحبة.
جواهر الرب
يصنع الصاغة أشكالًا رائعة من مادة ثمينة: يصوغون السوار والخاتم من الذهب. أما الله فيصنع نفائسه من مادة خسيسة؛ فمن الحصى السوداء في الجداول المدنّسة التقط حجارةً، رصّعها في الخاتم الذهبي لمحبته التي لا تتغيّر، ليجعلها جواهر تتلألأ في إصبعه إلى الأبد.
الجمال في المسيح
هناك شيء يُدعى الجمال، يستأسر قلوب الناس. وقد انحنى أمامه رجال أقوياء ليسوا بقليلين، وقدّموا له الولاء؛ لكن إن أردت الجمال الحقيقي، فانظر في وجه يسوع، لأن هناك تجد مجمع كل حُسن. لا جمال في أي مكان إلا في المسيح. أيتها الشمس، لستِ جميلة متى قورنتِ به. أيها العالم الجميل، يا خليقة الإله المجيد العظيمة، لست إلا لطخة باهتة قاتمة بالمقارنة مع بهاء وجهه. حين نرى المسيح، سنُضطرّ أن نقول إننا لم نعرف قطّ من قبل ما هو الحُسن. حين تنقشع السحب، وحين تُزاح الستائر التي تحجبه عن أنظارنا، سنجد أنه لا شيء مما رأيناه أو سمعنا عنه، عظيمًا كان أو بهيًّا، في الكون الواسع، يحتمل لحظةً واحدة المقارنة به، هو الذي رُئي مرةً كعِرق من أرض يابسة، لكنه عمّا قليل سيملأ السماء والأرض بهاءً، ويفرّح كل القلوب بمجده.
المحبة للمسيح
هل لك صديق في البلاط — في بلاط السماء؟ هل الرب يسوع صديقك؟ هل تستطيع أن تقول إنك تحبه، وهل أعلن نفسه لك قطّ بطريق المحبة؟ آه! أن تستطيع أن تقول: «المسيح صديقي»، فذلك من أعذب الأشياء في العالم. محبة المسيح لا تطرد محبة الأقرباء، بل تقدّس محبتنا للمخلوقات، وتجعلها أعذب بكثير. المحبة الأرضية عذبة، لكنها لا بد أن تزول؛ وماذا تفعل إن لم يكن لك غنى إلا الغنى الذي يذوي، ولا محبة إلا المحبة التي تموت، حين يأتي الموت؟ آه، ليت لنا محبة المسيح! هذه تستطيع أن تحملها معك عبر نهر الموت؛ وتستطيع أن تلبسها جوهرةً لك في السماء، وتضعها خاتمًا على يدك؛ لأن محبته «قوية كالموت، وأشدّ بأسًا من الهاوية».
دائرة المحبة
ينبغي أن يكون عطف المسيحي دائمًا من أوسع طراز، لأنه يخدم إلهًا محبته غير محدودة. حين تُلقي النعمة حجر المحبة الكريم في البركة البلّورية للقلب المتجدّد، فإنه يحرّك مياه الحياة الشفافة في دوائر من العطف تتّسع أبدًا: الحلقة الأولى ليست واسعة المحيط جدًّا — نحن نحب أهل بيتنا؛ لأن من لا يعتني بأهل بيته فهو شرّ من الوثني. لكن لاحظ الحلقة التالية المتّحدة المركز — نحن نحب أهل الإيمان: «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ». انظر مرة أخرى، فإن الحلقة المتّسعة أبدًا قد بلغت أقصى حدود البحيرة، وضمّت الجميع في نطاقها، إذ ينبغي «أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَٱبْتِهَالَاتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لِأَجْلِ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ». تابع يسوع يعني صديق الإنسان. المسيحي محبّ للبشر بحكم مهنته، وسخيّ بقوة النعمة؛ وامتداد محبته بسعة مُلك الحزن، وحيث لا يقدر أن يعين يظلّ يشفق.
تنازل المسيح
حين ظهر المخلّص بين الناس، لم يكن كواحد ارتفع من بين الصفوف ليحصّل لنفسه مكانة، بل كواحد نزل من السماوات ليحمل البركات إلى الشعب. الجهّال والأمّيّون يجدون فيه أفضل صديق لهم. ليس هو مشترعًا صارمًا، ملتفًّا ببرّه الخاص، ينظر إلى المتعدّي بعين العدالة؛ ولا هو مجرد مُعلن جريء للجزاء والعقاب، ولا الشاجب الذي لا يرحم للجريمة والإثم. إنه محبّ نفوسنا الرقيق؛ الراعي الصالح الخارج لا ليقتل الذئب بقدر ما ليخلّص الخراف. كما تسهر المرضعة بحنان على طفلها، هكذا يسهر هو على نفوس الناس؛ وكما يترأّف الأب على البنين، هكذا يترأّف يسوع على الخطاة المساكين. ليس الأمر جذبه الخطاة إليه بقدر ما هو نزوله إليهم؛ لا وقوفه على قمة الجبل وأمرهم أن يصعدوا، بل نزوله من الجبل واختلاطه بهم في معاشرة؛ نزوله من المراعي العالية وراء خرافه في الأودية والشعاب، لكي يمسك بها، ويرفعها على منكبيه القويين، ويحملها إلى الموضع الذي يضمّها فيه إلى حظيرة الطهارة، ويباركها بكل نعمة، ويحفظها للمجد الآتي.
اكتمل الفصل 7
محبة المسيح