الشفاء الإلهي ·مرض أيوب وشفاؤه

فصل 28 · قراءة 4 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

مرض أيوب وشفاؤه

«فَخَرَجَ ٱلشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ ٱلرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ» (أيوب 2:7).

في قصة أيوب الغامضة يُرفَع للحظة الحجابُ الذي يحجب عنا العالم غير المنظور، فتنكشف لنا السماء والجحيم منشغلتين بعباد الله على الأرض. ونرى فيها التجارب الخاصة بالمرض، وكيف يستخدمها الشيطان ليخاصم الله ويسعى إلى هلاك نفس الإنسان، بينما يسعى الله، على العكس، إلى تقديسها بالتجربة نفسها. وفي حالة أيوب نرى في نور الله المصدرَ الذي يصدر عنه المرض، والنتيجةَ التي ينبغي أن يُفضي إليها، وكيف يمكن الخلاص منه.

من أين يأتي المرض: أمن الله أم من الشيطان؟ تختلف الآراء في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا. فبعضهم يرى أنه مُرسَل من الله، وآخرون يرون فيه عمل الشرير. وكلا الفريقين مخطئ ما دام يتمسك برأيه دون رأي الفريق الآخر، وكلاهما مصيب إذا أقرّا بأن لهذه المسألة وجهين. فلنقل إذن إن المرض يأتي من الشيطان، ولكنه لا يمكن أن يوجد من غير إذن الله. فمن جهة، سلطان الشيطان سلطان ظالم ليس له في نفسه أي حق في أن ينقضّ على الإنسان ويهاجمه؛ ومن جهة أخرى، دعوى الشيطان على الإنسان مشروعة من حيث إن عدل الله يقضي بأن من يسلّم نفسه للشيطان يضع نفسه تحت سلطانه.

الشيطان هو رئيس مملكة الظلمة والخطية، والمرض نتيجة الخطية. ومن هنا يقوم حق الشيطان على جسد الإنسان الخاطئ. فهو رئيس هذا العالم، والله يقرّ له بذلك، إلى أن يُغلَب غلبةً شرعية ويُخلَع عن عرشه. ولذلك له سلطان ما على جميع الذين يبقون هنا في الأسفل تحت ولايته. فهو إذن الذي يعذّب الناس بالمرض، ساعيًا بذلك إلى صرفهم عن الله والعمل على هلاكهم.

ولكننا نسارع إلى القول إن سلطان الشيطان بعيد كل البعد عن أن يكون قدرة كلية؛ فهو لا يستطيع أن يفعل شيئًا من غير إذن الله. إن الله يسمح له بكل ما يفعله في تجربة الناس، حتى المؤمنين منهم، ولكن ذلك لكي تُثمر التجربة فيهم ثمر القداسة. وقد قيل أيضًا إن للشيطان سلطان الموت (عبرانيين 2:14)، وإنه عامل في كل موضع يسود فيه الموت، ومع ذلك فليس له سلطان أن يقضي في موت عباد الله من غير مشيئة الله الصريحة. وهكذا الأمر في المرض أيضًا. فبسبب الخطية يكون المرض عمل الشيطان، ولكن لما كان التدبير الأعلى لهذا العالم بيد الله، فيمكن أن يُعَدّ أيضًا عمل الله. وكل من له معرفة بسفر أيوب يعلم كم يظهر هذا الأمر هناك بكل وضوح.

ماذا ينبغي أن تكون نتيجة المرض؟ إن النتيجة تكون خيرًا أو شرًّا بحسب من تكون له الغلبة فينا: الله أم الشيطان. فتحت تأثير الشيطان يزداد المريض انغماسًا في الخطية على الدوام. فهو لا يعترف بأن الخطية هي سبب التأديب، وينشغل بنفسه وبآلامه دون سواهما. ولا يشتهي شيئًا سوى أن يُشفى، من غير أن يخطر له اشتياق إلى الخلاص من الخطية. وعلى العكس، حيثما يظفر الله بالغلبة، يقود المرضُ المتألمَ إلى إنكار نفسه وتسليمها إلى الله. وقصة أيوب مثال على ذلك. فقد اتهمه أصحابه ظلمًا بأنه ارتكب خطايا بالغة الجسامة، وأنه بها جلب على نفسه آلامه الرهيبة. غير أن الأمر لم يكن كذلك البتة، إذ إن الله نفسه شهد له بأنه «كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ» (أيوب 2:3). ولكن أيوب في دفاعه عن نفسه تجاوز الحد. فبدلًا من أن يتضع منسحقًا أمام الرب ويعترف بخطاياه الخفية، سعى بكل برّ ذاتي إلى تبرير نفسه. ولم يقل إلا بعد أن ظهر له الرب: «أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي ٱلتُّرَابِ وَٱلرَّمَادِ» (أيوب 42:6). وهكذا صار المرض له بركة عظيمة إذ قاده إلى معرفة الله معرفة جديدة كل الجدة، وإلى الاتضاع أمامه أكثر من أي وقت مضى. هذه هي البركة التي يريد الله أن ننالها نحن أيضًا كلما سمح للشيطان بأن يضربنا بالمرض، وهذه الغاية يبلغها كل متألم يسلّم نفسه إليه تسليمًا كاملًا بلا تحفظ.

كيف نُنقَذ من المرض؟ إن الأب لا يطيل قط تأديب ولده أكثر من الوقت اللازم. وكذلك الله، الذي له قصده في السماح بالمرض، لا يطيل التأديب أكثر مما يلزم لبلوغ غايته. فما إن فهمه أيوب، منذ أن دان نفسه وندم في التراب والرماد، بإصغائه إلى ما أعلنه الله له عن نفسه، حتى انتهى التأديب. والله نفسه أنقذه من يد الشيطان وشفاه من مرضه.

ليت مرضى أيامنا يدركون أن لله قصدًا محددًا في السماح بالتأديب، وأنه ما إن يتحقق هذا القصد، وما إن يكون الروح القدس قد قادهم إلى الاعتراف بخطاياهم وتركها وإلى تكريس أنفسهم كليًّا لخدمة الرب، حتى لا يعود التأديب لازمًا — وأن الرب قادر على إنقاذهم وراغب فيه! إن الله يستخدم الشيطان كما تستخدم حكومة حكيمة سجّانًا. فهو لا يترك أولاده في سلطانه إلا للوقت المعيّن؛ وبعد ذلك تكون مسرّته أن يُشركنا في فداء ذاك الذي غلب الشيطان، والذي انتزعنا من سلطانه بحمله خطايانا وأمراضنا عوضًا عنا.

المحتويات

الشفاء الإلهي Andrew Murray

صفحة 1 / 1 · 4 دقيقة متبقية في الفصل